يتساءل البعض كيف أكون مثقفًا؟

ويتوقع أن تكون الإجابة (قائمة) من الكتب في المجالات المختلفة، إذا انتهى من قراءتها صار مثقفا يشار إليه بالبنان، يتصدر المجالس والمنتديات والفضائيات، تسطعُ عليهِ أضواءُ الإعلامِ ليل نهَار، ويَبْرعُ في صَفّ الكَلماتِ الجَوفَاءِ وتنميقِ المعَاني الخَاوية.

فالبعض يتصور أن الثقافة شيء محدد، يمكن الحصول عليه بقراءة عدد معين من الكتب، غير مدركين أن ثقافة الإنسان لا تقاس بعدد ما قرأ من الكتب، وإنما بما استوعبه منها وبنوعية هذه الكتب نفسها وقيمتها الفكرية، وبما أضافه هو إلى معارفه بالتأمل والتفكير والتحليل والمقارنة وملاحظة الحياة.

فلا قيمة لإنسان في الحياة إلا بما يعرفه وبما تعكسه عليه هذه المعرفة من فهم للحياة، ومن سعة أفق في التعامل مع الآخرين، ومن رقة في المعاملة وحسن المعاشرة.

فقد روى الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين: أنه سافر إلى جرجان ليتلقى العلم فيها، وبعد سنوات أمضاها في الدرس، جمع كل ما تعلمه في عدة كتب وضعها في مخلاة وحملها مع أمتعته، وركب مع القافلة راجعا إلى بلدته، وقبل أن يصل إلى غايته، هاجم القافلة قطاع الطريق، واستولوا على حاجيات المسافرين بما فيها المخلاة  – أي حقيبة أبي حامد التي كانت فيها تعليقته – وانصرفوا، وقد حكى أبو حامد هذه الحادثة فقال: فتبعتهم فالتفت إلى كبيرهم، فقال لي: ويحك، ارجع وإلا هلكت، فقلت: أسألك بالذي ترجو السلامة منه أن ترد عليَّ تعليقتي فقط، فما هي بشيء تنتفعون به، فقال: وما هي تعليقتك؟ فقلت: كتب في تلك المخلاة، هاجرتُ لسماعها وكتابتها ومعرفة علمها، فضحك وقال: كيف تدعي أنك عرفت علمها وقد أخذناها منك؛ فتجردت من معرفتها وبقيت بلا علم؟! ثم أمر بعض أصحابه فسلّم إليَّ المخلاة.

الثقافة أن تستوعب تجارب وثمرات عقول المفكرين والأدباء والعلماء، وتستفيد منها بحيث لا يستطيع أحد أن يسلبك التفكير والإرادة الحرة، وتستعين بها على فهم الحياة ومواجهتها وخوض تجاربها، فكل كتاب تقرؤه يحدث فيك تغييرا، وصدق القائل: قل لي الكتب التي قرأتها والمعرفة التي استوعبتها، أقل لك من أنت!

الثقافة طبع أو مزاج يميل بصاحبه إلى طلب المعرفة وإدراك قيمة العلم، وتذوق الأدب والتاريخ والفن الراقي؛ ولهذا قال المفكر الكبير عباس محمود العقاد: إن الثقافة هي: (أن تعلم شيئا عن كل شيء لتكون مثقفا ـ وتعلم كل شيء عن شيء لتكون عالما) أو كَما يقُول أهلُ اللُّغة والأدَب، فهي الأخذُ من كُل عِلم بطَرف.

الثقافة هي عادة البحث عن الحقيقة، والتساؤل عن دلالات الظواهر والأشياء والكلمات والاصطلاحات التي تسمعها ولا تفهمها، فتضيف إلى معارفك كل يوم جديدا، فتكتشف أن ما لا تعرفه أكثر بكثير مما تعرفه، ومما ينبغي لك أن تعرفه، وأن بحر المعرفة بلا شطآن.

وكما قال الشاعر الإنجليزي كلينج: (إن لي ستة من الخدم المخلصين الذين تعلمت منهم كل شيء، أسماؤهم هي: من وماذا ولماذا ومتى وأين وكيف!)

فالثقافة تبدأ دائما بهذه المفاتيح الستة، التي تترجم حيرة الإنسان أمام ما لا يفهمه، وتحولها إلى أسئلة تبحث عن أجوبة.

ولهذا فإن الفارق الحقيقي بين المثقف وغير المثقف، هو أن الأول يعرف أنه ليس مثقفا، ويطلب المعرفة وسيظل يطلبها إلى أن يموت، والثاني لا يعرف أنه غير مثقف، أو يعرف ويرضى لنفسه بذلك، أو يعرف ذلك ولا يرضى به لكنه يفتقد الإرادة التي تدفعه لأن يكتسب المعرفة.

والثقافة تحتاج إلى همة في طلب المعرفة، وأول من عرف بالهمة في طلب المعرفة هو «سقراط» الذي راح يجوب الشوارع والأسواق، يبحث عن معاني الأشياء ويسأل كل من يلتقيه: ما الانسان؟ ما الخير؟ ما الشر؟ ما القانون؟

وكما يقال « كلما قرأت، كلما ازددت جهلا!».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد