يمثل التاريخ أحد الركائز الأساسية في فهم الحاضر، وتنبؤ أحداث المستقبل، وما سيجري عليه، وحتى تدرس الأمم، فإنه من اللازم النظر في طريقة تناولهم للتاريخ.

تنظر أوروبا إلى العالم من خلال منظارها الخاص ، وترى أنها رائدة البشرية، وأن الأحداث التي مرت بها القارة الأوروبية هي أهم الأحداث في تاريخ البشرية، ولكنه ليس بالضرورة أن تكون تلك الأحداث مفصلية بالنسبة لتاريخ الغير في تلك الفترة.

يقسم المؤرخون الغربيون التاريخ إلى قسمين يفصل بينهم «اختراع الكتابة» وهما:

1-عصور ما قبل التاريخ: وتبدأ بأول وجود للإنسان على الأرض قبل 2 مليون سنة تقريبًا إلى مرحلة توصل الإنسان لاختراع الكتابة سنة 4000 ق.م.

2-عصور التاريخ، وتقسم إلى:

– التاريخ القديم: ويمثل الفترة منذ 3500 ق.م إلى سقوط روما سنة 476م على يد الجرمانيين.

– التاريخ الوسيط: ويمثل الفترة منذ سنة 476م إلى سقوط القسطنطينية سنة 1453م على يد العثمانيين.

– التاريخ الحديث: ويبدأ من سقوط القسطنطينية سنة 1453م إلى يومنا الحاضر.

من الواضح من هذا التقسيم أن الغرب اختار 3 نقاط مفصلية؛ لتكون الفاصل بين مرحلة وأخرى، وهي:

  • اختراع الكتابة سنة 3500 ق م:

اعتبر الغرب اختراع الكتابة حادثًا هامًا؛ وذلك لأنه يمثل بداية عصر التدوين والتأريخ، وهو ما يتيح للبشرية معرفة ودراسة الأحداث التي مرت بها في عصورها القديمة.

  • سقوط روما سنة 476م:

اعتبر الغرب سقوط روما على يد الجرمانيين حدثًا هامًا، على الرغم من أن هذا السقوط تم على يد أوروبيين أيضًا، وهذا يوضح طبيعة الحضارة التي كانت سائدة في أوروبا، فهي لم تكن حضارة، بل كانت بداوة تغير فيها القبائل على أماكن التجمعات البشرية.

  • سقوط القسطنطينية سنة 1453م على يد محمد الفاتح:

يمثل هذا الحدث فاصلًا هاما بين مرحلتي التاريخ الوسيط والحديث، وتسمى تلك الفترة بعصور الظلام التي امتدت لعشر قرون، والتي شهدت فيه القارة الأوروبية تخلف على الصعيد العلمي والاجتماعي. والاقتصادي ومعاناة الجهل والفقر.

والسؤال المطروح هنا: إذن من أين وكيف بدأت بذور التقدم الأوروبي؟

قلنا سلفًا إن عصور الظلام الأوروبية امتدت لعشرة قرون، وعلى الرغم من أن القرون الخمسة الأولى تميزت بالانحطاط الشديد في مجالات الدين والعلم والاقتصاد والاجتماع، إلا أن خطًا صاعدًا خجولًا سيظهر منذ بداية القرن الحادي عشر، وسيلقي ببذور متعددة في القارة الأوروبية، وستظهر آثار ذلك في القرن السادس عشر وما بعده، ويمكن ذكر البذور كالتالي:

– البذرة الأولى هي المقصد، ونعني بذلك وجود رمز للوحدة، وقد كانت الإمبراطورية الرومانية تمثل ذلك المقصد في نظر الأوروبيين.

– البذرة الثانية هي الصراع المحتدم بين الملكية والكنيسة وطرح مسألة: أيهما أسمى الملك أم الكنيسة؟  وعلى الرغم من دموية هذا الصراع وعنفه، إلا أنه هيأ المجتمع ليقرر بنفسه استخدام العقل في حكمه لمن سينحاز.

– البذرة الثالثة هي الإحتكاك والتبادل مع الأمم الأخرى في السلم والحرب فمنذ بداية القرن الحادي عشر ستنشط التجارة في البحر الأبيض المتوسط، ومع هذا التبادل النشط مع الشرق ستنتج آثارًا تحديثية كبيرة منها:

1- ستقتبس أوروبا الصناعات من العالم الإسلامي.

2- ترجمة كثير من الكتب وإنشاء الجامعات ونقل العلوم في الطب والهندسة والفلك.

3- تغير نمط حياة المدن الأوروبية؛ ليتشبهوا بطريقة نمط عيش المشرق.

وبعد هذه النظرة يتضح لك عزيزي القارئ أن أي أمة تمر في تحديات وتتأثر فيها جوانب فكرية ونفسية وتنظيمية ومادية وطبيعي جدًا أن ينتج عن ذلك استجابات ناجحة بعد المحاولات الفاشلة، ويتضح أيضًا أن وجود المجتمعات المتطورة في يومنا كان سببه مجموعة الاستجابات الناجحة للتحديات التي واجهتهم، والنتيجة: استقرار الإنسان، ونضجه، اللذان يلعبان دورًا كبيرًا في إيجاد ناتج تراكمي معرفي وفعلي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التاريخ
عرض التعليقات
تحميل المزيد