إذا أردت أن تمدح أحدهم، أخبرته أنه يحل محل المائة أو الألف من الرجال، وإذا أردت أن تمدح لاعب كرة قلت إنه يلعب كفرقة وحده، كذلك فإن الله عندما مدح سيدنا إبراهيم صلى الله عليه وسلم قال “إن إبراهيم كان أمة”

أمة، ليس عشرة أو مائة أو حتى ألفًا، ولكن أمة من مئات الآلاف بل ملايين. لكن ماذا فعل سيدنا إبراهيم لينال مثل هذا الشرف؟ وماذا يمكن أن نفعل نحن لنقترب من تلك المكانة؟ لنكون أمة؟

فكما يقاس عمر المرء بالأثر الذي تركه في الدنيا، يقاس كذلك بعدد الأشخاص الذين أثر فيهم، فمن أثر في عشر أصبح بعشرة ومن أثر في مائة أصبح بمائة ومن أثر في أمة أصبح بأمة، واختص الله سبحانه وتعالى سيدنا إبراهيم بهذا المديح دون الأنبياء جميعًا؛ لأنه هو من أرسى قواعد التوحيد في الأرض فكريًا بالدلائل العقلية التي ساقها إلى قومه، وكذلك حسيًّا بإرساء قواعد الكعبة، رمز التوحيد على الأرض. واستحق سيدنا إبراهيم أن يكون بأمة لأن كل من تبعه من الأمم الموحدة إنما هي تابعة له وكل الأنبياء الذين أتوا من بعده فهم من نسله ويسيرون على نهجه، فتأثيره لم يشمل فقط الحدود الجغرافية والزمانية لقومه وإنما امتد جغرافيًا في أرجاء المعمورة وزمنيًا إلى قيام الساعة.

ولكن كيف نتمكن من الاقتداء بتجربة سيدنا إبراهيم في واقعنا المعاصر؟ كيف يمكن أن يمتد تأثيرنا فيمن حولنا عبر الموانع الجغرافية والزمانية؟

تبدأ الخطوة الأولى بتوسيع دائرة تأثيرك فيمن حولك وعادة ما يتأثر الناس بالشخص المتميز أو من لديه مهارة أو قدرة معينة ليست لدى الجميع، فعلى سبيل المثال للمال مفعول سحري في التأثير على الناس فكلما زاد امتلاكك من المال كلما زاد تأثيرك فيمن حولك، وكلما اتسعت دائرة تأثيرك كذلك. ويأتي بعد تأثير المال مباشرة تأثير السلطة، فكلما كانت لك سلطة أكبر في أية مؤسسة كانت، كلما ازداد عدد التابعين لك والمتأثرين بك، وكلما كانت تلك السلطة أو المسئولية متعلقة بالعمل العام أو السياسي كلما شملت دائرة نفوذك وتأثيرك طوائف أكثر. وليس المال والسلطة فقط ما يمكناك من التأثير فيمن حولك، ولكن أيضًا تميزك في مجالك، فإذا كنت على رأس المتميزين في حرفتك أو علمك أو مهارتك فسيكون لك تأثير كبير على مجتمع تلك الحرفة أو العلم أو المهارة لثقتهم في تميزك. ولابد أن يكون لديك بجانب ذلك كله قدرة تعبيرية تمكنك من توصيل أفكارك حتى تستقر في عقول كل من هم في دائرة تأثيرك وقلوبهم.

ثم تأتي الخطوة الثانية بتحديد أهداف واضحة وأفكار محددة تعمل عليها من خلال دائرة تأثيرك التي عملت على تكوينها وتنميتها، ولا أجد مثالاً أفضل مما فعله اليهود المؤثرون في أنحاء أوروبا وأمريكا في أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين؛ حيث استخدم كل منهم دائرة تأثيره من أجل هدف واحد، هو إنشاء وطن لليهود وتبعوا في ذلك كتاب تيودور هرتزل “الدولة اليهودية” الذي اعتبروه المرجع الأساسي لهم حتى أنشأوا دولتهم على أرض فلسطين.

وبين هاتين الخطوتين لابد من إدارة حكيمة لما يميزك سواء أكان مالاً أم سلطة أم علمًا لتستطيع التأثير فيمن حولك، فكم من صاحب مال أو سلطة أو علم ولكنه واقع تحت تأثير من الآخرين في كل قراراته ولا يأخذها من قناعاته الشخصية المستقلة فضلاً عن أن ينشر قناعاته تلك في دائرة تأثيره.

الخلاصة أنه كما أمرنا ديننا بالزهد في الدنيا والتطلع للآخرة فهو أمرنا كذلك بأن يكون كل منا أمة وحده وأن يمتلك كل منا من المقومات ما تمكنه من التأثير في أمته وقيادتها، فنمتلك الدنيا لنطوعها لخدمة ديننا لا لننعم بمتع زائلة تنسينا آخرتنا وما أتينا لأجله إلى الأرض.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد