عندما يتمعن الباحث في شؤون العرب والمسلمين المقيمين في الغرب أو كما يحلو للكثيرين تسميتهم باللاجئين أو المهاجرين، يجد أن هناك خللًا كبيرًا في إستراتيجية إعادة دمج هؤلاء المهاجرين في الواقع الغربي في مختلف المجالات، كما أن إبقاء الوضع على ما هو عليه الآن دون إعادة النظر في هذه الإستراتيجية جعل الكثير من المهاجرين يعتقدون أن السلطات الغربية لا تفكر مطلقا في طبقة المهاجرين بقدر ما تفكر في ذريتهم (أولادهم وأحفادهم)، والتي يعوّل عليها أن تكون غربية اللغة والثقافة والمسلكية، وبالتالي يضمن الإستراتيجيون في الغرب القضاء على الخلل السكاني عندهم مستقبلا بعناصر أجنبية مستوردة لكن غربية الهوى والهوية.

كما أن من الإشكاليات الكبيرة التي تعترض حياة المسلمين في الغرب هو اندماجهم أو عدم اندماجهم في الواقع الجغرافي الجديد الذي هاجروا إليه، حيث يفضي الاندماج إلى ضرورة ترك المسلمين لمفردات شخصيتهم والتي قوامها المسلكية الحياتية التي رسم أبعادها الإسلام بشكل عام، فيما تفضي الاستقلالية وعدم الاندماج إلى عزل المسلمين عن الواقع الجديد الذي يعيشون فيه، وعندها قد يصونون ويحافظون على شخصيتهم، لكن ذلك سوف يجعلهم يراوحون مكانهم في الحياة الاجتماعية والثقافي وحتى السياسية في الواقع الغربي.

هذا وقد ساهمت التفجيرات الإرهابية التي عرفتها أوروبا في السنوات الأخيرة الماضية وتحديدًا في مدريد وباريس ولندن في إعادة تشكيل وجهات النظر الغربية في مختلف التفاصيل تجاه الإسلام كدين والمسلمين كأفراد تابعين له، وقد انعكس ذلك بدوره على أسواق العمل في أوروبا والغرب عامة، والتي أصبحت ترفض أصحاب هذا الدين من ذوي البشرة الداكنة والشعر الأسود، حتى لو غيرّ هذا المسلم أو العربي اسمه وأصبح يحمل اسمًا غربيًا؛ لأنه عندما يأتي موعد إجراء مقابلة العمل واكتشاف ربّ العمل أن هذا الشخص قدم من العالم الثالث يعتذر إليه بطريقة مهذبة أو غير مهذبة، وقد وصل هذا الأمر حتى إلى دول منطقة شمال أوروبا (السويد والنرويج وفنلندا وأيسلندا والدانمرك) التي كانت حتى وقت قريب بمنأى عن كثير من الانفعال والتأثر بالدعاية الإعلامية المضادة للإسلام والحضارة العربية الإسلامية عمومًا، وكانت شعوبها من أكثر الشعوب في العالم إنصافًا للإسلام والمسلمين.

فالغرب على ما يبدو يريد من المسلمين أن يبقوا دائمًا في حاجة إلى أن يطلبوا الحماية والمساعدات الاجتماعية من المهد وإلى اللحد حتى يعيشوا عنده، وذلك حتى يشعرهم بالذلة والهوان والاستعلاء الحضاري، وهذا الاعتقاد الذي بدأ يتبلور لدى العديد من المهاجرين مرده ارتفاع نسبة البطالة بينهم بشكل كبير، وعيش الآلاف منهم على المساعدات الاجتماعية، التي لها تبعات خطيرة مستقبلًا، خصوصًا بالنسبة للعائلات التي كان فيها الأب يسعى وراء قوت يومه طوال اليوم في بلده الأصلي قبل استقراره في بلاد الغرب.

فلو قلنا إن شريحة المهاجرين (العرب والمسلمين) في الغرب تنقسم إلى قسمين، شريحة مثقفة ومتعلمة وأخرى أمية أو فلنقل إن حظها من التعليم كان قليلًا، وعندما يشرع الجميع بتعلم اللغة الغربية الخاصة بكل بلد والبحث عن العمل، سوف يلتقي صاحب الدكتوراه والمهندس والطبيب مع الأمي وقليل التعليم والجاهل الذي لم يعرف معنى معهد تعليمي في بلده، وهنا تبدأ حرب المنافسة من أجل الحصول على عمل.

فالعمل الذي ينتظر هذا الباحث عنه قد لا ينسجم مع اختصاصه على الإطلاق، فربّ طبيب مهاجر صار ممرضا وربّ مهندس صار سائق سيارة أجرة وربّ باحث صار عامل نظافة، وهذا لا يعني بتاتًا أن العمل عيب، بل إن العمل في كل الفلسفات البشرية مقدس، لكن هذا المهاجر المتعلم والمثقف ونظرًا لغياب إستراتيجية تأهيلية غربية، يكون قد فقد الكثير من طاقته، وبدل أن يتطور ويتقدم عموديا فإنه يتراجع ويزداد نزولًا في السلم الاجتماعي، وحتى بعد نضاله المرير مع تعلم لغة البلد الغربي الذي هو فيه، وتحديدًا تلك اللغات الصعبة، وسعيه المرير للحصول على شهادة غربية معتمدة، فإن الأمل ضعيف في أن يجد عملًا مناسبًا لإمكاناته، وسوف يظل يتنقل من وظيفة إلى أخرى بشكل دائم، بحيث قد يلتقي المتعلم والأمي القادمان من البلاد العربية والإسلامية في مطعم واحد ويتشاركان نفس الوظيفة وهي غسل الصحون، وبهذا الشكل يصاب هذا المهاجر بإحباط نفسي ينقله لأولاده الذين سيتذكرون دومًا أن الغرب وإن أعطاهم وأباهم الأمن السياسي نسبيًا، ولكن لم يعطه الأمن الاقتصادي والاجتماعي والمستقبلي، كما أن مكوثه في البيت كثيرًا بسبب البطالة يعني وجود بيئة خصبة لاندلاع مشاكل أسرية لا حصر لها، وتكفي إطلالة واحدة على إحصاءات الطلاق بين المهاجرين لنعرف خطورة الموقف في الغرب، أما فيما يخص الطبقة المهاجرة الأمية فهذه وضعها أخطر بكثير حيث الضياع المطلق.

هكذا وبسبب عدم قدرة المسلمين والعرب أو الأغلبية منهم على الأقل في الحصول على العمل، فإنهم يلجأون بطبيعة الحال إلى مؤسسات الرعاية الاجتماعية للحصول على المساعدات المتنوعة (المالية)؛ لأنهم لا يقدرون على إعالة أنفسهم من خلال العمل، كما لا يقدرون على أعباء الحياة الأخرى من دفع رسوم الإيجار والصحة والتعليم وغيرها التي تتكفّل بدفعها هذه المؤسسة، وتحديدًا في دول أوروبا الشمالية.

ويكون هذا المهاجر أو اللاجئ مجبرًا على الحضور شهريًا إلى مباني هذه المؤسسات، بحيث يلتقي مع العشرات والمئات من أمثاله وأقرانه، وقد يكونون أيضًا من أبناء البلد الواحد في نفس المكان، الأمر الذي يترك آثاره النفسية الكبيرة على قسم كبير من هؤلاء، والذين أصبحوا الآن يطلبوا المساعدة للعيش بعد أن كانوا يعيلون أسرهم بعرق جبينهم في بلادهم، كما أن هذه المساعدات تعطى بذلة شديدة لطالبيها.

الجدير بالذكر هنا أن كل لاجئ أو مهاجر يأخذ هذه المساعدات يصبح لديه شخص مسؤول عنه يتدخل في كل تفاصيل حياته اليومية والأسرية ويخضعه لتحقيق شامل ودائم، ويكون التركيز دومًا على الزوجة، وهل يصلها حقها من المساعدة الاجتماعية؛ لأنه في حال عدم وصول، أو حصول الزوجة، على هذه المساعدة، فإن المؤسسة تصبح تبعث المساعدة باسم المرأة لتصرف على بيتها؛ الأمر الذي يؤدي إلى وقوع العديد من المشاكل داخل الأسر، والذي كثيرًا ما انتهى إلى الطلاق بسبب عدم تعود هؤلاء على أن تكون المرأة هي المعيل.

ولهذا المؤسسة الاجتماعية أن تلزم طالب المساعدة بأي عمل كان، من تنظيف المراحيض وتنظيف العجزة وغيرها، وهنا يجد هذا اللاجئ أو المهاجر نفسه أيًا كان مضطرًا لمثل هذا العمل، وإلا قطعت عنهما المساعدة الاجتماعية، كما يمنع عليه السفر مطلقًا إلى بلاده، بل يمنع عليه الذهاب إلى الحج؛ لأنه لا يعيل نفسه، ولا يمكن أن يستخدمها لهذه الأغراض، حيث تعطى هذه المساعدة لشراء الأكل له ولأولاده، لا لأمور أخرى (كمالية)، وقد حدث في السويد والدنمارك أن قطعت المساعدات الاجتماعية عن بعض الناس بمجرد أن علم المسؤول في المؤسسة الاجتماعية أن آخذ المساعدة ذهب إلى الحج أو سافر.

وللإشارة فإن هذه المساعدات التي تقدمها البلديات الغربية أو المؤسسات الإجتماعية للعرب والمسلمين تقتطع من الضرائب التي يدفعها الموطنون لسلطات الضرائب بطريقة إجبارية، وهو الأمر الذي جعل البعض في كثير من الدول الغربية يعترضون بشتى الوسائل على أن الكثير من المسلمين يعيشون في بلدانهم فقط بفضل الضرائب التي يدفعونها للسلطات، وأنه يجب على الدوائر التي تخطط للمهاجرين أن تكون أوعى بكثير حتى لا يبقى هؤلاء المهاجرون واللاجئون عالة علينا وعلى اقتصادنا، هذا وتقدر قيمة هذه المساعدة المالية وفي أرقى الدول الغربية بمتوسط 300 دولار للمرأة والرجل شهريًا، كما في السويد والدنمارك والنرويج، ومثل هذه القيمة يستطيع أن يجنيها اللاجئ أو المهاجر المسلم في بلاده، ودون أن يدوس على كرامته ويخضع حريته الشخصية للابتزاز.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

الدكتور يحي أبو زكريا
عرض التعليقات
تحميل المزيد