تنبع معظم مشاكل العالم من أخطاء لغوية ومن سوء فهم بسيط، لا تأخذ الكلمات بمعناها الظاهري مطلقًا، وعندما تلج دائرة الحب تكون اللغة التي نعرفها قد عفا عليها الزمن، فالشيء الذي لا يمكن التعبير عنه بكلمات لا يمكن إداركه إلا بالصمت، هكذا يُظهر مولانا جلال الدين الرومي أهمية الصمت.

ولما للكلمات من أثر عميق في النفس، وجب الحذر من خطورة ما يخرج من الفم، ذلك الأثر من الممكن أن يكون إيجابيا، إذا كانت الكلمات تعبر عن حالة حب، حب للوطن، حب للكون الشاسع، حب للغنسان الذي يشارك في عزف موسيقى الكون بكلماته، وأحيانا تكون الكلمات ذات أثر سلبي، خاصة إذا كانت موجهة كرسالة كراهية أو تعصب لمذهب أو معتقد، فتكون الإساءات اللفظية صعبة النسيان، لما لها من عميق أثر، كأنها السهام تغرز في صدر صداقة نقية أو علاقة ود خلقتها الظروف وجمعتها الصدف لتفرقها كلمة تخرج في لحظة غضب أو جنون.

الصمت فضيلة، وهناك فضائل لا تدرك إلا بالصمت، وإذا كان المقابل لكلمة فضيلة هي الرذيلة، فإن هذا يدل على أن الرذائل أبعد ما تكون عن الصمت، حيث إنها تكثر في الكلام، حيث إن نسبة وقوع الأخطاء تزيد كلما زادت الكلمات، وفي النقيض تمامًا يعبر الصمت عن الفضيلة، لذلك نجد في الأثر أن النبي محمد صلي الله عليه وسلم قد حض المسلمين على الصمت، وبين أن من حفظ ما بين فكيه، أي اللسان، فإنه قد ضمن له دخول الجنة؛ لما للسان من هفوات وذلات توقع صاحبه في الكثير من المشاكل وتورده موارد العقاب.

الصمت عندالعارفين كلام، ومن أدري بفوائد الصمت غير العارفين الذين فضلوا الخلاء على الألفة، والخلوة على الاختلاط، ووحشة الصحاري علي عمار المدائن؛ لأنهم وجدوا في الصمت لغة لا يفهمها غيرهم، والصمت هو مفتاح فهم كل شيء، فعندما يصعب على الفلاسفة أمر، فإنهم يغوصون في بحار الصمت، والصمت أيضا لغة العارفين لممارسة عبادة التأمل، التأمل في خلق الله، التأمل في عجائب قدرته وعظيم صنائعه.

الصمت في حضرة الجمال جمال، هناك أشياء لا يمكن التعبير عنها، إلا بالصمت ويعتبر الكلام في هذه المواقف قلة ذوق، فعندما يٰدهشنا وجه حسن نصمت، وعندما يقدم لنا أحدهم خدمة جميلة نصمت، وعندما نكون في حضرة جمال النهل من بحار العلم الشاسعة نصمت، وكذا الحال عندما نتأمل جمال الكون بنجومه وشمسه وقمره، فإننا نصمت، فالصمت تقديس للجمال واعتراف بأثره في النفس.

الصمت يُورِث المهابة، والمهابة هي التي تجعل لكلماتك طريقا للوصول إلى أذن صاغية، فما أن يهابك الناس حتى تصبح لكلماتك صدى وعميق أثر، حيث يميل أغلب الناس لتصديق من يهابونهم، لذلك حتى إيصال صوتك وجعل كلماتك ذات مصداقية يجب أن تصمت، وكم من سفيه أفقده تهوره ميزة أن تكون لكلماته وزن أو معنى، وكم من عزيز نفسٍ مهاب بين الناس يصدقه الناس في صمته وكلامه.

يظن الكثيرين أن الطريقة الوحيدة لإيصال صوتهم للعالم أو إيصال وجهة نظرهم هي عن طريق الكلام أو الصراخ عاليًا للفت نظر الكثيرين إليهم، ولكنهم يجهلون أن طريقتهم هذه قد عفا عليها الزمن، بل حتى المحاكم تكفل لك حق الصمت للدفاع عن نفسك وتجنيبها مصائب أو إدانات قد تجلبها لك كلمة خارجة عن السياق، فالصمت تعبير عن الرفض، والصمت كذلك تعبير عن القبول، الصمت تعبير عن القوة وثبات الرأي، لذلك اصمت ليصل صوتك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد