في الأجزاء الأولى من سلسة مقالات «كيف تكون مقنعًا» تحدثت عن أعمدة الإقناع وبينت مكوناته، ووضحت شرطًا رئيسيًا يختص بفهم لغة أفكار من تُخاطب وعالمه، ومعرفة مجال اهتماماته، ثم سقت ثلاثة مشاهد رئيسية تتكرر في واقعنا كنماذج لتوضيح طرق تشكيل الرسالة الإقناعية، وأشرت إلى أنه في المقالات القادمة سأخصص حديثًا عن المغالطات المنطقية الشائعة، تلك الضوضاء الشنيعة التي تسبب للمتحدث كثيرًا من المشاكل، وأول ضررها عليه هو عدم وصول رسالته إلى المستمعين بالشكل الكامل الذي يليق بها، وهذا هو موضوع مقالي اليوم.

مغالطات منطقية احرص على ألا تقع فيها أبدًا

غالبًا أثناء المحادثة ما تظهر أخطاء في الادعاءات التي على أساسها ينبني خطابنا الإقناعي أي أن الفكرة الرئيسية نفسها فاسدة في الأصل! ونقع في مغالطات منطقية أخرى تتعلق بإيراد الأدلة والمعلومات التي نحاول من خلالها أن نثبت وندعم ادعاءاتنا وأفكارنا، وتوجد أيضًا مغالطات ترتبط بالتعليل وإظهار الأسباب، وعلاوة على ذلك تلك الأغلاط الشائعة عند الاستجابة وإظهار رد الفعل، وإليكم المغالطات بشيء من الإيضاح والتبيين.

لمـاذا قـد لا يهتـم النـاس بخطبـة الجـمعـة؟

1- مغالطات منطقية ترتبط بطريقة عرض الفكرة الرئيسية

  • مغالطة افتعال المأزق False dilemma


    • مغالطة منطقية شهيرة، وهي سياسة حصر فكرة رئيسية كبيرة معقدة في أمرين اثنين فحسب فإما (س) أو (ص) ولا حل ثالث آخر غير هذين، وفي هذا اعتباط وحمق، بل مصادرة على الفكر أيضًا، ودكتاتورية شنعاء.

    • مثال: السياسة التي اتبعها الرئيس عبد الناصر مع مجلس قيادة الثورة، فإما إطلاق الحرية الكاملة للصحافة والأحزاب، والشروع في الانتخابات التي ربما قد يفوز بها بقايا أذناب الملكية، أو الجماعة الإسلامية الأقوى على الساحة، أو التعامل العسكري الدكتاتوري مع كل القضايا والأحداث حتى تستتب الأمور وتستقر، وقد اختار المجلس الثانية.

      فعبد الناصر هنا حدد حلين اثنين فقط، وافتعل مأزقًا زائفًا أوهم به أتباعه المخلصين في مجلس القيادة أن الخروج منه هو إحدى هذين الحلين.

  • مغالطة المصادرة على المطلوب Begging the question

    • وأعني بها عدم ذكر دليل على الكلام، أو أن تعيد صياغة الادعاء الأولي نفسه بصورة أخرى، فأنت هنا تؤيد الفكرة بالفكرة نفسها وكأنها هي الدليل على صحتها.

    • مثال: «أنا لا أكذب؛ لأنني أقول الحقيقة»، فكلا الجملتين يحملان المعنى نفسه والثانية لا تعد دليلًا على الأولى.

    • مغالطة المنحدر الزلق Slippery slope reasoning


    • وهي تعني أن تقدم مجموعة من الأدلة المتتابعة وراء بعضها دون أن يكون هناك أية علاقة منطقية تربط بينها، أو تؤكد على صحتها، وليس شرطًا أن تكون النتيجة النهائية كارثية، فقط يكفي عدم الترابط في ذكر الأدلة.

      فإذا فعلت «أ» سيحدث «ب» ثم يحدث «ج» وسينتهي بك الأمر عند «د» غالبًا ما يكون «د» أمرًا كارثيًا يُورد تخويفًا حتى لا تفعل «أ» ولكن هذا ليس شرطًا دائمًا، فربما يكون «د» أمرًا جميلًا يحببك في فعل «أ».

      مثال: «لو لم تذاكر أيام السبت، لن تأتي بمجموع عال في الثانوية العامة، وبالتالي لن تستطيع الدخول إلى إحدى كليات القمة، وسننتهي بك المطاف بائعًا للفول والطعمية!»

      لا يوجد أي ارتباط بين هذه الأدلة بعضها ببعض، فما الدليل أصلًا على أن عدم المذاكرة في أيام السبت يجعلني لا أدخل إحدى كليات القمة؟!

      2- مغالطات منطقية ترتبط بإيراد الأدلة المدعمة للفكرة

  • مغالطة التوسل بالأكثرية Ad populum


    هذا غلط منتشر؛ فلا يصح أن يكون تصديق عدد غفير من الناس بفكرة ما معيارًا أو دليلًا على صلاح الفكرة أو فسادها بدلًا عن الأدلة العقلية المنطقية، فلا تأتي وتحدث الحضور فتخبرهم قائلا: «كل الناس بيعملو كدا» أو كما في الصورة «مليارات من الناس أكلوا من كنتاكي».

  • مغالطة الرنجة الحمراء Red herring


    أصل نشأة المصطلح هو ما تعبر عنه الصورة؛ إذ رغب الفلاحون في تشتيت صيادي الثعالب ومنع كلابهم من الدخول إلى حقولهم، فقاموا بوضع سمك سيئ الرائحة على حدود الحقل، فعندما تدخل الفريسة الحقل، لا تتبعها كلاب الصيد لأن رائحة السمك تشتتها.

    والشاهد هنا هو تجنب الكلام الكثير المشتت، وحشو المعلومات التي لا علاقة لها بالموضوع العام لفكرتك، فرجاءً اختصر وابتعد عن المعلومات المملة؛ لأن هذا سيجعل المستمع يتشتت ولا يعلم عن أي شيء تتحدث.

    3- مغالطات ترتبط بالتعليل وإظهار الأسباب
  • مغالطة عدم الترابط الزمني Post hoc


    • وهي تعني أن تذكر حدثين منفصلين قد وقعا فعلًا، ولكل واحد منهما ظروفه الخاصة به، ثم تربط بينهما بعلاقة سببية غامضة، كأن تقول إن «ب» أمر قد وقع بعد «أ» إذن تعتبر «أ» هي السبب في «ب»، ولكن بدون ذكر أية دلالة على ذلك.
    • مثال: «عندما منعت كندا أفلام الكرتون العنيفة في أوائل التسعينيات تناقصت نسب الجريمة بصورة كبيرة جدًا في أواخر التسعينيات»، منع الكرتون العنيف لا يعد دليلًا كافيًا على نقصان العنف في ذلك الوقت، ما وجه العلاقة؟! فإن كان ثمة علاقة فعلًا فهي تحتاج أن تُذكر في الكلام.
    • مثال أخر: «أنا عندي صداع، سأشرب بعض الشاي» بعد الشاي ذهب الصداع فتقول: «إذن الشاي يُذهب الصداع»، وهنا لا يصح أن تقول إن الشاي تسبب في ذهاب الصداع؛ لأنه لا علاقة تربط بين الاثنين؛ فالشاي لا يعد دواءً للصداع.

  • مغالطة التعميم المتحيز Hasty generalization


    • التعميم متحيز تجاه أمر ما بصورة مبالغ فيها غالبًا ما يكون سببه نقص المعلومات؛ فأنت تورد أمرًا شاهدته، أو دليلًا صادف أن دار في واقع خبرتك العملية، فقمت بتعميمه على الجميع.
    • مثال: الجملة المصرية الشهيرة كل المنايفة سيئي الخلق، وهذه مغالطة شائعة في مصر، تضر بأخوتنا من محافظة المنوفية، فلربما أساء أحدهم إليك، لكن من الحتمي أنه ليس كل المنايفة قد أساءوا إليك، فلماذا افترضت أن كلهم سيئ الخلق؟! ومثلها من يصف الصعايدة بالتعصب والغباء، ومثلها أيضًا كل النساء لا تحسن قيادة السيارات.

  • مغالطة النتيجة الكاذبة Non sequitur


    • وتعني الخروج بنتيجة لا تتبع مقدماتها ودلائلها المنطقية.
    • مثال: أنت قمت بإيراد فكرة ما ولتكن «أ» ثم دللت عليها بمجموعة من الأدلة، ثم قلت إذن «ب» فكرة صحيحة، أي أنه تم الربط بين «أ» و«ب» بعلاقة غامضة؛ فدلائل الأولى لا تصح أن تكون هي دلائل على صحة الثانية. وإسقاطًا على الصورة بالأعلى تجد أن هذا الأحمق في الصورة يدخن، ويضايق الآخرين ثم يبرر فعله هذا بدلائل أمر آخر وهو أن الناس قد ماتوا بالسرطان قبل ظهور التدخين، نعم هو على حق، ولكن هذا لا يمكن أن يكون دليلًا على صحة كلامه بأن السجائر لا تسبب السرطان.

      4- مغالطات منطقية ترتبط بالاستجابة وإظهار رد الفعل

  • مغالطة رجل القش Straw argument

    • وتعني افتراض أمر خيالي لم يتحدث به أحد، كأن تفتعل صراعًا وهميًا ثم تمضي في مهاجمته وإلقاء القنابل الفكرية عليه؛ وهذا لمجرد عدم قدرتك على مناقشة الحجج القوية للشخص الذي أمامك.
    • مثال: حوار يدور بين اثنين عن الوضع الاقتصادي السيئ في مصر، فيتهم أحدهما الآخر بالخيانة والكره البلد لمجرد اعتراضه على غلاء الأسعار في حين أن الخيانة هنا وهم اصطنعه هذا الشخص بسبب ضعف حجته، وعدم قدرته على التبرير للظلمة، والفاسدين بطريقة عقلية سليمة.

  • مغالطة الشخصنة Ad hominem

    • وهو أن تهاجم الشخص نفسه، بدلًا من مناقشة أفكاره، وتلك أكثر المغالطات المنطقية انتشارًا، والأكثر استخدامًا من قبل الإعلام، شاهد قصة وائل المظلوم

      بذلك إخوتي الكرام أكون قد بينت طرق قولبة رسالة الخطاب الإقناعي من قبل، وشرحت مفتاح الإقناع وشرط فك تشفير الرسالة أيضًا، ووضحت في هذا المقال عدد من المغالطات المنطقية التي ينبغي تجاوزها قدر المستطاع.

      https://www.youtube.com/watch?v=E57Dn4rtx3E

    • «مغالطات منطقية» يستخدمها الناس في الإقناع.. كيف تتعرَّف عليها؟

في المقال القادم، والأخير، سأتحدث عن مقومات الخطاب الإقناعي، التي ينبغي أخذها في الاعتبار أثناء عملية قولبة الرسالة كتأطير الخطاب، وبيان مصداقيته، وبلاغة الأسلوب فيكون منهجك هو حسن العرض وجمال رونقه إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
s