تميل المجتمعات التي تعيش في ظل الحكم الديكتاتوري إلى حالة تشبه الخمول أو العزلة الفكرية التي تجعلها نادرة الإنتاج في المجالات الثقافية والفنية؛ وهو ما يمكن تفسيره في سنوات حكم مبارك التي سبقت الثورة والتي شهدت انعدامًا في التعبير الشبابي عن أفكارهم (باستثناء محاولات قليلة سبقت قيام الثورة المصرية)، قبل أن تبدأ تلك الطاقات المكبوتة في الانفجار عقب قيام الثورة. فمن أشد الظواهر الملفتة للنظر هو سعي الناس إلى تسجيل كل الأحداث المميزة بكل الوسائل الممكنة؛ ولعل من أبسط وأهم الطرق التي يمكنك منها معرفة التاريخ هو متابعة الجدران بما تحتويه من كتابات ورسوم.


المحاولات الأولى للتدوين بالرسوم والكتابة كانت غاية في البساطة؛ التي شهدها ميدان التحرير في الـ18 يومًا الأولى لقيام الثورة، بدأها المصريون بالكتابة بالطباشير على أرض الميدان، حيث اعتاد الناس تحديد بعض الأماكن برسم خطوط أو مربعات في الأماكن التي جلسوا فيها على أرض الميدان للغناء أو النقاش في الاحتمالات السياسية التي قد تشهدها الأيام القادمة، تلك الخطوط كانت في الأغلب باللون الأبيض أو الأصفر. في نفس الفترة الزمنية كان يمكن مشاهدة الانفجار الشعبي الراغب في رحيل مبارك متمثلًا في كلمة (ارحل) التي اجتاحت في وقت واحد كل الجدران في المحافظات المصرية عن طريق الرش بالإسبراي، قبل أن تحتل كلمة (الجيش والشعب إيد واحدة) موقع الصدارة عقب تنحي مبارك وثقة المواطنين في القوات المسلحة في ذلك الوقت، حتى أنه تم كتابة هذه العبارة على العديد من المركبات العسكرية والدبابات.


 

الفترة التي شهدت سيطرة المجلس العسكري على الحكم هي من أكثر الفترات ازدهارًا في تاريخ الثورة المصرية من ناحية الرسوم على الجدران أو المعروفة بالجرافيتي، ولعل جرافيتي شارع محمد محمود ومجلس الوزراء هو من الأيقونات المميزة للثورة، والتي احتلت مقدمتها صورة الشيخ عماد عفت مبتسمًا شهيد أحداث مجلس الوزراء. الألوان القوية والرسومات الصاخبة كانت السمة الأساسية في تلك المرحلة، التي أبدع الفنانون في التعبير عن أفكارهم من خلالها ومن أشهر تلك الصور كانت صورة الوجه التي يحتل نصفها مبارك والنصف الآخر وجه طنطاوي مع عبارة (اللي كلف مامتش) و(الثورة مستمرة) في دلالة لفهم الشارع في ذلك الوقت أن المجلس العسكري ما هو إلا امتداد لمبارك. قبل أن تمتلئ جدران شارع محمد محمود بصور الشهداء الذين سقطوا في كل أحداثه سواء في الذكرى الأولى أو الثانية وأشهرهم جيكا.

 


 

في العام الذي شهد تولي الإخوان المسلمين للحكم متمثلًا في تولي محمد مرسي الرئاسة، لم تتوقف الجدران عن تسجيلها مواقفها المعترضة على الحكم، بل وشهدت للمرة الأولى مرحلة انتقال الكتابات من مهاجمة الشخص الحاكم فقط إلى مهاجمة التيار السياسي بالكامل الذي ينتمي إليه الرئيس؛ فما بين (يسقط يسقط حكم المرشد) و(الإخوان خرفان) ومرورا بـ(دستوركم باطل) ثم شعار (تمرد) و(انزل 30 /6) ثم انتهاءً بـ(بعد الدم مفيش شرعية) التي أعقبت خطاب مرسي الشهير عن شرعيته.

 

 


 

في بداية فترة الانقلاب العسكري؛ أصبحت مصر تمتلك انقسامًا شعبيًّا واضحًا ما بين المؤيد والمعارض للانقلاب، وبدأت بعض رسوم الجرافيتي في ميدان رابعة العدوية، وكان من أشهرها التي رسمت على قطع الطوب التي كانت تشكل السور الدفاعي ضد محاولات فض الاعتصام، فما بين صور الشهداء وما بين (الشرعية تمنها الدم) و(مرسي راجع) كانت تلك أغلب ما كتب على الجدران. قبل أن تمتد المسيرات المناهضة للسيسي والانقلاب لتشمل كل المحافظات المصرية وتنشر معها الكتابات المعادية لتولي السيسي الحكم، أغلب تلك الكتابات التي كان الغرض منها توثيق الكراهية الشعبية ضد السيسي شملت على العبارات الأكثر وضوحًا والأكثر صراحة على ذلك فما بين (السيسي خاين) و(السيسي قاتل) وانتهاءً بالهاشتاج الأكثر انتشارًا في الثورة قبل الانتخابات (انتخبوا الع..).

 

 


 

وعلى مدار تلك السنوات الخمس الماضية شهدت أيضًا الجدران المصرية العديد من الظواهر العامة المختلفة أيضًا، ففي بعض الأحيان هاجمت الجدران الإعلاميين والقضاة بل وحتى إدارات الأندية. وفي أحيان أخرى كانت الجدران شديدة الفكاهة وكان من أشد ما رأيته تلك العبارة التي كتبت على جدران شارع شمبليون في التحرير لشاب يحب فتاة في فترة حكم الإخوان حيث اختار أكثر الطرق بساطة للتعبير عن ذلك بكتابته (أحمد بيحب منى وبيكره الإخوان).


هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد