كان سؤال كيف يعمل الكون؟ ولا يزال مثارًا للقلق لدى الإنسان بصفة عامة، ولدى الفلاسفة والعلماء بصفة خاصة، فمنذ بدء التاريخ والإنسان ينبش باستعمال الوسائل المتاحة ويبحث جاهدًا للإجابة على هذا السؤال. إذ يعتبر الإنسان أن الإجابة عليه تشكل خطوة كبيرة يخطوها في سبيل فهم الكون والحياة وسبر أغوار الأسرار التي تقبع خلف هذه المنظومة الغريبة الدقيقة والمحكمة. ويبدو من خلال ما نمتلكه اليوم من إرث فلسفي وعلمي بجميع صنوفه أن الإنسان بالفعل قد تمكن من فك شفرة لغز الكون والحياة ولو بصفة نسبية، فقد تمكن من اكتشاف القوانين التي تحكم الكون وتسيره وتوظيفِها لتفسير الظواهر الكونية والتنبؤ بها. لكن وفي الوقت نفسه، ومع ازدياد التقدم العلمي، تجلت للإنسان جملة من الإشكالات والتساؤلات الأخرى التي جعلت تفسيراته لنظام الكون والحياة غير كافية، بل اتضح خطأ بعضها في كثير من الأحايين.

بدأت المحاولات الأولى لتفسير الكون عند الفلاسفة، فقد اهتم الإغريق منذ القرن السادس قبل الميلاد بنشأة المادة وأصل الكون، وحاولوا الإجابة على مختلف الإشكالات المرتبطة بهذا الموضوع، واقترحوا أن للوجود مبدأ أوليًا، يقصدون به المادة الأصلية للموجودات والتي تمخضت عنها مختلف المواد المتنوعة الأخرى التي تشكل وجودنا. ويتبين أن الفلسفة اليونانية القديمة نظرت إلى الكون نظرة مادية في أول الأمر، فها هو طاليس يعتبر أن أساس الوجود هو مادة الماء باعتبار أنها مادة نقية أصلية تدخل في تشكيل جميع المود الأخرى المغايرة، ثم يأتي إمبدوقليس ليخبرنا أن أصل الوجود هو أربع مواد أساسية وهي التراب، الماء، الهواء والنار. ليأتي أرسطو ويحذو نفس الحذو قائلًا إن الوجود عبارة عن الطبيعة وشكلها، فالماء بدون شكل لا تستطيع التعرف عليه.

انتقلت بعدها الفلسفة اليونانية إلى نظرة غير مادية للكون، فاعتبر بارميندس أن العقل هو أصل الوجود، أما هيراقليطس فقد أكد أن أصل الوجود هو التغير قائلًا بأنك لن تستطيع الاستحمام في نفس النهر مرتين لأن الماء في المرة الأولى ليس نفسه في الثانية. أما أفلاطون فقد طرح مثال أسطورة الكهف مبينًا أن هناك عالما آخر هو أصل هذا الوجود سماه بعالم المُثل.

أتت بعدها الفلسفة الأوروبية لتصر على الطبيعة غير المادية للوجود، وأهم مثالين على ذلك هما كل من ديكارت من خلال ثنائيته التي أكد فيها أن للعقل سيادة على الجسد والمادة، وكذا هيجل في القرن التاسع عشر الذي قال إن الروح هي القوة المحركة للأشياء.

يبدو جليًا من خلال ما سبق أن العلماء والفلاسفة كلما ظنو أنهم قبضوا على المادة سرعان ما تنفلت من بين أيديهم، فقد مالت كفة تفسير الكون وأصله وحركيته لصالح كل من العقل والروح على حساب المادة، لكن وفي الآن نفسه نلاحظ أن الموذج المادي لقي نجاحًا باهرًا جعل الكثيرين يعتبرونه الوسيلة الوحيدة القادرة على تفسير الكون. فما الذي جعل النظرة المادية تلقى هذا النجاح الهائل؟

لنلق أولًا نظرة سريعة على ما نقصدة بالنموذج المادي للكون. إنه الزاوية التي نعالج منها كل المسائل والحوادث التي تقع في الكون ونستخدمها كمرجع صادق لتفسيرها. وتقوم هذه النظرة على أن المادة مكونةً من الذرات هي أصل الوجود، وهي مادة أزلية لا تفنى ولا تُستحدث، لذلك فهي ليس في حاجة إلى موجِد (إله). هذه المادة تسلك سلوكاتها بفضل القوانين الأربعة التي تحكمها: الجاذبية، القوة النووية الضعيفة، القوة النووية القوية، القوة الكهرومغناطيسية، وبما أن الطبيعة وقوانينها هي التي تحكم الوجود فهذا يُفرز لنا ما يسمى بالحتمية المادية، أي أن كل شيء يتصرف وفقًا لقوانين الطبيعة ولا يحيد عنها.

النجاح الكبير الذي لقيته المادية يرجع أساسًا إلى أن المادة مرئية واضحة بدهية لا يمكننا الشك في وجودها، ثم إلى قدرتها على التنبؤ بالظواهر الطبيعية، فقوانين الجاذبية مثلًا مكنت العلماء بطريقة رياضية من التنبؤ بوجود كوكب آخر في المجموعة الشمسية، بالرغم من غياب الرصد المباشر لهذا الكوكب، ليتمكنوا بعد ذلك من التأكد من هذا التنبؤ، ووجدوا أن هناك بالفعل كوكبًا آخر سموه أورانوس. إلى جانب هذا فإن النموذج المادي مكن الإنسان من تسخير الطبيعة لصالحه بعدما كان قديمًا يخاف غضبها وعقابها، واخترع مجموعة كبيرة من الآلات والأدوات التي جعلت حياته تقفز درجات كبيرة نحو الأحسن. كل هذا جعل الإنسان في مأمن كبير وأدى به ليضع ثقة كبيرة في ما توصل إليه من علوم ومعارف، وبما أن العلم المادي هو الذي يستطيع أن يجيب عن سؤال كيف تسلك الأشياء، فلا بد عن أن نضع ثقتنا فيه ونقول بأن المادة أصل الوجود وبأن المادية هي الوحيدة القادرة على تقديم إجابات واضحة ومقنعة لأسئلتنا حول الكون. لكن إلى أي درجة يمكن أن نجزم بصحة هذه القناعات؟ وهل بالفعل نجحت المادية في التفسير الكامل للوجود؟

إن الإشكاليات التي يواجهها الماديون في الحقيقة أكبر بكثير مما يظنون، فكلما تقدم هذا المذهب في تقديم إجابات كلما تعقد الأمر عليه وظهرت أسئلة ونقط ضعف أخرى تجعل النموذج المادي فاشلًا فشلًا ذريعًا في تقديم جواب مقنع على أبسط الأسئلة التي تحير الإنسان. فحتى في الجانب العلمي للمادية، ومع ظهور فروع جديدة من العلوم، تبين أن المادية تعيش ضعفًا كبيرًا وانحصارًا ملحوظًا لصالح اللامادية.

لنبدأ على سبيل المثال بالنموذج الذري، الذي يخبرنا أن كل ما في الطبيعة أصله عبارة عن ذرات وجزيئات، هنا نطرح سؤالًا في غاية الأهمية: إذا كان الكل عبارة عن ذرات ومادة، فلماذا مثلًا صارت الشجرة شجرة، وصار الحصان حصانًا، والإنسان إنسانًا، ما الذي يجعل المادة تتخذ أشكالًا معينة لتعطي لنا في الأخير شجرة أو حصانًا علمًا أن نفس المادة الأولية واحدة؟ في نفس السياق، ودائمًا من منظور مادي، يخبرنا أصحاب المنهج الاختزالي المادي أمثال توماس هوبز وديفيد هيوم بأن تفسير الوجود يمكن القيام به من خلال ما يسمى بالاختزالية، أي أننا إذا أردنا فهم ظاهرة معينة فإننا نفككها إلى وحداتها المكونة لنفهم سلوك هذه الوحدات ومن ثم سلوك الظاهرة. صحيح أن المذهب الاختزالي نافع إلى حد ما في تفسير الظواهر العلمية، لكنه يفشل في كل مرة يحاول أن يفسر لنا ظاهرة الإنسان، فحين نفكك الإنسان إلى وحدات مكونة ننتقل من دراسة الحياة إلى دراسة الفيزياء، أي أن ظاهرة الإنسان تختفي فجأة بين أيدينا.

قام العلم بعد ذلك بطرح نماذج أخرى لفهم وتفسير الكون، لكنها بالرغم من نجاحها في بعض الأشياء، فشلت في أخرى وبعضها يعاني من فجوات علمية كبيرة. فالنموذج الميكانيكي الذي اقترحه نيوتن مثلًا كان في أول الأمر صالحًا ومقنعًا قائمًا على أن كل شيء يتبع نفس القوانين إلى ما لا نهاية، ويمكننا التنبؤ بكل شيء، أما التغيرات الطفيفة في المعطيات فتُنفي بعضها البعض مع مرور الزمن، لكن تبين لاحقًا أن هذا المنظور لا يعمل مع ميلاد نظرية الشواش أو الفوضى التي تؤكد لنا أن التغيرات الطفيفة جدًا يمكن أن تحدث تغيرات هائلة في ظاهرة معينة في المستقبل (تأثير الفراشة). لقد اتضح أن النجاح التطبيقي للنموذج المادي لا يعني بالضرورة نجاحه التفسيري.

ومع دخول القرن العشرين، واجهت المادية مشاكل أعمق لم تكن تتوقعها، فبحدوث الثورات العلمية الجديدة، وخصوصًا كل من فيزياء الكم، البيولوجيا الجزيئية وثورة الوعي، تبين أنه حتى الفيزياء والبيولوجيا الكلاسيكية والحتمية الميكانيكية لم تعد صالحة للإجابة على كل الإشكالات. فبعد اعتبار المادة مجرد جزيئات أتى أينشتاين ليثبت الطبيعة الثنائية للضوء، أي أنه جسيمات وموجات في نفس الوقت، الشيء الذي يأخذنا مباشرة إلى جنون فيزياء الكم، هذه الفيزياء التي تتعارض مع بدهيات الحس المشترك. فصرنا نعرف أن للراصد دورًا في تحديد الواقع (تجربة الشق المزدوج مثالًا)، وأن الاحتمالية هي التي تحكم الأشياء وليست الحتمية الفيزيائية، فالجزيئات يمكن أن توجد في أماكن مختلفة في نفس الوقت، كما يمكنها أن تتواصل لحظيًا بسرعة أكبر من سرعة الضوء.

لقد حاول الماديون بالفعل تقديم تفسيرات لكل هذه الإشكالات الجديدة، لكنهم في الواقع لم يزيدوا الطين إلا بلة، فهاهم يحاولون شرح احتمالية الكون ويرجعونها إلى نظرية غريبة تدعى الأكوان المتعددة، أي أن هناك لا نهاية من الأكوان، كل واحد منها يمثل احتمالًا من الاحتمالات اللانهائية، لكن هذه الفرضية فاشلة للأسف منذ البداية، فهي لا ترقي لأن تكون نظرية علمية أساسًا؛ لأنها ببساطة ليس قابلة للرصد ولا للدحض، كما أنها لا تجيب على السؤال الرئيس للمشكلة، فهم حاولوا تفسير نشأة الكون بافتراض وجود أكوان متعددة، فكيف نفسر نشأة هذه الأكوان المتعددة إذًا؟ هنا نرجع للمشكلة الأولى من جديد.

أما ثورة البيولوجيا الجزيئية فقد أكدت وبقوة أن الحياة ليس مجرد ظاهرة فيزيائية أو كيميائية، فكم المعلومات المختزل في الشفرة الوراثية مثلًا هائل جدًا لدرجة أنك يمكن إن أردت كتابتها ستحتاج إلى 74 ألف صفحة جريدة (يمكن أن نتساءل هنا مجددًا: من الذي وضع هذا الكم من المعلومات في الشفرة الوراثية؟ وكيف تتحول هذه المعلومات إلى أعضاء في جسد الإنسان؟).

هنا يمكن أن نتسنتج انهيار الأسس التي تقوم عليها المادية، وهي الحتمية، فظهور مفهوم الاحتمالية وفشل النموذج الجزيئي وكذا الاحتياج إلى عامل مرجح للاحتمالات، كل هذا يقودنا إلى أن الكون وتشكيله بحاجة إلى عنصر مرجح وبحاجة إلى مصدر للمعلومات التي تحتوي عليها الشفرة الوراثية.

فهل نحن في حاجة إلى نموذج معرفي جديد لتفسير الكون؟ الجواب هو نعم، وسأتحدث عنه في الجزء الثاني من المقال الذي سأنشره لاحقًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الكون
عرض التعليقات
تحميل المزيد