قد يكون العنوان صادمًا، ولكنه واقعي؛ إذ إن المجتمع لم يعد به النخوة التي كانت سائدة قبلًا وكان الأفراد يتحلون بها. فأخلاق المجتمع في انحدار مستمر، ومن سيئ إلى أسوأ مع وجود قلة ممن يملكون الإنسانية والأخلاق الحميدة. ونحن هنا ليس لنبحث كيف كان ولماذا أصبح هكذا، ولكن لمعرفة كيف يكون المجتمع والفرد همجيًّا.

فمثلًا يصادفنا في الشارع أشخاص يتمتعون بغلاظة قلب وفعل لا مثيل لهما، فنرى سائق سيارة الأجرة الذي لا يحترم أحدًا، حتى لو كان الذي أمامه مسنًّا ويكون أسهل شيء لديه هو السب واللعن لمن يعارضه ولمن لا يعجبه، فهو لا يملك الحد الأدنى من التسامح أو التفهم للآخرين. ونكمل لترى باقي أطياف الشعب الذي توغلت فيه روح الهمجية بسهولة، فلا نسمع السلام أو التحية من أحد ونحن نسير في الشارع، ولا نرى الابتسامة على وجه أحد عندما ننظر إليه، بل كلها وجوه عابسة مكفهرة مستعدة للشجار لأتفه الأسباب وفي أي لحظة، فإذا صدم أحدهم آخر عن طريق الخطأ يكون الرد الطبيعي هو «مش تحاسب يا عم» أما كلمة «آسف» لم يعد لها وجود في قاموسنا!

لا نجد من يدافع عن مظلوم إذا تعدى عليه ظالم أو ضرب أحدهم الآخر، وإذا تعدى فرد على سيدة وتحرش بها لا يكون العيب عليه، وإنما عليها وتلام هي على هذا، لا ترى في الشارع الحمية القديمة على الأخلاق ومكارمها، بكل سهولة يبدأ السباب إذا صدم أحدهم سيارته مع سيارة شخص آخر، ويصل الأمر إلى العراك ولا تحل بسهولة وود.

المعاملة بلطف أصبحت عملة نادرة، ومساعدة الآخرين حتى لو باستطاعتنا المساعدة أصبحت من الأشياء التي يصعب إيجادها، ولكن من السهل أن نجد التكشيرة والسباب والتعامل بقسوة لا نعرف لماذا! وإنما كل ما نعرفه هو إما نكون مثلهم، وإما نبتعد عن التعامل معهم ونغلق على أنفسنا دائرة المعارف؛ حتى لا نكل ونتعب من التعامل الجاف.

أصبح المجتمع جافًّا كالصخر في عواطفه ومشاعره وأحاسيسه حتى مع أقرب الناس إليه، فلا يملك عاطفة الحب والمودة والرحمة مع الغير حتى مع الأطفال. كما حدث منذ عدة سنوات مع طفل لم يكمل عامه الثالث الذي قتلته زوجة أبيه بسبب موت العاطفة بداخلها، وكانت الكارثة الكبرى أن تقتل سيدة بإحدى مدن محافظة الدقهلية حفيدتها بعد تعذيبها عدة مرات على مدى سنوات بحرقها بالنار وكأنها تشوي اللحم، فأين العاطفة والرحمة؟ ولماذا ماتت داخل الناس. وحادثة القطار الشهيرة منذ شهور عندما ماتت الرحمة بكمسري قطار وألقى بشابين من القطار؛ لأنهما لا يملكان ثمن التذكرة، ولم يحرك واحد من راكبي القطار نفسه لمنعه عن هذه الفعلة الشنيعة.

والمصيبة العظمى هو تعامل الناس مع هذه التصرفات الوحشية والهمجية وكأنها أصبحت جزءًا عاديًّا من واقعنا المجتمعي، والطامة الكبرى هو تعامل الدولة والقانون مع هؤلاء المجرمين بأحكام ليست رادعة، بل تشجع غيرهم على الفجاجة والفظاظة والفجور، وتشجع على عدم الرحمة وقتل الإنسانية حتى أصبح شعب يرقص ويفرح لقتل الغير من بني وطنه لمجرد الخلاف السياسي. والأيديولوجي

فعلى الدولة أن تضع القوانين الصارمة لمنع السباب والشجار بين الناس، وتجبرهم على احترام القانون، وطبعًا عليها أن تبدأ بنفسها، ويحترم أفرادها القانون والدستور، ويكون التعامل بين الدولة والأفراد في حدود القانون بدون ظلم لأحد، كما وتجبر الأفراد على احترام بعضهم بعضًا وردع الفاسد أو المعتدي.

أصبحت بلدنا مرتعًا للفوضى بكل سهولة، وللفساد والأخلاق التي لم يعد لها وجود بين الناس حتى مع أقرب الأقربين، بكل سهولة تجد الخيانة والغدر بين الجميع من أجل حفنة من المال دون مراعاة لأي عشرة أو دين أو قرابة، بل أحيانًا تكون مبررة، ولا تجد السبيل من الهروب منها ولا مجال للحب والرحمة بين الناس.

ورغم ذلك نجد بعض الأشخاص الذين يتحلون بأخلاق حميدة وما زالوا أوفياء لإنسانيتهم، وهنا تكمن بقعة الضوء في ظل هذا الظلام. فباعتقادنا التربية الأسرية مع التوعية والثقافة يدفعون الفرد ليكون مهذبًا حتى في أسوأ المجتمعات وأكثرها همجية.

لذا يجب الاهتمام بالثقافة، والتوعية، والتربية، والأخلاق داخل الأسرة، والتربية على التراحم، وقبول الآخر، وثقافة الاعتذار عن الخطأ، والتوعية بأهمية التحضر في التعامل مع الغير، وعلى هذا سيتحول المجتمع إلى مجتمع مهذب متحضر كما كان، من قبل أن يتحول إلى هذه الهمجية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد