كنا وما زلنا منذ أزمان غابرة نحاول أن نتجنب الغش في الامتحانات الرسمية  ‑ وخاصة في شهادة البكالوريا ­­- فلقد خصصت الدولة الجزائرية  كل مواردها لمحاربة هذه الظاهرة، فابن بوزيد ‑ الوزير السابق ‑ عمد إلى سياسات فاشلة أدت إلى انتشار الغش بطريقة مروعة، ثم تلته بعدها بن غبريط، والتي حاولت أن تحارب هذه الظاهرة، لكنها انتهت بقطع الإنترنت عن كل الشعب الجزائري، دون الالتفات إلى مصالحهم التي تعطلت بسبب ذلك.

والغريب في الأمر أننا نجد أن الممارسات السابقة نفسها أعيد إحياؤها بالطريقة نفسها، برغم التغيير الذي طرأ على هرم السلطة التعليمية، وهذا طبعا يذكرنا بتعريف الجنون عند أينشتاين: أن تفعل الشيء ذاته عدة مرات، وتنتظر نتائج مختلفة.

لقد ضاق الشعب الجزائري ذرعًا بسبب الانقطاع المتكرر للإنترنت، وهذا ما سبب هيجانًا وغضبًا في كل مواقع التواصل الاجتماعي، ومثال على ذلك، نذكر النابغة الجزائرية، ابتهال بزاح، التي حرمها الانقطاع المتكرر للشبكة من المشاركة في بطولة عالمية للحساب الذهني عبر الإنترنت.

كنا وما زلنا نحارب هذه الظاهرة بكل ما تملكه الدولة من عدة وعتاد، لكننا لم نفكر يومًا في دراسة سبب هذه الظاهرة قصد استئصالها من جذورها، فحن نعلم كل العلم أن كل ممنوع مرغوب، وأنه ما دامت الدولة الجزائرية تتعامل بمبدأ التحدي، فإن هذا التحدي سيدوم طويلًا، ولن نتمكن من التخلص من هذه الظاهرة.

دعنا نتساءل قليلًا عن هذه الظاهرة ونتدبر في أسبابها، فمن وجهة نظري الخاصة، أجد أن النظام التعليمي في الجزائر هو أول متهم في هذه القضية الشائكة، هذا النظام الذي يقدس «النقطة» والأرقام، جعل من التلاميذ كتلة من «البراغماتية»، تتحرك لأبسط الأسباب بغية إشباع رغباتها.

يقول بنيامين فراكلين: من يؤمن بأن المال يفعل كل شيء، سيفعل أي شيء من أجل المال».

وبإسقاط هذه المقولة على الوضع التعليمي في الجزائر، فان كل من يؤمن بأن النقطة هي أهم شيء، فسيفعل أي شيء من أجلها.

لنفرض أن نظام التنقيط في الابتدائي يكون على حسب السلوكيات التي نحن بصدد غرسها عند التلميذ (ارتداء المئزر، احترام أساتذته، احترام زملائه، المشاركة في النشاطات الثقافية والرياضية، المساهمة في التنظيف أو غرس الأشجار وغيرها الكثير). بينما في الجانب التعليمي، فمن واجبنا أن ندع الحرية الكاملة للأستاذ في إنتاج نظام تقويمي لتلاميذه ،كل حسب مستواه وقدرة استيعابه.

إذا ما توصلنا إلى تطبيق كل هذا بحذافيره، فسنتمكن حينها من إنتاج تلميذ جزائري يهتم بالسلوكيات الأخلاقية دون غيرها من السلوكيات الأخرى، فنكون بهذا قد غرسنا لدى التلميذ مجموعة من القيم التي لا يمكنه الغش عن طريقها، فلن نجد على سبيل المثال تلميذًا يغش في احترام أساتذته، أو في احترام زملائه أو غيرها من القيم الحميدة، وبهذا سنستأصل هذه الظاهرة من جذورها دون أن نجد أنفسنا مضطرين لمحاربتها.

نفتح الآن باب الفلسفة والإبستيمولجيا، لنجد أن هناك نظرية معروفة بالصفحة البيضاء Tabula rasa، والتي تقول بأن الأفراد يولدون دون محتوى أو أفكار عقلية سابقة، بل إن كل المعرفة تتأتى عن طريق التجربة والإدراك، لذلك وبإسقاط هذه النظرية على أطفالنا الصغار، فسنجد أن تجربتهم للأمور الأخلاقية الحميدة، وإدراكهم للخير، وتمييزهم للشر، سيجعل منهم مواطنين صالحين يساهمون في رقي هذا المجتمع.

لذلك نقول، ما دام النظام الجزائري يقدس الأرقام والنقاط ويغفل السلوكيات والقيم، فستظل المدرسة الجزائرية – وبرغم ثرائها الفكري ‑ منتجة للبراجماتية الفاسدة التي ستؤدي بهذا المجتمع إلى الابتعاد عن التراحمية الاجتماعية والميول إلى التعاقدية التي تجعل التلميذ مجبرًا على أن يسلك كل السبل بخيرها وشرها لكي ينال مصلحته بغض النظر عن الوسيلة، وهذا ما سيؤثر سلبًا في المجتمع، على اعتبار أن هذا الطفل الصغير سيكون الفاعل الأكبر في المجتمع المستقبلي القادم، وبالتالي ففساده سيكون فسادًا للمجتمع، وصلاحه سيكون صلاحًا للمجتمع.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد