شتَّان الفارق بين سيرة المسلمين الأوائل وحال مسلمي اليوم؛ حتى أن المتأمل لا يكاد يصدق أن أولاء من أولئك، وأن أقزام الحاضر هم أحفاد عمالقة الماضي وحملة إرثهم!

ولا أتحدث هنا عن أمور الدين والورع والقرب من الله، وإنما عن أمورٍ ماديةٍ بحتة، واجتهادات بشرية خالصة، أخذ منها الأولون حتى ارتووا، وبَعُدَ عنها الآخِرون حتى جفَّت حياتهم وتشققت؛ وأخص هنا تحديدًا الإبداع والنبوغ!

فمن يتصفح سِيَرَِ وتاريخَ العسكرية الإسلامية – على سبيل المثال – يجد دلائلَ وآياتٍ على نبوغٍ فكريٍ مُبهرٍ، وتطورٍ عقليٍ خارقٍ، اتصف به القادة العسكريون الإسلاميون في الكثير من معاركهم، والتي وإن كانت الغلبة العددية والتنظيمية والتسليحية فيها لصالح أعدائهم، إلا أن نبوغهم وإبداعهم الفكري والتخطيطي قلبا ميزان تلك المعارك تمامًا، وحسما نتائجها لصالحهم! وأعجب تلك المعارك في رأيي الشخصي هي معركة ذات الصواري.

كان المسلمون قد اصطدموا بالروم في عدة معارك فاصلةٍ، وانتصروا فيها جميعًا، ونتج عنها أن حرر المسلمون الشام ومصر، قلبوا الإمبراطورية الرومانية في وقتها، وتولدت لدى الجندي الروماني حقيقة أنه لا سبيل له لهزيمة المسلمين في أية معركة قادمة

ومع دخول سواحل شرق وجنوب البحر المتوسط بحر الروم في حينها في كنف الدولة الإسلامية، طلب أمير الشام معاوية بن أبي سفيان من الخليفة عثمان بن عفان السماح له بالبدء في إنشاء الأسطول الإسلامي، ليحمي هذه السواحل، وليكون بداية لإنهاء سيطرة الروم على البحر؛ وقد كان

فكان هناك تجمعان رئيسان لبناء وتثبيت هذا الأسطول الجديد: أحدهما في الشام، والآخر في مصر.

وقد استشعر الروم خطورة هذه الخطوة على إمبراطوريتهم، وقرروا تدمير هذا الأسطول الناشئ في مهده قبل أن يشتد عوده، وتوجيه ضربة استباقية قاصمة، يؤكدون بها سلطانهم على البحر، ويستعيدون جزءًا من كرامتهم المراقةِ، ومعنويات جنودهم العسكرية المُحطَّمة؛ فأنفذوا أسطولًا قوامه ألف سفينة حربية، مجهزة بجنودها، وسلاحها، وبحارتها، وخبرةٍ عسكريةٍ بحريةٍ تمتد لمئات السنين، كانوا فيها أسياد البحر بلا منازع؛ وتوجهوا لضرب الدولة الإسلامية في مقتل. وتشير أفضل الروايات أنهم توجهوا إلى الإسكندرية.

ولما علم الخليفة ووالي الشام القائد العام للأسطول بالأمر، أمرا أسطول الشام بالالتحام بأسطول مصر، وتوحيد القيادة تحت إِمرة والي مصر عبد الله بن أبي السرح للتصدّي للغزو؛ فاجتمع للمسلمين أسطولٌ قوامه مائتي سفينة حربية، هي كل ما كانوا يملكونه وقتها.

واجتمع القواد للتشاور في الأمر وقد أدركوا خطورة الموقف، فلا مجال للمقارنة بين قوة الأسطولين، لا في العدة، ولا في العتاد، ولا في الخبرة القتالية، حيث كان المسلمون في هذا الوقت المبكر بالكاد يستطيعون تسيير السفن، ولا يتقنون شيئا من فنون المناورات البحرية وتكتيكاتها؛ وهو ما كان يُعوِّل عليه الروم.

وهنا يبدأ دور الإبداع الفكري الفريد من نوعه!

أولًا: تم فرد الحقائق مجردة بدون تجميل أو انفعال، وبدون الأخذ في الاعتبار أنهم جنود الله والروم جنود الشيطان، فهذا الاعتبار مجاله القلوب والنفوس وليس طاولة التشاور وخرائط المعركة، فانتهوا إلى نتيجة مجردة، وهي: أنهم ليسوا مؤهلين بعد لخوض معركة بحرية، وأن المعركة ستكون لصالح الروم لا محالة.

ثانيًا: درسوا نقاط قوة الخصم وضعفه، وكذلك نقاط قوتهم وضعفهم أيضًا بكل تجرد وانتهوا إلى حتمية تحويل المعركة من بحرية إلى برية حتى يستقيم الخلل.

ثالثًا: لما ترائى الأسطولان، وفي محاولة منهم لتحويل ميدان المعركة، أرسلوا إلى الروم أنهم سيؤمِّنوهم حتى ينزلوا كاملًا إلى الساحل، ثم يتلاقى الجيشان؛ ولكن الروم – كما قلنا – كانوا يُعوِّلون على هذه النقطة بالذات، فرفضوا العرض، وصاح الجنود على الألف سفينة: بل البحر البحر!

رابعًا: وجد المسلمون أنفسهم في مشكلة كبيرة؛ فقد عجزوا عن جر العدو إلى ميدانهم، وفي نفس الوقت مضطرين إلى ملاقاته في ميدانه الذي يجيد فيه ولا يجيدون، ويتفوق فيه عليهم في كل شيء؛ وهنا تجلَّى الإبداع والنبوغ في أبهى صورهما؛ فما دمنا مجبرين على الدخول إلى ميدان العدو، فلنأخذ ميداننا معنا!

خامسًا: في الليلة التي سبقت المعركة، قامت عناصر من القوات الخاصة الإسلامية بالتسلل سباحةً إلى قلب أسطول الروم، وقاموا بربط السفن بالسلاسل بعضها ببعض في مجموعات، كل مجموعة بها 10 سفن أو يزيد!

سادسًا: عند بدء المعركة قامت السفن الإسلامية بالاشتباك من بعيد، فيما قام الجنود بالسباحة في الماء نحو سفن الروم، وقاموا بشد السلاسل حتى تلاصقت سفن الروم في مجموعات! فتحول الأسطول ذو الألف سفينة إلى مجموعة من الجُزُرِ الخشبيةِ فوق سطح الماء، كل جزيرة مكونة من 10 سفن أو يزيد، لا تستطيع الحركة ولا المناورة!

سابعًا: وهنا قامت السفن الإسلامية بالدخول إلى قلب تلك الجزر، والتوزع عليها، والالتصاق بها، فما كان من الروم إلا أن استلُّوا سيوفهم، لتبدأ المعركة البرية في قلب البحر!

ثامنًا: وهنا أتى قدر الله وأمره بنصر المؤمنين وهزيمة الكافرين.

تصوروا، هذا الفكر والإبداع والمنهج التحليلي والتخطيطي كان لدينا منذ أكثر من 1400 سنة! لم يقولوا: نحن جند الله، لا نُهزم والله معنا، ولم يُلقوا بأنفسهم في آتون البحر طلبا للشهادة في سبيل الله، ولم ينسحبوا انسحابًا تكتيكيًا لحقن الدماء، والنجاة بالأسطول الوليد لجولة أخرى (وكان يجوز لهم فعل ذلك)!

وكأنِّي بهم وهم على طاولة التشاور، لم يكونوا يتساءلون: كيف نواجه الروم؟ وإنماكيف نهزم الروم؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إسلام, تاريخ, رأي
عرض التعليقات
تحميل المزيد