مقبرة الدبابات والأرتال، والثقب الأسود الذي لطالما ابتلع عناصر وضباطًا من قوات النظام، وميليشيات روسيا وإيران، والذي عجز النظام وروسيا والقوات المساندة له كافة عن السيطرة عليه منذ أعوام، بات اليوم تحت سيطرة قوات النظام وروسيا، التي دخلته في 24 من أغسطس (آب) الماضي، وسط ذهول من الجميع، من العدو قبل الصديق، فكيف سيطر النظام على مقبرة الدبابات والأرتال؟

سقوط كفرنبودة «مقبرة الدبابات» كان البداية

تقع كفرنبودة في ريف حماة الشمالي الغربي، تكتسب أهميتها الاستراتيجية من كونها تعد نقطة الوصل بين ريف حماة الشمالي، ومنطقة سهل الغاب من جهة، وكونها بوابة ريف إدلب الجنوبي من جهة أخرى، بصفتها تجاور بلدة الهبيط التابعة لمحافظة إدلب، ما جعلها خط الدفاع الأول عن مناطق الشمال المحرر.

اكتسبت كفرنبودة لقبها عقب معركتها مع قوات النظام بدعم روسي 2015، بعد تدمير أكثر من 24 دبابة في يوم واحد.

وخرجت البلدة عن سيطرة النظام أواخر عام 2011، الذي حاول استردادها مرارًا، لا سيما في العام 2013، أثناء محاولة سهيل الحسن استعادتها ضمن حملته لاستعادة ريف حماة كاملًا.

أعنف الحملات على كفرنبودة كانت في أكتوبر (تشرين الأول) لعام 2015، تزامنًا مع دخول الروس علنًا للمشاركة مع قوات الأسد في سوريا، إذ دعمت روسيا حملة برية وجوية واسعة لاجتياح الريف الحموي، بداية من كفرنبودة، إلا أن فصائل الجيش الحر قاومت الحملة، وارتكبت مجزرة بدبابات قوات النظام وميليشياته، من خلال تدمير عدد كبير منها بصواريخ فصائل الحر المضادة للدروع، فانكسرت الحملة وفشلت في تحقيق أهدافها.

في الثامن من مارس (آذار) من العام الجاري، شنت قوات النظام، وبدعم روسي كما جرت العادة، هجومًا على البلدة؛ بغية السيطرة عليها، على الرغم من وقوعها ضمن المنطقة المنزوعة السلاح، المتعارف عليها حسب اتفاق الضامنين، الروسي والتركي، وتمكن النظام من السيطرة عليها، بعد معارك مع فصائل الثوار هناك «جيش العزة، الوطنية للتحرير، هيئة تحرير الشام».

وترجع خسارة مقبرة الدبابات لأسباب عدة؛ أهمها سياسة الأرض المحروقة، التي اتبعتها روسيا، على غرار كل حملاتها، في المناطق التي سيطرت عليها من حلب شمالًا، حتى درعا جنوبًا، إلا أن ثمة أسبابًا أخرى لا يمكن تغافلها، حيال سقوط المنطقة، لا سيما دخول الفصائل الثورية هناك حالة تخبط، إثر غياب التنسيق بينها، وغياب غرفة عمليات لصد قوات النظام، خاصة بعد أن أقصت تحرير الشام «جبهة النصرة سابقًا» فصائل المنطقة ضمن سياسة اتبعتها آنذاك للهيمنة على ريفي حماة وإدلب، فأبعدت فصائل أحرار الشام، وجيش النصر من مكونات الجبهة الوطنية للتحرير، وأبناء المنطقة أصلًا، عن ريف حماة، كان أحد أهم الأسباب لخسارة كفرنبودة.

وجرت معارك عديدة، سعت خلالها الفصائل الثورية لاستعادة البلدة، ودامت الأحوال على صورة كر وفر، حتى ثبت النظام قواته فيها تثبيتًا كاملًا، وليسيطر على البلدة تمامًا.

قلعة المضيق وسهل الغاب.. المرحلة الثانية

تمثل قلعة المضيق بوابة سهل الغاب، وتعد الخزان الزراعي والتجاري الذي ترتكز عليه قرى ريف حماة، خرجت عن سيطرة النظام في أواخر عام 2011، بينما بقي النظام متمركزًا في قلعتها «الحابوسة».

وبعد يوم واحد من خسارة كفرنبودة، أعلنت الفصائل الموجودة في بلدة قلعة المضيق، الواقعة غرب كفرنبودة، انسحابها من البلدة، كونها ساقطة ناريًّا، بعد سيطرة النظام على المناطق المحيطة بها، بحسب بيان الجبهة الوطنية للتحرير، وتابعت قوات النظام تقدمها في المنطقة، وسيطرت على قرى الشريعة، وباب الطاقة، والحويز بسهل الغاب، وقرى أخرى بجبل شحشبو.

تعد «هيئة تحرير الشام» القوة الضاربة في قلعة المضيق، وذلك بعد العمل العسكري الذي أطلقته، مطلع العام الحالي، وسيطرت بموجبه على معظم مناطق الشمال السوري من يد أحرار الشام، والتي خيرتهم بين الانضمام إليها، وبين التهجير لمناطق غصن الزيتون، الأمر الذي رفضه أبناء المنطقة؛ فهجر عدد منهم، لكنهم عادوا لصد تقدم قوات النظام في ما بعد.

وأعلنت تحرير الشام أن المناطق التي دخلتها قوات النظام، هي مناطق رخوة، وغير محصنة، نظرًا إلى منع أهاليها «للمجاهدين» من التحصين والتدشيم، كون معظمهم وقعوا اتفاقيات هدنة مع النظام، حسب وصفهم.

معارك تل ملح والجبين والحماميات تحت غرفة عمليات موحدة

نتيجة التقدم الكبير الذي أحرزه النظام في ريف حماة، واقترابه من إدلب، في (مايو) أيار من العام الجاري، أعلنت فصائل جيش العزة والوطنية للتحرير وتحرير الشام، تشكيل غرفة عمليات تحت مسمى «الفتح المبين» عبر فتح محور جديد لتشتيت قوات النظام.
وبالفعل، استطاع مقاتلو الفتح المبين السيطرة على قرى تل ملح والجبين، اللتين تعدان خط دفاع أول عن بقية مناطق قوات الأسد، على خط سقيلبية- محردة غرب مدينة حماة، خط الإمداد الرئيس لقوات الأسد في المنطقة.

أيضًا سيطرت غرفة الفتح المبين على قرية الحماميات، وتلتها صاحبة التحصين العالي، وذلك أول مرة منذ عام 2011. معارك تل ملح والجبين أظهرت الوجه المهترئ لقوات النظام، ودعت روسيا لإشراك قوات خاصة روسية

دامت المعارك هناك ما يقارب 90 يومًا، تكبدت خلالها قوات النظام وحليفتها روسيا خسائر هائلة في الأرواح، وفادحة في العتاد؛ إذ تبدلت القوات المقاتلة، والتي كانت مزيجًا من الفيلق الخامس المحسوب على روسيا، وفيلق القدس الفلسطيني والفرقة الرابعة، المحسوبة على إيران أيضًا، وصولًا للقوات الخاصة الروسية.

تكتيك روسي جديد ساهم في التراجع وتقدم النظام

عملت روسيا على تغيير تكتيكها في المنطقة، من خلال اعتمادها على قوات خاصة، إضافة لإنهاك الثوار نتيجة المعارك اليومية، مع تفاوت كبير في تسليح الطرفين، أدى لتراجع الثوار في المنطقة، واستعادة النظام تلك المناطق كافة، بل تعداها للسيطرة على مناطق جديدة لم تكن في الحسبان، فسيطر على قرى الزكاة، والأربعين، والصخر بريف حماة، تلتها السيطرة على بلدة الهبيط بريف إدلب الجنوبي.

كان واضحًا من خلال سير المعارك هناك، أن روسيا والنظام كانتا تهدفان، وبوضوح، إلى محاصرة ريف حماة الشمالي، نظرًا إلى عجزها عن اقتحامه مباشرة، وبأسلوب مشابه لعملياتها بالغوطة، من خلال الالتفاف على المناطق المستعصية وقطع طرق الإمداد عنها، وهذا ما عملت عليه روسيا بريف حماة.

السيطرة على خان شيخون كان المفتاح للسيطرة على ريف حماة

عقب سيطرتها على بلدة الهبيط جنوب إدلب، تابعت روسيا وقوات النظام سياسة القضم للمزيد من المناطق، وسيطرت على قرى عابدين، وكفرعين، وإم زيتونة ومدايا، وتابعت مسيرها باتجاه بلدة خان شيخون الاستراتيجة، وبعد معارك كبيرة مع فصائل غرفة الفتح المبين، استطاعت الوصول إلى تل النمر الواقع شمال خان شيخون، وتمكنت من قطع الطريق الدولي الذي يعد خط الإمداد الرئيسي والوحيد للمدينة، توازى ذلك مع استمرار المعارك والتقدم أيضًا على محور تل سكيك شرق المدينة.

في هذه الأثناء سارعت تركيا لإرسال رتل من قواتها على عجالة، لمنع سقوط خان شيخون من خلال إنشاء نقطة مراقبة إضافية في تل النمر، قبل وصول قوات النظام إليه، لكن عند الوصول، تعرض الرتل لقصف جوي روسي، ما استدعى عدم دخوله النقطة التي سيطر عليها النظام أصلًا.

وبعد سيطرة النظام وروسيا على تل النمر، أضحى الطريق أمامها مفتوحًا باتجاه خان شيخون، لكن على ما يبدو أن التفاهمات التركية الروسية، أخرت عملية دخول القوات إليها.

في هذه الأثناء انسحبت فصائل الثوار من داخل المدينة، وتمركزت في أطرافها الجنوبية، بينما بقيت قوات النظام شمالها، تزامن ذلك مع انسحاب فصائل الثوار من ريف حماة الشمالي، كي لا تحاصر في حال دخول قوات النظام الوشيك إلى خان شيخون، وبالفعل دخلتها قوات النظام واحتلتها بالكامل.

دخول قوات النظام ريف حماة الشمالي

مع دخول قوات النظام خان شيخون، ومع انسحاب الفصائل في ريف حماة الشمالي خشية الحصار، بات ريف حماة بالكامل متاحًا للدخول إليه، وكانت البداية من مقبرة الأرتال، مدينة مورك التي لطالما أوجعت النظام، ودفنت أرتاله التي حاولت اقتحامها في عام 2014، وتمكنت من ذلك لتحرر فيما بعد عام 2016.

ونشرت قوات النظام مقاطع عدة من داخل المدينة، لاسيما من أمام نقطة المراقبة التركية في إشارة واضحة لمحاصرتها.

مدينة اللطامنة الخارجة عن سيطرة النظام منذ عام 2012، قلعة الصمود بريف حماة (هيروشيما حماة)، التي كان النظام وعناصره يرتجفون فقط من ذكر اسمها، والتي تعد معقل جيش العزة الرئيس، والتي ذاقت عبر أعوام الثورة كل حقد النظام وطائفيته، والتي قدمت وما بخلت يومًا بتقديم شيء، دخلتها قوات النظام أيضًا، لتطوى صفحتها بصمت، كما كانت تقتل بصمت يوميًّا.

مدينة كفرزيتا التي شبهها محبوها بطائر العنقاء الذي ينبعث من تحت الرماد، فرغم كل الدمار، وكل الإجرام لم تستسلم.

الأمر ذاته ينطبق على عنقاء الثورة، التي ما بخلت يومًا بتقديم الغالي والنفيس في سبيل نيل الحرية والكرامة، منذ أول أيام الثورة، والتي نالها أيضًا كل إجرامه، وكانت عاصمة لبراميله المتفجرة، وأول من ذاق غارات النابالم الحارق.

لحايا، لطمين، معركبة، الصياد، تل فاس، كلها بات مصيرها مشابهًا لمصير ما سبق ذكره، وكلها مناطق كان يحلم النظام بأن بضع قدمه فيها عدة لحظات، وعجز عن التقدم إليها مباشرة، ومن الأمام، فدخلها من الخلف.

وتكمن المفارقة في أن هذه المناطق لطالما كانت الدرع والحصن لمناطق الشمال، لكن النظام دخلها عن طريق الشمال الذي كانت درعه.

تجدر الإشارة من جديد إلى أن كل المناطق المذكورة كانت ضمن ما يعرف بخفض التصعيد، والمنطقة المنزوعة السلاح المتفق عليها بين تركيا وروسيا، لكن روسيا ضربت عرض الحائط بكل الاتفاقيات وسط صمت تركي مريب، الذي لم يرد على محاصرة نقطته التركية، بل نفت تركيا على لسان وزير خارجيتها المحاصرة أصلًا، ولتتحول المنطقة من منزوعة السلاح إلى منزوعة السكان.

وحتى هذه اللحظة، لم يصدر أي بيان أو توضيحات من الفصائل الثورية، عن دخول قوات النظام إلى ريف حماة الشمالي، في ظل انتظار أبناء المنطقة وتساؤلاتهم عن وضع منطقتهم ومستقبلها.

قد يكون كل القصف الذي تعرض له ريف حماة الشمالي، وكل المجازر التي حصلت بحقه، ونزوح أهله، وتسجيلهم  أطول فترة نزوح في تاريخ الثورة السورية مؤلمًا جدًّا بالنسبة لهم، لكني أكاد أجزم أن كل ما عاشوه لا يعادل مثقال ذرة من خسران أراضيهم وبلداتهم؛ فريف حماة الشمالي الذي ظلم طيلة سنين الثورة، يظلم الآن من جديد، لكن بطريقة أقسى من ذي قبل.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد