هل يملك أحد أن يخبرك سر الكتابة الناجحة؟ أن يخبرك وصفة أو 10 خطوات لتكون كاتبا متميزا؟ قد يكون ذلك الحال حين تكتب موضوعا إنشائيا في فرض مدرسي، لكن الكتابة الأدبية شيئا آخر.

هناك كليات الآداب بالطبع، و حاليا توجد دورات الكتابة الإبداعية و الورش الثقافية، لكنها كلها تتحدث عن الأدب، تتنتقده، تشرحه، ثم تشجعك على المحاولة بنفسك؛ فتشرع في الكتابة.

لكن ذلك لا يجعلك كاتبا جيدا، فالمكتبات ملأى بالكتب، و صناعة الكتب إلى حد ما رائجة اليوم، لكن الأدب نفسه ليس بذات الرواج. ما الذي سيحولك إذا من كاتب عادي إلى كاتب جيد أو أديب؟ ما الذي يجعل ما تكتبه يُجاوز الحبر المطبوع ليلمس قلب القارئ، و ربما يجعل كتابك يحيا عبر برهة أطول من الزمن؟

 

بالطبع سُئل العديد من كبار الكُتاب عن سر الكتابة الناجحة، تنوعت إجابتهم فمنها: أن الأمر يتعلق بما يُشعرك بالسعادة و المتعة، أو ربما يتعلق بالإكتشاف؛ أن تكتشف نفسك و العالم من حولك.

أولا و قبل شيء: الأمر يستلزم الكثير الكثير من القراءة، يقول ستيفن كينج في كتابه “مُذكرات عن المهنة”: إذا كنت تريد أن تكتب لابد أن تقرأ كثيرا كثيرا. هذا أمر بديهي بالطبع. لكن ماذا بعد القراءة؟

 

ستة نصائح تُعينك على الكتابة:
يقول “جون ستاينبك” الكاتب الأمريكي ( مؤلف عناقيد الغضب The Grapes of Wrath) بعد حصوله على نوبل عام 1963، حين سُئل عن سر كتابته الإبداعية و أسلوبه المتميز: “أنه لا توجد وصفة أو طريقة، و أن السر يكمن في الكاتب نفسه حين يُحس بحاجة ملحة ليخبرنا شيئا ما يشعر أنه مهم، فإذا استطاع أن يجد طريقة جيدة ليفعل ذلك، حينئذ يصنع قصة جيدة “.
في حوار آخر لباريس ريفيو، كان أكثر تحديدا، و ربما كرما؛ فأسدى بعض النصائح التي قد تعينك على إتمام عملك، يُعرّفنا فيها على بعض أسرار حرفته.

من هذه النصائح:

1- تخلَّ عن فكرة متى ستُنهي، انس الأربعمائة صفحة و اكتب فقط صفحة لكل يوم، هذا يساعد. و حين تنتهي ستتفاجأ بما أنجزته.
2- اكتب بحرية و بأسرع ما يمكن كل ما تفكر به على الورق، لا تدقق أو تراجع حتى تنتهي من الكتابة. فالمراجعة أثناء الكتابة هي دوما عذر لعدم المواصلة. كما يعوق ذلك فيض الأفكار و إيقاع الكتابة، الذي ينبع فقط من لا وعيك المرتبط بالمادة التي تكتب.

3- انس الجمهور. أولا: ذلك الجمهور الغير مرئي الغير معروف سيخيفك و يفزعك حتى الموت. ثانيا: بعكس المسرح؛ هو غير موجود أصلا. ففي الكتابة: جمهورك شخص وحيد يقرأ ما تكتب. قد وجدتُ من المفيد أن تختار شخصا ما، شخصا حقيقيا تعرفه أو خياليا، و من ثمَ تكتب له.

 

4- إذا “استعصى” معك أحد المشاهد و لازلت تشعر إنك في حاجة له، تخطاه و واصل. حين تُنهي الكتاب كله ستعرف لماذا تعثر معك ذلك المشهد، لأنه على الأرجح لا ينتمي إلى هناك.

 

5- احذر من المشهد الذي يصبح عزيزا لديك، فغالبا ستجد أنه خارج السياق.

6- إذا كنت تكتب حوارا؛ تحدث به بصوت عالٍ. فقط حينئذ يصبح حوارا له رنين الكلام الحقيقي.

نصائح رائعة بالطبع من كاتب خبر الكتابة الأدبية جيدا و فك طلاسمها، لكنه لم يخبرنا بعد على وجه التحديد إجابة: “كيف تكون كاتبا؟”

كيف تبدأ ذلك الطريق الشاق و المُثير.

الثمن: قلبك.

في خريف عام 1938 بعثت فرانسيس تيرنبول إحدى خريجات جامعة رادكليف بقصة قصيرة إلى صديق العائلة و الكاتب الشهير سكوت فيتزجيرالد. وهو كاتب أمريكي شهير من أشهر مؤلفاته The Great Gatsby (الذي تم معالجته سينمائيا حديثا عام 2013في فيلم شهير لليورنادو دي كابريو، لكنّا ربما نتذكر أكثر النسخة الأقدم لروبرت ردفورد عام 1974 ).

و كان هذا هو رده:

 

“عزيزتي فرانسيس:

قرأتُ قصتك بعناية، يؤسفني يا فرانسيس أن أخبرك بأن ثمن الكتابة الإحترافية أعلى كثيرا مما يمكنك تحمله في الوقت الحالي. فيجب عليك أن تبيعي قلبك؛ أعنف و أدق مشاعرك، لا تلك الأشياء الصغيرة التي لا َتمسُك حقا أو خبراتك الصغيرة التي قد تروينها على العشاء. و هذا ينطبق بشدة في بداية مشوارك للكتابة. حيث لا تكون مهارتك لشد انتباه القراء على الورق قد نمت بعد، و لم يتكون بعد أسلوبك المميز الذي يلزمك وقتا لتعلمه. باختصار أنتِ لا تملكين شيئا حينها لتبيعنه سوى مشاعرك.
هذه خلاصة تجارب كل الكتاب من قبل. فقد كان من الضروري لديكنز أن يودع في روايته أوليفر تويست مشاعره القوية تجاه الطفولة القاسية التي تعرض فيها للجوع و سوء المعاملة. في قصص هيمنجواي الأولى “In our time أو في وقتنا ” غاص في عمق تجربته الإنسانية من كل ما عرفه و مر به. في “الجانب الآخر من الجنة” كتبتُ عن علاقة حب كانت لم تزل تنزف كأنها جرح في مريض هيموفيليا.

الكاتب الهاوي حين يرى الكاتب المخضرم المحترف الذي عرف كل ما يلزمه معرفته عن الكتابة، و كيف يروي حتى أصغر المواقف، التي قد لا تستأهل أكثر من رد فعل سطحي، بأسلوب جذاب و ذكي. يظن الهاوِي أنه يستطيع أن يفعل الشيء ذاته. لكن عليه أن يدرك أنه لا يملك أن ينقل مشاعره لشخص آخر- في هذه المرحلة – إلا بوسيلة يائسة و قاطعة كأن تنتزع قصة حبك الأولى من قلبك و تلقي بها على الصفحات ليراها الناس.

هذا – على أية حال – هو ثمن الدخول لذلك العالم. فهل أنتِ مستعدة لدفع ذلك الثمن؟

هل يتوافق أو يصطدم مع معتقداتك لما تظنينه “لطيفا”، هو أمر متروك لك لتقرريه. لكن “الأدب”، حتى السهل منه، لا يقبل أقل من ذلك من مستجد عليه. فهو من تلك المهن التي تطلب “كل شيء”. جندي لا يملك إلا قليلا من الشجاعة لا يثير الاهتمام.

في ضوء هذا، لا داعي لتحليل لماذا تلك الراوية ليست قابلة للبيع، لكن لأني مُولع بك، لا أستطيع أن أخادعك بغير ذلك. حين تقررين أن تروي قصصك إذا، لن تجدي أحدا أكثر اهتماما و سعادة من صديقك القديم.

ف. سكوت فيتزجيرالد.

ملحوظة: ربما يجدر أن أشير أن أسلوبك سلس ومقبول جدا، بل إن بعض الصفحات كانت ساحرة و مناسبة تماما. لديك موهبة و هو ما يعادل البنية الجسدية الملائمة لجندي قبيل ذهابه للجبهة الغربية. ”

هل أنت مستعد أن تدفع هذا الثمن؟

حقيقةً استوقفني هذا الخطاب كثيرا فهو من أفضلما قرأت عن ذلك الفن الغامض، فقادني إلى تساؤل آخر؛إذا كان ما يقوله فيتزجيرالد حقيقيا، فلماذا الكتابة من الأساس؟

وجهت السؤال لنفسي أولا، فعلى الرغم من اني أمتهن الطب حاليا، إلا أن الأدب كان شغفي من قبل أن أعرف الطب بسنوات طويلة، ولم يقل عبر الزمن، كما هو مُتوقع من هوايات الصغر التي تضمر مع تزاحم مشاغل الحياة اليومية والعملية. تسللت الكتابة إليّ ببطء، لا أزعم بحال أني أجدتها، لكني لا أستطيع التخلص منها.

 

و هذه هي إجابة السؤال.

الكتابة ليست إختيارًا للبعض منا، هي بالفعل حاجة ملحة لتعبر عن نفسك بالكلمات، مثلما يفعل الرسام بريشته، فهو يرسم لأن روحه لا تكتمل إلا بذلك التعبير الفني. إن الأمر أشبه بنفسك حين تتوق إلى الحديث لشخص ما؛ تحرق الكلمات جوفك إذا لم تبح بها. كذا هي الكتابة، هو دافع غامض يضطرم بيديك لتعبرا عنك، أو عن خيال يمر بعقلك، أو عن حلم راودك في منام، تلاحقك الصور لتصفها وتطاردك الكلمات لتسطرها، و بعد حِينْ تنسدل على صفحات أوراقك، فيُسعدك مرآها، فكما يقولون هن بنات الأفكار، فهل بوسعِك أن تحرم بناتك النور؟

و هل مستعد أن تبيع قلبك –إذا كان هذا هو الثمن حقا- من أجل ذلك؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

ترجمة النصوص الإنجليزية المذكورة المُضمّنة: دينا عبد الهادي.
عرض التعليقات
تحميل المزيد