لنبدأ حديثنا بمقولة للكاتب والمؤرخ العظيم روبرت فيسك حين قال «الإعلام هو جريمة القرن العشرين».

نحن لا نرى الواقع من خلال أعيننا ولكن نراه من خلال تلك الشاشات، فالواقع إن الإعلام هو المحرك الأساسي لكل النزوات والمطامع والأهواء، فباستطاعته أن يقلب الحق باطلًا والباطل حقًا، وأن يجعل المظلوم ظالمًا والظالم مظلومًا يستطيع أن يخرج الناس من النور إلى الظلمات.

إن الإعلام بكل آلياته أو وسائله المسموعة أو المقروءة أو المرئية باختلاف تأثير كل منها يستطيع تحريك الشعوب نحو فئة معينة ويستطيع في نفس الوقت تحريكهم ضدها، مثله كالساحر العظيم الذي يضرب بعصاه فيخطف الألباب.

ونستعرض هنا كيف يخدعنا الإعلام

أولا: الانتقائية في الطرح بمعنى أن الأحداث والأخبار كثيرة جدًا، كما أن الآلة الإعلامية ذات وقت محدود أي لا تستطيع رصد كل ذلك، والقضية هنا ليست في ذلك ولكنها في معايير أو مبادئ الانتقائية على سبيل المثال.

القنوات التونسية والمصرية أقامت الدنيا ولم تقعدها على مقتل «شكري بلعيد» أحد العلمانيين مع أن هناك انتهاكات تحدث داخل تونس، ولكن ليس لفصيل علماني، وبالتالي لا أحد يسمع عنها.

ثانيًا: الإغفال وغض الطرف عن القضايا المهمة والأحداث القوية وإثارة قضايا ذات اتجاه معين، وبذلك تتخذ سياسة الإغفال، على سبيل المثال

في الستينيات عام 1965 قامت القوات العسكرية الإندونسية مدعومة من المخابرات الأمريكية بانقلاب على «أحمد سوكارنو» وكان له توجهات شيوعية، فقامت بالسلب والنهب والتدمير لكافة المنشآت ولكن وسائل الإعلام الأمريكية غضت الطرف عن كل هذا وعن كل هذه الانتهاكات.

ثالثًا: تدمير الآليات الإعلامية التي تتكلم بمنطق وحيادية وهذا ما يسمى بالهجوم على الهدف وتدميره، على سبيل المثال وكالة إعلامية تدعي «سان جوزيه مركري» للأخبار تتكلم عن عمليات تهريب متورطة فيها المخابرات الأمريكية، ولكن وسائل الإعلام الأمريكية غضت الطرف عن ذلك بل واتهمت هذه الوكالة والصحفي الذي نشر الخبر بأنهم يبحثون عن الشهرة ويريدون المال وقامت بالتشكيك في نواياهم، وهذا ما نسميه «الهجوم على الهدف».

رابعًا: التصنيف، أي تصنيف الأشياء عند التحدث عنها وبالتالي تقوم بتصنيفها لتناسب الأمر الذي نتحدث عنه أو تناسب ميولنا واختياراتنا أي تقوم باللعب على الأهواء النفسية حتى يكون التأثير أبلغ وأعمق وحتى لا تدع مكانًا للعقل بالتفكير أو المقارنة أو غير ذلك.

على سبيل المثال، نحن لا نستطيع مثلًا أن نتحدث عن الإسلام بموضوعية وحيادية فنقول بدلًا من ذلك الإرهاب الإسلامي، فيأخذ الجميع هذا الانطباع بمجرد التفكير في الإسلام، مثال آخر، نحن لا نستطيع الحديث عن رئيس معين أيًا كان بحيادية فنقول الديكتاتور، فبالتالي يتبادر إلينا ذلك التفكير بمجرد الحديث عنه.

في 2001 ،كان هناك رئيس ياباني يدعى «كوزيومي» كانت له سياسة انفتاحية كبيرة، وقام بالانفتاح الرهيب على السوق الأمريكية مما أدى إلى تدمير السوق اليابانية تدميرًا شديدًا ولكنه كان يسمى في الإعلام الأمريكي بالإصلاحي، وأنه يقوم بكل تلك الأمور لمصلحة اليابان ولمحاولة مجاراة التقدم، سمي بالإصلاحي وذلك يعد تنصيفًا، والتصنيف هنا لإخفاء أو ستر حقيقة الهدف من ذلك، فالمشاهد بذلك لا يتلقى الحقيقة ولكنه يأخذ انطباع أو تصنيف الملقي.

وسنكمل باقي الخدع الإعلامية والحروب النفسية والأفكار التي تستخدم في ذلك في المقال القادم إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب "كيف يخدعك الاعلام " مايكل برنتي _ كتاب "الصحافة والاقلام المسمومة"للاستاذ انور الجندي
عرض التعليقات
تحميل المزيد