بخطوات بسيطة

الأمرُ ليسَ متعلقًا فقط بِكيف تحكم لمدة طويلة دون أي محاسبة من الشعب، بل وصل الأمر لأن يجعلك جمهورك من الحكام النادرين الذين وصلوا إلى سدة الحكم، لا يمكن لأي شعب في العالم أن يصنع مستبديه مثلما صنع كل شعب عربي زعيمًا في السنوات الأخيرة من خلال تمجيده وتأليهه، وعدم المطالبة بحقوقها المشروعة والبحث عن تفسيرات لكل ما يصنعه الحاكم أو الرئيس أو الزعيم العربي.

هنالك بعض الخطوات البسيطة التي اتبعها الحكام العرب حتى أصبحوا خالدين في ذاكرة شعوبهم، بالرغم من الجرائم الشنيعة التي ارتكبوها بحق شعوبهم على مر السنيين. منها:

أولًا: الجلادُ والشيخ

معادلةٌ بسيطة أصبحت معروفة وشائعة لدى الجميع، لا يحتاج الأمر من الحاكم سوى شيخًا يَأمّ بالناس وينهاهم عن المنكر، من ثم إعطاء الطابع الإسلامي للدولة، وإحلال كل ما أحلته السلطات، فيمشي الجلاد جنبًا إلى جنب مع الشيخ، الأول يقتل والأخير يبيح، ومن أشهر الأمثلة على ذلك السعودية وحكامها.

فَفي لحظة أصبح الحلالُ حرامًا، والحرام حلالًا، مئات الفتاوى أصدرها علماء، ومشايخ السعودية تمنع المرأة من قيادة السيارة لأسباب علمية على حد تعبيرهم لم يعرف بها العلم قط. وعندما سَمحَ المَلكُ للمرأة بالقيادة، وبقدرة قادر أصبح الأمر مجازًا من قبل ذات المشايخ التي حرمته تحريمًا قطعيًا في الماضي. ويسعى هؤلاء العلماء إلى اللجوء إلى حديث الرسول حول طاعة الحاكم لتبرير تقصيرهم لدى الجمهور، فلم يَرَ علماء السعودية غيره في الكتاب السنة، ويأتون إلى الحديث لتبرير كل الجرائم التي ارتكبتها أنظمتهم في السابق والحاضر، وما إذا انتقلنا إلى سوريا وجدنا مفتي الجمهورية أحمد حسون يبيح ويجيز للسوريين بقتل بعضهم البعض من أجل تحرير سوريا من أبنائها حتى يحافظ رأس السلطة على منصبه، ضاربًا بعرض الحائط – أحمد حسون – كل الشرائع والأحكام التي تجيز إسقاط بشار الأسد لما ارتكبه من جرائم، ويسعى دائمًا لتفسير الكتاب والسنة على هوى السلطات.

ثانيًا: المتاجرة في القضية الفلسيطينة

لا يحتاج الأمر من الزعيم العربي محاربة إسرائيل، وإنما بضع كلمات في بعض المناسبات القومية والوطنية عن حق الفلسطيين بعودتهم إلى بلدهم ليجعل منه الشعب الرئيس المقاوم، المحارب، المقداد، الصنديد الذي تصدى للاحتلال الإسرائيلي ووقف بوجهه، وبرعت الشعوب العربية في هذا الأمر حتى وصل بهم الأمر إلى صنع مستبدين خارجيين من أجل بضع كلمات (تركيا، إيران) أنموذجًا، بالرغم من أن الدولتين لديهما مصالح واستثمارات من وإلى إسرائيل.

ثالثًا: الموت لأمريكا

رُبما أكثر من برع في لعب هذا الدور هو صدام حسين، وأكثر من روّج لهذا الشعار من أجل كسب التأييد الشعبي لحكمه و بطشه، وغزواته التي أنهكت العراق اقتصاديًا واجتماعيًا، وبالرغم من ذلك ما زالت الناس إلى اليوم تتغنى بإنجازاته وبطولاته في التصدي لأمريكا، التي كانت تريد أي حجة لغزو العراق ونهب ممتلكاته وهو من أعطاها الحجة وأصبح الزعيم العربي الوحيد الذي غزا إسرائيل بالصواريخ، والحقيقة أنه كان يعلم أن نظامه إلى زوال لذا لا بأس بمحاولة أخيرة لجعله القائد المحبب لدى الجماهير العربية. كان فاسدًا لما غزته أمريكا.

رابعًا: نهب ثروات البلد

السيطرة على ثروات البلد هو أكثر شيء يبرع فيه الحكام العرب، فالقذافي كان يسجل آبار النفط باسمه وكذلك يفعل بشار الأسد الذي يستفيد من بعض آبار النفط بنسب كبيرة باعتبارها من ممتلكاته، ويبقون على جهل الشعب حتى لا يعرف ما تملكه بلادهم من ثروات، ففي كتب الجغرافيا السورية يعلمون الأطفال أن سوريا وبحلول عام 2025 ستجف آبار النفط لديها، والحقيقة غير ذلك، ثم تحويل الأموال المستمثرة من ممتلكاتهم من الآبار النفطية إلى حسابات بنكية في الخارج، وحينما يشعرون بتململ بعض الفئات المثقفة والعارفة يبدأون بإعطاء الناس بعض الهبات العينية أو المادية أو زيادات في الرواتب، فتخرج عوام الناس وهم الفئة الأكبر من الشعب بمسيرات تأييد للزعيم الذي لا ينساهم، والذي يعطيهم جزءًا صغيرًا لا يذكر من حقهم.

خامسًا: التهرب من المسؤولية

وهو خيار إضافي يستعمله الحاكم لتبرير بطشه ونهبه للبلد الذي يحكمه، فيشيع بين الناس أنه هو صالح جدًا لدرجة أنه لا ينام وهو يراقب سير مؤسسات الدولة، وإنما الذين حوله هم الفاسدون، وشخص واحد غير قادر على محاربة الفساد لدى الجميع. فيتحول بين الناس إلى مَلاك ويسيطر على عقولهم وقلوبهم.

وفي الختام أذكر قصة الرئيس البوسني على عزت بيجوفيتش في أحد الأيام عندما تأخر عن صلاة الجمعة، وكانت الصفوف الأمامية ممتلئة، فأصبح الناس يفتحون له الطريق للوصول إلى الصف الأمامي، فالتفت إليهم، وقال مقولته الشهيرة: «هكذا تصنعون طواغيتكم».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد