لم يكن الشعب المصري يومًا راضيًا عن حاكمه ومحبًا له، منذ عهد الفراعنة، بل العلاقة بين الحاكم وشعبه تربطها مصلحة مباشرة بأن يوفر الحاكم للمحكوم ما يريده أو العكس، بحكم العلاقة التي تجمع الطرفين “فالشعب يختار حاكمه والأخير ارتضى أن يكون حاكمًا”، ودائمًا ما كان يأتي اختيار الحاكم عقب أزمة يصنعها من سبقه، فاختيار محمد علي باشا ليكون واليًا على مصر جاء بعد أن فرض الحاكم وقتها خورشيد باشا الضرائب جزافًا على الشعب فثار عليه واجتمع عمر مكرم وأعيان المحروسة في “دار الحكمة” وعزلوا خورشيد ونصبوا محمد علي، لتحكم أسرته العلوية مصر (1805 ـ 1952)، وخلال هذه الفترة لم يربط الشعب بأي من سلالة محمد علي إلا المصلحة، لتكون النهاية برحيل فاروق الذي ربما أحبه الشعب في البداية ليعود لاحقًا ويتمنى رحيله.

عبد الناصر رحل حاملًا أحلام الشعب معه

وبرحيل فاروق وقيام ثورة 1952 تصدر المشهد محمد نجيب والذي لم يتعرف عليه الشعب عن قرب ليغدر به زملاؤه الضباط الأحرار ليرحل بانقلاب هادئ 1954، ويصعد نجم جمال عبد الناصر سريعًا “فن صناعة الزعيم”، وساعده الزمان والمكان ليليق به التدثر بثوب الزعيم الملهم، بأن مصر كانت ترزح وقتها تحت نير الاحتلال الإنجليزي، ويعيش الشعب حياة الذل والهوان، فكانت الفزاعة التي صنعت منه زعيمًا كمصلحة الشعب بالتخلص من الاحتلال البغيض وتوغل الباشوات والإقطاعيين في ما هو يعيش على الهامش، وتوسم المصريون خيرًا في عبد الناصر لكنه هُزم في أوقات وانتصر في أوقات أخرى، ورحل دون أن يحقق أيًّا من آماله وطموحاته، وبكاه الشعب ليس حبًّا فيه، بل شعورًا بأن أحلامه التي صورها له ناصر ماتت معه.

السادات سنوات ما بعد الانكسار

أتي السادات وسط انكسار الشعب المصري ليقبل على عدة خطوات في سنوات حكمه الأولى، راقت للجميع بعدما صورها الإعلام على أنها في مصلحته، وكان أهمها رحيل الخبراء السوفييت وثورة التصحيح بإقصاء الموالين لناصر، ومضى الرجل لينتصر على إسرائيل 1973، ليبدأ في طريق الديمقراطية ولو بشكل جزئي، مصححًا وضع اغتالته ثورة يوليو عقدين من الزمن، وشرع السادات الأبواب لتيار الإسلام السياسي بهدف ضرب تيار اليسار والشيوعيين، وأقنع الشعب أن ما يقوم به في مصلحته، وعندما أقبل على الخطوة التي خشاها كثيرًا برفع أسعار الخبز في 1977 ثار عليه الشعب ليلغي كل ما سبق من قرارات، لتأتي النهاية الدرامية بعدها بـ 4 سنوات ويلقى حتفه في حادث المنصة الشهير في ذكرى انتصار 6 أكتوبر.

مبارك تجسيد حي لكره الشعب للحاكم

حقبة مبارك تعد الأطوال بين سابقيه، بل هي الأطول بعد حقبة محمد علي باشا، ويعد الرئيس الوحيد الذي قدم أسوأ ما يمكن أن يقدمه حاكم لشعبه “ليلفظ الشعب حاكمه ويكرهه من كل قلبه”، طوال ثلاثة عقود لم يكن يربطه والشعب سوى ما يسمى بالاستقرار الذي عزف على أوتاره طويلًا وفزاعة الإخوان، فهو الذي قتل روح التغيير في الشعب ككل لتأتي ثورة 25 يناير 2011 لتفاجئه لينظر لنفسه في “مرآة قصور الرئاسة بأنه كان يعيش الوهم”، بأن الشعب راضٍ عنه وعن ما يتخذه من خطوات يعتقد أنها في صالحه، ليرحل للسجن لتعيده الثورة المضادة لبيته في محاولة لتبييض صفحته مرة أخرى، لكن هيهات.

مرسي الضحية

سبق انتخاب محمد مرسي فترة انتقالية بحكم المجلس العسكري صعب تقييمها لحالة الشد والجذب التي شهدتها البلاد، ليأتي انتخاب الدكتور محمد مرسي والذي لعبت الصدفة دورًا كبيرًا في أن يترشح لهذا المنصب، ليكون أول رئيس مصري منتخب من قبل الشعب على مر التاريخ، بعدما تم استبعاد خيرت الشاطر ليكون هو البديل، ووجد مرسي في مواجهته أكثر من إسم أقواهم بالطبع كان أحمد شفيق ممثل النظام البائد، ووجد الشعب المصري نفسه بين خيارين “الحقنة واللبوس” إما أن يشعر بألم الحقنة بإعادة استنساخ النظام السابق، أو يتقبل برودة اللبوس فكان اختياره للأخيرة، ليصبح مرسي رئيسًا لمصر.

ويبدو أن النظام السابق ممثلًا في الدولة العميقة استكثر عليه وعلى جماعته أن يكون رئيسًا لمصر، ليواجه الرجل من أول يوم برفض إعلامي موجه تأثر به قطاع كبير من الشعب، وبدأ صراع أيديولوجي مثير ما بين تيار الإسلامي السياسي والتيارات الأخرى ليبرالية أو يسارية التي انحاز الجيش لها وساندها بقوة ليستولي على الحكم في النهاية ويقصي الطرفين معًا، وهي التي ساعدته في حشد شعبي كبير ليمتطيه السيسي وينقلب على أول رئيس منتخب، ليرحل مرسي كأول رئيس لم يمكث في الحكم سوى عام واحد في سابقة سيظل التاريخ يذكرها طويلًا.

السيسي هل يحبه الشعب؟

بعد رحيل مرسي جاء المشير السيسي بحسب سيناريو تم حياكته بنجاح وبشكل رائع، بأن “الشعب يريد وهو لا يريد”، وما بين المتمنع والراغب ظلت عدة شهور حالة شبق بين الطرفين، ليتصدر الرجل المشهد، ويحقق إرادة الأمة كما صورها الإعلام، التي رأت فيه أنه منقذهم من غياهب الجُب التي كانت سترميهم فيها الإخوان، لتربطهم به المصلحة، فهم كرهوا مرسي والإخوان وهي الحالة التي نقلتها لهم الدعاية المضادة عبر إعلام مسيطر، ورأوا فيه أنه الزعيم الملهم.

ويبدو أن الرجل مؤمن بمن سبقوه من خريجي المؤسسة العسكرية ويسير على نفس نهجهم فتصرف كما “ناصر وتحدث كما السادات”، لكن هل حقًا يحبه الشعب أم يحب الشعب مصلحته، للآن لم يتضح ذلك فالرجل حقيقة أقرب لقلب نساء مصر، لكن هل حقق السيسي قليلًا مما أراده منه الشعب؟ الإجابة لا، لكن الشعب يرى أن هناك كارثة كانت ستقع به بحسب السيناريو المعد لذلك، ولديه أمنياته بأن يزول هذا الهاجس، وعندما يزول سيرى السيسي الوجه الحقيقي للشعب “كما رآه حسني مبارك من قبل”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد