اسعرضنا فى الجزء الأول من المقال الارتقاء الروحي ونستعرض ىف هذا المقال المحور الثاني وهو:

ثانيًا: الارتقاء السلوكي

4 – اخلق عالمك الخاص

ارسم في خيالك الخصب الشكل البدائي للحياة الواقعية التي تبغي أن تحياها, وضع قواعد العالم الافتراضي الذي يمكن أن يحويها, ثم اشرع في تطبيقها على شخصك بحيث تصبح النموذج المثالي لشكل العالم الذي افترضته, وذلك الفعل هو بمثابة المسار الذي تسلكه من العقل الجمعي الذي طالما شعرت فيه باغتراب عن الذات إلى الذات التي ستشعر فيها باغتراب عن العقل الجمعي؛ مما يجعلك تنتهج سلوكًا مختلفًا متسقًا مع هويتك يشمل كل جوانب حياتك بحيث يصبح كل قول كنت تتفوهه وكل فعل كنت ترتكبه من قبل محل إعادة نظر وبحث عن مصدره, فإذا لم يكن له مصدر سوى اللاوعى –وهو الذي يتكون بشكل أساسي من الأفكار المجتمعية والعادات والتقاليد ومعايير التنشأة- تخلص منه, وحاول قدر الإمكان ألا تنتهج سلوكًا إلا وله أساس في هويتك يرتكز عليه ومسار إلى مركزيتك يسلكه, وإنني حقا لأعتقد أنه لا يمكن لإنسان أن يحقق ذلك بالشكل المطلق؛ فثمة عوامل تتداخل عند التطبيق تحد من مثالية التنظير.

عند نجاحك في إتمام ذلك ستتجدد نظرتك لمختلف الأمور تلقائيًا, فعلى سبيل المثال قد تحتقر بعض مما كنت تمجده في الماضي أو العكس, وقد تجد نفسك متفردًا برؤية خاصة للأمور ذات سمة مميزة لا تنبثق من أي فكر ذائع الصيت حتى وإن اتفقت معه في جُل سماته؛ وفي الحقيقة لم تنبع تلك الرؤية إلا من داخلك فإذا كانت مختلفة حقًا لا تزعزع ثقتك بذاتك, واحرص على أن تبقى مستقلًا بفكرك ولا تلتزم بأحد.

” بمجرد أن تقتنع أن كل العالم حولك بما فيه من قواعد وقوانين قد وضعها أشخاص مثلك ليسوا أذكى منك وقتها تستطيع تغيير العالم” – ستيف جوبز

ينبغي أن تقع خياراتك على مقربة من مستواك الثقافي المتطور باطراد، حتى وإن بدت حياتك بوهيمية للعيان, وتلك الخيارات تشمل عناصر كثيرة  كالأصدقاء والزوجة والفاعليات والفنون التي تتذوقها والكتب التي تقرأها وأساليب الاحتفال وأساليب التعبير عن الحزن وغيرها مما لا يتسع المقام لذكرها, ولكن يجب أن تضع في اعتبارك ندرة وجود أناس تتفق تمامًا معك في رؤيتك بما تتضمنه من تفاصيل عديدة, ولكنك ستجد من يتفق معها  بنسبة كبيرة منها أو ربما من يكملها, وبالتالي صمودك أمام شعور ملازم بالاغتراب, وعدم تغير معاييرك وأفكارك من أجل التخلص منه سيعتمد بشكل أساسي على مدى إصرارك وتمسكك بالمعتقد إلى درجة يشعرك فيها بدفء أقوى من دفء الجماعات, كما يعتمد أيضًا على قوة المعتقد في حد ذاته.

 

5- صب اهتمامك على الفكر فالأحداث ثم الأشخاص

تحيا الأشخاص والأحداث فترة قصيرة وسرعان ما تنعدم من العالم الأدنى, بينما يحيا الفكر إلى الأبد ويعبر مختلف الحضارات ويتجدد ويتطور على إثرها؛ وإنه لأمر مستحيل أن ينفصل الإنسان عن ماضيه؛ فالماضي هو المنهل الذي يستمد منه الحاضر قوامه وآثاره تتمثل جلية في أفعالنا.

صب اهتمامك على الفكر فهو الذي يغذي عقول الأشخاص التي بدورها تصنع الأحداث بناءً عليه, كما أن كونك رائد فكر حديث, أو صاحب نظرية علمية, أو مخترع شيء ما, أو مجدد عقيدة دينية يضمن  لك شعورًا دائمًا من الناس بوجودك, وتخليدًا لذكراك في كل زمان وربما في كل مكان.

   “المعادلات أهم بالنسبة لي، السياسة للحاضر أما المعادلات فهي للخلود

                                                                                                              ألبرت أينشتاين    

من الواضح أن مراد أينشتاين من لفظ السياسة هى التفاعل مع الأحداث السياسية اليومية المنوطة بعهده، وليس التفاعل مع الأيدولولجيات التي يتم تطبيقها سياسيًا؛ فالأيدولوجيات أيضًا للخلود؛ ويمكن أن تدرك ذلك أيضًا جينما تراه يقول “ليست الفكرة في أني فائق الذكاء، بل كل ما في الأمر أنني أقضي وقتا أطول في حل المشاكل”, وهذا رأى بالغ الصواب؛ فالذكاء في مجمله لا يُعزى إلى إعمال العقل في حد ذاته؛ فهذا شأن يتساوى فيه معظم البشر على نحو طبيعي, ولكن يمكن اعتبار المستوى الذي يبدد فيه الإنسان تفكيره هو الفارق الأكبر تأثيرًا, فالمحتال العالمي لا يستطيع أن يحل محل العالم وكذلك العالم لا يستطيع أن يحل محل المحتال العالمي رغم عدم تواني كل منهما في استخدام عقله؛ إذ كل ما في الأمر ليس أكثر من اختلاف بقعة التفكير.

 

6- حدد أهدافك واكتشف وسائلك إليها وتحلى بعزيمة فولاذية

 

الأهداف

يمكنك أن تضع أهدافك بحيث يتخذ عملك إحدى ثلاث هيئات, فالأولى هى التوسع الرأسي, والثانية هى التوسع الأفقي, والثالثة هى البناء الهرمي؛ ففي الهيئة الأولى تحدد هدفا رئيسيا وحيدا في الحياه تسعى إليه وتعمل داخل مجال محدود, أما الثانية فأنت تضع أهدافًا عديدة وتفتح مجالات متفرقة عديدة للعمل, أما الثالثة فهى مزيج من الهيئتين الأخريين؛ وهي أنك تفتح مجالات عديدة تشبع رغبتك في العمل بها وتعينك على تحقيق هدف رئيسي أسمى هو بمثابة قمة الهرم, وأعتقد أن اختيارنا أي من الهيئات الثلاث معتمد بشكل أساسي على تراكيبنا النفسية, والتاريخ مليء بالنماذج الناجحة من كل منها, فكل ما يهم من ذلك هو أن تعرف الهيئة التي تلائمك وتشرع في تحديد أهدافك.

الوسائل

أحد أهم مشاكل هذا المسار أنك ستضطر إلى التضحية باحتياجات عظيمة في مقابل احتياج أعظم, وهذه التضحية تعتمد بشكل كلي على النظرة بعيدة المدى؛ فإذا كنت ترى دائمًا ما هو بعيد عنك كأنه ماثل أمامك هذا سيهون عليك تلك التضحيات, وسيخمد نار شهوتك إلى تلك الاحتياجات, وأحد أهم التطبيقات على تلك التضحية أنك لن تسلك إلى أهدافك مسارًا مألوفًا لدى الجميع؛ فالمسار المألوف عادةً ما يكون بسيط ومبتذل وينطوي على العديد من الاشتراطات التي تحد من حريتك وتقيد من إبداعك؛ فعادةً ما يسلكه الباحثون عن الشهرة وجذب الانتباه لا المؤمنون بأفعالهم حقًا؛ وفي النهاية يصل بهم إلى مستوى متدنٍ من النجاح أو محدود للغاية.

اترك المسار المألوف, واكتشف مسارًا يتناسب مع جرأة خيالك, وابحث عن القيمة؛ فعلى الرغم من وعورة درب يبحث فيه صاحبه عن جوهرة نفيسة, وكثرة عوائقه, والحاجة إلى صبر وإصرار جم فيه, إلا أنه يصل به في النهاية إلى مستوى غير محدود من النجاح, ويجعل منه أيقونة مخلدة.

“العباقرة بدون أن يهجروا فنهم نفسه يتركون المسار المألوف ويخطون خطوات نحو الرفعة حتى عندما يكون شعرهم قد ابيضّ فالخيال الجريء لا يخضع للتقليد السهل”.   بلثازار غراسيان

قد لا تحيا إلى يوم تشهد فيه ثمرة نجاحك المرجوة, ولا غضاضة في ذلك؛ فأنت في هذا المسار يجب أن توجه أولوياتك للبحث عن القيمة لا النجاح, بل إن من الطبيعي أن يوجهك معتقدك لذلك, والعباقرة عادةً ما يكونوا سابقين لعصرهم ولا تنتشر أفكارهم إلا بعد فناء عظامهم؛ حينما تستحيل الأرض الموات التي نشأوا فيها تربةً خصبةً صالحةً لنمو أفكارهم وانتشارها؛ فثمة علاقة تبادلية كائنة بين تحوّل تلك الأرض والفكر المغيِّر لا تخضع للحتمية التاريخية أو العبثية الطبيعية, فقط تخضع للقدرية الإلهية.

بالرغم من إصدار محاكم التفتيش الرومانية عام 1633م على “جاليليو جاليلي” حكمًا مخففًا بالإقامة الجبرية بتهمة الهرطقة بسبب كتاباته المؤيدة  لنظرية “نيكولاس كوبرنيكوس” عن مركزية الشمس ودوران الأرض حولها والتي تم منعها بموجب الحكم, إلا أنه كان لتلك المحاكمة أثر بالغ في انتقال الثورة العلمية إلى أوروبا الشمالية؛ ففي عام 1741م أي بعد مرور حوالي قرن من وفاته  صدر تصريح من البابا بنديكت الرابع عشر بطباعة كل كتبه؛ فما لبثت أن انهالت عليه الأوسمة العديدة إثر ذلك حتى أن أينشتاين قد أطلق عليه “أبا العلم الحديث”, وصرح هوكينج بذلك أيضًا, وأطلق اسمه على أول قمر صناعي يدور حول المشترى, إضافة إلى تحويل رياضي ونظام أقمار صناعي للملاحة وغيره من الأجهزة العلمية, كما قدمت له الكنيسة اعتذارًا عام 1983م؛ وهكذا استطاع جاليليو بتشبثه بالقيمة أن يخلد ذكراه.

               “لا تكافح من أجل النجاح، بل كافح من أجل القيمة” ألبرت أينشتاين

العزيمة

لا وهم في خيالك صعب التحقيق, ولا حرج في أحلامك بعيدة المنال؛ ما دامت هي أحلام يقظة, تتبعها بعزيمة فولاذية ذات قدرة على دفع الخيال إلى أرض الواقع, فإذا اعتبرنا أن سعيك لتغيير وجه العالم يتمثل في هرم عظيم سيستمر لآلاف السنين, فإن بنيته التحتية هي هويتك, وقمته هي مركزيتك, أما القوى البشرية التي ستنصبه هي العزيمة والإصرار.

لقد نجح توماس أديسون في اختراع المصباح الكهربي في محاولته ال 999؛ فكان من أشهر أقواله “العبقرية عبارة عن واحد بالمئة من الإلهام و99 بالمئة من الجهد” فتأكد تمامًا من تواجد الكثير ممن لديهم أفكار أعظم بكثير من أفكار جميع العباقرة والمفكرين والعلماء الذين ساهموا في تشكيل وجه هذا العالم, ومع ذلك لم يحققوا أي انجاز حيث أنهم لم يكن لديهم القدر الكافي من العزيمة والإصرار, أو ربما كانوا يحتاجون إلى أن يثقوا أكثر بذواتهم. وبالتالي يمكن القول إن القاءك اللوم دائمًا على الظروف الحياتية التي نشأت فيها ورضاك عن ذاتك سيؤول بك حتمًا إلى الفشل والعكس صحيح.

“إياك والرضى عن نفسك فإنه يضطرك إلى الخمول ”  طه حسين

                                                                                  

 “لا شئ يستطيع أن يحل محل الإصرار. الموهبة لن تستطيع، فليس هناك شيء أكثر شيوعًا من موهوبين غير ناجحين. العبقرية لن تستطيع، فالعباقرة الذين لا يجيدون النجاح كثيرون. التعليم لن يستطيع، فالعالم ممتلئ بالمتعلمين المُهمَلين. الإصرار والتصميم وحدهما لا يقهران”.كالفين كوليدج

 

7– كن مثقفا متنورًا

ما بين الإحساس والقدرة على التعبير فجوة شاسعة لا يمكن تخطيها إلا بالعلم والمعرفة؛ فكن على دراية بأنك كلما اتخذت خطوات واسعة لتخطي تلك الفجوة  كنت ذا قدرة أشمل على التعبير والتأثير بقوة في أعماق النفوس.

إن التثقٌّف بالنسبة للإنسان لا يقل أهمية عن الماء بالنسبة للنبات؛ فهو يروي بذور فكره, ويوسع مداركه, ويرتقي بسلوكه, ويخصب خياله؛ فبكثرة الاطلاع يكتمل الشكل الحقيقي الذي يبدو عليه عالمك الخاص, وخاصةً إذا كنت تطلع على مختلف الأفكار قاطبةً حتى الأكثر تناقضًا لأفكارك فهذا عامل ضروري لتدعيمها سواء بإتمام ما ينقصها ومعرفة ما تنطوي عليه من أوجه التناقض ونقط الضعف التي يتصيدها الآخرين وبالتالي معالجتها, أو من ناحية أخرى بمعرفة أوجه التناقض ونقط الضعف التي تتخلل أفكارهم.

وعادةً ما قد تجد مناظرة بين شخصين يمثل كل منهما فكرا مختلفا ثم تجد أحدهما يهاجم بضراوة نقطة الضعف في فكر الآخر, فيرد الآخر في هدوء واتزان تام  بدون استهلاك وقت يذكر للتفكير، ويظفر بتلك الجولة, لا تسع دائمًا إلى تسويغ العامل الرئيسي وراء ذلك بحضور البديهة, بل تيقن بأن ذلك عادة ما ينجم من اطلاع مسبق من ذاك الشخص عما يراه أصحاب الفِكَر المختلفة من نقاط الضعف التي تتخلل فكره أو التي يظنون أنها كذلك.

فيما يخص أهدافك فإنك تركِّز على التعمق في دراسة العلوم المنوطة بها فقط, ولكن حينما يتطرق الأمر إلى التثقُّف فمن الأفضل أن توازن في اطلاعاتك بين العلوم المادية والدينية والأدبية؛ فأنت بذلك الشأن ستتمكن من امتلاك خلفية ثقافية واسعة عن كل منها.

وإنه حقًا لمن المتعسر إمكانية وجود أشخاص استطاعوا أن يغيروا وجه العالم لا يمتلكون تلك الخلفية الثقافية عن مختلف العلوم, وحتى المقتصرين على العلوم المادية هى أيضًا بالنسبة لهم ضربة لازب؛ فبدونها يضيق الأفق للغاية حتى يصبح عاجز عن الاكتشاف أو الإبداع.

وقد يخطئ البعض باعتقاده أن الخلفية الثقافية لا تستمد إلا من قراءة الكتب والمقالات, فهى حقًا يمكن أن تستمد من مصادر عديدة متنوعة كالأفلام الوثائقية والأفلام السينمائية والمسرحيات والرحلات الثقافية والبرامج والندوات وتجارب الآخرين الناجحة والشعر والأغاني، فتنويعك مصادر اطلاعك في حد ذاته عامل مؤثر لكنه يبدو أقل تأثيرًا  إذا ما قورن بحرصك على ملائمة المطلع لمستوى تفكيرك؛ فلا تقع ضحية الابتذال والانحدار الثقافي, والقراءة تكمن أهميتها في أنها وسيلةً وليست قيمة في حد ذاتها؛ وثمة أغنية قد تفيدك أكثر من كتاب.

وأخيرًا ينبغي أن تأخذ مُعامل النسيان في الاعتبار, لذا احرص على تدوين كل ما تراه مفيدًا.

يُتبع

تنويه: سبق وأن ذكرت في الجزء الأول من المقال بأنني سأتناول الخطوات السبع المتبقية  في الجزء الثاني, لكن حرصًا على عدم إطالة المقال أكثر من ذلك سأكتفي بهذا القدر؛ وسأتناول الخطوات الثلاث المتبقية في جزء ثالث. 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد