قدمت في المقال الأول لأمر أساسي رأيت وجوب توافره في أي خطاب إقناعي، وعنونته بمفتاح الإقناع، وهو التكلم بنفس لغة وعالم أفكار من تخاطب، وأكدت أن هذا هو شرط القبول، ومفتاح الاقتناع بالفكرة من قبل مستمعيك؛ لأنك إن حدثت جماعة من الناس بأسلوب ولغة لا يفهمونها، فلن يهتم لكلامك أحد منهم. فقط كن وسط الناس، وصغ خطابك وأفكارك وفقًا لعالم أفكارهم، ولغتهم التي يفهمونها وسيقتنعون.

فإن كنت قد تمكنت من ذلك فلم يتبق لك سوى قليل من التخطيط والتدبير؛ وهو أن تضع رسالة الخطاب الإقناعي في قالبها الخاص بها، والمناسب لها.

تختلف عملية القولبة هذه باختلاف الموقف الإقناعي الذي أنت بصدده، ولتقريب ذلك فقد أوردت ثلاثة مشاهد تتكرر في واقع حياتنا بصورة مستمرة كنماذج أوضح عليها كيف تتم هذه العملية.

 

مشهد 1: أنت تحاول أن تقنع أحدهم بفكرة ما

مقنعًا

  • بيان وتوصيف للوضع الراهن status quo

الأمر هنا توصيفي، كل ما عليك هو أن تعمل على صياغة مقدمة تسعى من خلالها لبيان وجهة نظرك وتوضيحها، احرص في مقدمتك على جذب المستمع، ركز على المشترك بينك وبينه، أو المشترك بين فكرتك وبينه هو؛ فهذا من شأنه أن يعلي من المشاعرية (pathos) مما يمهد الطريق ويسهله إلى العرض القادم، وهو تقديم الأدلة والحقائق التي تعضد فكرتك (logos).

  • قدم الأدلة burden of proof

يقولون إن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، وكذلك الفكرة التي تناقشها فهي بريئة من كل ما يؤهلها للإقناع ما لم تعضدها وتزودها بما يقويها من الأدلة والبراهين. والبينة تكون على من ادعى أمرًا جديدًا غير معتاد أو مألوف، فلو قدمت فكرة جديدة فاعلم أنك مطالب لا محالة ببراهين وأدلة لابد منها حتى يقتنع الناس.

مثال: وكيل النيابة؛ فهو دائمًا يسعى وراء الزج والدفع بالمجرمين وراء القضبان، فهو فنان ماهر؛ يحسن وصف جريمة المذنب، ويتفنن في اختيار الأدلة التي يقدمها للقضاة. وكذلك المحامي يفعل ولكن العكس.

 

مشهد 2: أنت تحاول أن تقنع أحدهم بضرورة القضاء على مشكلة سلبية قائمة

مقنعًا

  • عرض المشكلة ills

أولًا عليك أن تقوم بعرض المشكلة نفسها؛ فما هي المشكلة أصلًا؟ ثم بعد ذلك قم بتقديم البراهين والدلائل على مدى ضخامة تأثيرها على المستوى المادي الملموس، ووضح شكل ذلك الأثر، وكيف يكون ضرره على مجموع الناس ككل، أي: أن تُظهر أبعاد المشكلة كمًّا وكيفًا.

  • بيان أسباب المشكلة blames

ستعمل هنا على بيان السبب الرئيسي لهذه المشكلة؟ والأسباب الأخرى التي قد تقف عائقًا بيننا وبين حلها.

  • تقديم العلاج cures

هنا ستُنظِر لفكرتك الجديدة التي تطرحها بوصفها حلًّا بديلًا؛ فتقوم بوضع خطة واقعية ملموسة قادرة على حل المشكلة، والشرط أن تكون الخطة المقدمة قابلة للتطبيق كأن تعرض لبناء منظمة من منظمات المجتمع المدني تعمل عمل جماعة وسيطة بين الناس وبين الدولة، تقوم على مشكلتهم، وتسهر على دراستها وتمحيصها.

ومثال أوضح به مقصدي فحسب من الجماعات الوسيطة: مؤسسة صناع الحياة وتجربتها في محو أمية أكثر من 80 ألف مواطن مصري، فعلى الرغم من تعنت السلطات المصرية ورفضها معاونتها إلا أن المنظمة لم تيأس وباشرت العمل وفق منهج وضعوه هم بأنفسهم ثم انطلقت وحققت هدفها المنشود.

  • إشراك الحضور calls to action

المطلوب هو أن تشجع كل شخص يسمعك، وتدفعه نحو انتهاج خطوات مناسبة تمكن المجتمع من التخلص من تلك المشكلة.

رشح لهم بعض المعلومات عن المشكلة، زودهم ببعض المراجع والكتب التي قد يلجؤون إليها لزيادة وعيهم تجاهها، قم بدعوتهم للتبرع بالمال والدعاية، شجعهم على الثورة على القوانين الفاسدة، واطلب منهم الضغط على المجالس التشريعية من أجل تشريع قانون جديد يصب في مصلحتهم… إلخ.

  • النتائج consequences

وفيه تعرض النتائج المستقبلية التي ستتحقق عند نجاح فكرتك البديلة على مختلف الجوانب، خاصة الجانب المجتمعي منها. فلن يكفيك عرض المشكلة وبيان أسبابها، ولا حتى طرح البديل فحسب، ولكن بع للناس الأماني والآمال التي ستظهر إن تم ما تريد شريطة الصدق والإخلاص.

مثال:

ما يفعله الدكتور أيمن عبد الرحيم في دورته تأسيس وعي المسلم المعاصر، فهو يعرض فيها لواقع عالم الإسلام المعاصر، ويبين أسباب ما هو فيه من انهيار، ويقدم علاجًا واضحًا يتمثل في قيادته هو ومن معه من الطلبة لمجموعة من الجماعات الوسيطة، التي من خلالها يسعى لتحقيق نتائج واقعية ملموسة على أرض الواقع.

تأسيس وعي المسلم المعاصر – موسم الصيف 2016

 

مشهد 3: أنت تحاول أن تنكر أمرًا وتدفعه بالحجة الدامغة

مقنعًا

أولًا: عليك أن تحدد موضعك؛ فهل يتوافق المستمعون معك في الرأي أم لا يتوافقون؟ وغالبًا ما سينقسمون إلى الفئات التالية:

  • متوافقون معك

وهذا النوع يكون من أسهل أنواع الخطابات الإقناعية؛ فيكفيك فقط التأكيد على فساد الرأي الآخر المخالف لرأيك عن طريق عقد عدة مقارنات بين الفكرتين تبين ميزات خاصتك، ومساوئ الأخرى.

  • لا يعلمون كثيرًا عما تتحدث

وينبغي هنا أن تحدد مستوى علم الحضور ومعرفتهم بالموضوع الذي ستطرحه، ربما هناك حقائق غائبة عنهم، أو سياسات وقوانين قد وضعت مؤخرًا ولم يعلموا بها.

  • لا يتوافقون معك ويعارضونك

لا تعارض الموضوع بصورة مباشرة ولكن عارض بعض تداعياته الخطرة الناجمة عنه. وضعْ في اعتبارك القيم والأطر التي يتبناها الحضور؛ فلا تعارض شيئًا قد يدخل في إطار الحرية مثلًا في مجتمع يعلي من قيمة الحرية، وكذلك في العادات والتقاليد وغيرها؛ فكل ما تأمل به هنا هو أن تقلل من حدة معارضتهم إياك فحسب.

ثانيًا: إن كنت قد حققت الخطوات السابقة فقم بقولبة المعلومات التي حصلت عليها وفقًا للمشهد الأول أو الثاني حسبما يتفق لك.

 

بذلك إخوتي الكرام أكون قد وضعت شرطًا يجب أن تصيغ خطابك وفقًا له في المقال الأول، وبينت لك عددًا من القوالب التي ستشكل رسالة وفكرة الخطاب الإقناعي اعتمادًا عليها في مقال اليوم.

الأمر لم ينته بعد، بقيت أمور كثيرة، سأحدثكم عنها في الكتابات القادمة. المغالطات المنطقية الشائعة التي يقع فيها كثير من الناس. سأورد أهم أنواعها وأدلل على طرق اكتشافها وآليات الوقاية منها. بالإضافة إلى بعض مقومات الخطاب الإقناعي، التي ينبغي أخذها في الاعتبار أثناء عملية قولبته وتشكيله كتأطير الخطاب، وبيان مصداقيته، وبلاغة الأسلوب التي يجب أن تحرص على اتباعها فيكون منهجك هو حسن العرض وجمال رونقه إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد