الأنا في الوطن العربيّ

عندما يصبح همُّ المواطن العربيّ تدبيرَ احتياجاته وحقوقه؛ أو الحدّ الأدنى منها، فإنّنا لن نستغرب من تحوّل المواطن في وطنه من منتجٍ يريد الإفادة والتّأثير إلى مواطن يريد أن يقدّم الحدّ الأدنى ممّا لديه. العلاقة بكلّ وضوحٍ؛ أعطي بقدرِ ما آخذ.

لقد تحوّل أبناء الوطن العربيّ شيئًا فشيئًا من قادةٍ إلى قطيعٍ، صار همُّهم بعضَ الحقوق، و(اللهمّ السّتر)، وجاء هذا نتيجة ظروفٍ مركّبةٍ ألمّت في المنطقة. وهذا ولّد عملًا روتينيًّا، وانتظامًا باهتًا تخضع له النّاس، بل إنّها تطلبه، صرنا نخاف من المغامرة، ونخاف من التّجربة، وهذا ما يجعلنا أحيانًا (نُمنطِقُ) ذلَّنا، ونرفض الأفكار الخلّاقة، وننظر إلى المبدعين بمنظارٍ عدستُه الرّيبة والخوف.

أصبح خوفُنا عائقًا أمام كلّ مجدّدٍ ومطوّرٍ، إنّه يخضع لمجتمعٍ يُرادُ له الانتظامُ والرّوتين، مجتمعٍ يريد (مواطنًا مستقرًّا) يتكيّف مع الظّلم المنكبّ عليه يومًا فيومًا. أرى أشخاصًا يستطيعون أن يقدّموا لمجتمعهم وأن يفيدوه، وهم بين ثلاثةٍ: مسلّمٍ لخوف مجتمعه فلا يقدّم شيئًا، بل إنّه ينظر إلى وقته بأنانيّةٍ فهو يعنيه وحدَه وليس من شأن مجتمعه أن يسأله بعض الإفادة. ومنكسرٍ حاول الإفادة فانصدمَ حين انتقل من المثاليّة إلى الواقع فتوقّف عن المحاولة. ومُواظبٍ لا يفتأ يبحث عن طريقٍ بديلٍ كلّما أُغلق الباب في وجهه.

وهناك رابعٌ لم أضفْه إلى أولئك (الثّلاثة) لأنّه ليس لديه ما يفيد فيه، لكنّه يحاول ركوب الموجة، بالتّصوير والإعلام، وهو في أرض الواقع لا يفيد في شيء.

وللأسف لم يتوقّفْ الواحد منّا عن تقديم ما لديه، بل صار يطمع إلى مقابلٍ من تقديرٍ واحترامٍ أكثر ممّا يعطي هو لمجتمعه، إنّه يريد الشّهرة، والمالَ، والسّعادةَ، وهو لا يتطوّع، ولا يصنع، ولا يفكّر، ولا يستثمر.

ماذا بعد؟

بعد هذا العرض البسيط للـ(أنا) في الوطن العربيّ، يلزمنا أنْ نعرف أنّ هذه الـ(أنا) كي تتحوّل إلى (نحن) بحاجةٍ إلى قوّةٍ، وثقةٍ، وثباتٍ، لن يكون تغيّرها في يومٍ وليلةٍ، ولكنّها ستتغيّر يومًا ما.

مَن سيحوّلها؟

مهما كانت حالة أيّة حضارةٍ فإنّها لا تخلو من اثنين إلى ثلاثةٍ بالمئة من مواطنيها الّذين تشرئبّ أعناقهم إلى التّغيّر والتّغيير، إنّهم يريدون الأفضل لهم ولبلدانهم، وهم مَن سيكونون مشعل النّور في كلّ حضارةٍ تُقام، وإبادتُهم تعني انطفاء وهج تلك الحضارة الّتي أقاموها.

كيف ننتقل في حياتنا من (أنا) إلى (نحن)؟

إنّ كلّ فردٍ يستطيعُ أن يقدّمَ في مجاله، يستطيع أن يستثمر فيه جهده، وطاقاتِه، لو أنّ معظمنا قدّم في مجاله كلّ ما يستطيع من إفادةٍ وتأثير فإنّ الوطن سيتغيّر حاله، وستتغيّر خريطة المنطقة، إنّ المواطن إذا أدرك أنّه ليس مجرّد مؤثّرٍ بمقابلٍ، وأدرك أنّه لا يعطي ليأخذ، بل ليبني ويفيد فإنّني -وأيَّ شخصٍ عاقلٍ- سنتنبّأ بتطوّر هذا الوطن تطوّرًا مشهودًا. على الفرد العربيّ أنْ يعرف أنّه ليس مجرّد آلةٍ، ولا صانعَ عملةٍ، إنّه بشرٌ له وزنُه وقيمتُه هدفه أن يشيد حضارةً وقوّةً، أو على الأقلّ أن يترك أثرًا طيّبًا قبل وفاته.

عرضي للمشكلة ليس من باب الإحباط أو السّلبيّة المقيتة، لكنّه من باب «الخطوة الأولى لحلّ أيّةِ مشكلةٍ هو إدراك وجودها أوّلا».

وختامًا، إنّ نتاج هذه النّظرة كما قلت مجموعة ظروفٍ ألمّت بالمنطقة، لكنّها -وللأسف- أدّتْ إلى تسرّب مخدّر الإحباط في شرايينا، إنّنا بارعون براعةً منقطعة النّظير في الشّكوى، في استخراج النّقطة المالحة من المحيط العذْب، من الانزواء عن السّعادة والنّجاح لنصير حلفاء للحزن والفشل، إنّنا بكلّ بساطةٍ قد تحوّل خوفنا من الفشل إلى ارتياحٍ إليه، إنّه صديقنا وإنْ سُئلنا عن ذلك وضعنا عشراتِ الأسباب من الفشل؛ مثل حاكمٍ ظالمٍ، وضريبةٍ جائرةٍ، وجارٍ فاسدٍ، وخادمٍ غيرِ ماهرٍ، نختلق هذه الأسباب من دون أن يطرف لنا جفنٌ. يقول تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات