مقدمة

كثيرًا ما يثار الجدل حول الثقافة، وبم يتميز المثقف، وقد تلاحظ أن البعض يقوم بتصنيف القراء حسب ما يقرؤونه إلى مثقفين أو غير مثقفين. الخلاصة هي أن مجرد قراءة الكتب لا تصنع مثقفًا، لأن الثقافة أسلوب حياة كامل يجب الالتزام به، وهذا هو ما أدركته والتزمت به من خلال سنوات طويلة من محاولة اكتساب الثقافة. لا أعني بهذا القول أنني مثقف، حيث لا أحب أن أمنح نفسي هذه الصفة ولكن ما أعنيه هو أنني قطعت شوطًا طويلًا في سبيل أن أثقف نفسي. وأرغب في أن أنقل إليك أيها القارئ الكريم الوسائل والمعارف التي استخدمتها في سعيي نحو الثقافة. إن كنت ترى نفسك مثقفًا بالفعل فرجاءً اقرأ ثم شارك بسرد تجربتك، وإذا كنت تسعى لتثقيف نفسك فاقرأ هذا البرنامج وحاول تطبيقه. وإليك هذا البرنامج:

1- اعتمد على ذاتك

أعتقد أن من حق كل إنسان أن تتوفر له وسائل الثقافة منذ الصغر في المنزل والمدرسة وكذلك في المجتمع. ولكن في مجتمع مثل الذي نعيش فيه لا تنتظر دعمًا ثقافيًا، ليس من المنطقي أن نفترض أن الدولة تمارس دورًا لتثقيف وتوعية المواطن ولدينا في بلادنا العربية معدلات أمية مرتفعة. لذلك عليك أن تثقف نفسك بالجهد الذاتي. لا تترك فرصة لمطالعة أي كتاب قد يسقط في يدك بالصدفة، استغل القليل المتاح أمامك.

2- لا تشاهد التلفاز

أعتقد أن المثقف الحقيقي يهجر التلفاز إلى الكتاب. لا تكثر من مشاهدة التلفاز فالإعلام لا يقدم إلا تفاهات. اقضِ وقت فراغك في القراءة هذا أنفع لك. ولكن هناك القليل من المواد الجيدة المقدمة مثل الأفلام الوثائقية. وهناك أيضًا قنوات إخبارية وثقافية جيدة يمكن متابعتها على قلتها. خطورة ما يعرض على التلفاز ليس فقط في انحطاطه ولكن في تأثيره على عقل المشاهد وتغيير المثل والقيم التي يعتنقها. ناهيك عن تأثير هذا المعروض على الأطفال والمراهقين.

3- اترك هوس التكنولوجيا للآخرين

بالتأكيد المثقف هو من يحسن استغلال التكنولوجيا ولا يضيع وقته في توافه الأمور. لكنّ هؤلاء الأشخاص المأخوذين بتكنولوجيا الهواتف المحمولة وتطبيقاتها المختلفة والذين تبقى أعينهم معلقة أمام شاشات هواتفهم حتى في أثناء سيرهم في الطريق، هؤلاء لا يتوفر لديهم الحد الأدنى من الثقافة أو الوعي. ما أعنيه هو الوعي بتفاهة وضرر الأشياء التي يقضون الساعات الطويلة في عملها من خلال حواسيبهم اللوحية أو هواتفهم، بدلًا من الاستفادة من هذا الوقت في شيء مُجدٍ. إن المثقف ليس هو ذلك الشخص الذي ينفق مبالغ كبيرة من المال ليحصل على أحدث نسخة من الـ(I phone) أو ينبهر بكل ما يستجد من تطبيقات ويقضي أغلب وقته في استخدام تلك التطبيقات. الشخص المثقف هو من يهتم بجوهر الأشياء ويشغل نفسه ووقته في ما ينفعه، ولا يفعل مثلما يفعل الكثير من الناس وهو استخدام السيء والضار من التكنولوجيا وترك الجيد. كذلك هناك أنواع أخرى من الهوس والتوق إلى المظاهر اللامعة المزيفة التي لا قيمة لها على الإطلاق مثل هوس الشراء، وهوس الموضة، وهوس التصوير بالهواتف المحمولة، وهوس السوشيال ميديا.

4- اقرأ أكثر

الثقافة هي معرفة شاملة وأفق واسع. اقرأ كثيرًا وفي مختلف المجالات، لا تحصر نفسك في مساحة ضيقة ومحدودة من القراءة، الروايات الجديدة مثلًا! كلما توسعت في قراءتك رأيت الأمور على نحو أفضل. من وجهة نظري يجب أن يتوفر للمثقف معرفة واسعة بعلوم التاريخ والجغرافيا والسياسة وحقوق الإنسان، فهذه العلوم تجعل المرء يحيط علمًا بتاريخ العالم كله والمعالم الجغرافية لكل دولة والحضارات القديمة والحديثة كيف قامت وكيف هدمت، وموارد الدول المختلفة والحروب التي جرت وأسبابها والثورات في هذه الدول ومؤامرات السياسة والاحتلال واستغلال المحتل لموارد الدول، وإفقار هذه الدول وكفاح الشعوب من أجل الاستقلال. إلى غير هذا من قضايا ومعارف لا تجعل الإنسان مدركًا للطريقة التي يحكم بها العالم وحسب، وإنما تجعله أيضًا ينحاز إلى الحق ويمقت القهر والظلم والاستبداد والعدوان. أرشح لك مجلدات قصة الحضارة لويل ديورانت.

5- استخدم الإنترنت

للإنترنت ميزة مهمة لا تتوفر في الكتب. فمثلًا إذا كنت تقرأ كتابًا عن الفضاء وتنقصه معلومة أردت التأكد منها، فإما أن تشتري كتابًا جديدًا وهذا أمر مكلف، أو أن تبحث عنها على الإنترنت ولن يكلفك هذا البحث إلا ضغطة زر وستجد المعلومة أمامك. علينا أن نستغل سرعة الإنترنت والمعلومات اللا نهائية المتوفرة بها. خاصة في تعلم كل ما يتعلق بالحاسوب من لغات برمجة وتصميم وبرامج مكتبية فالأمر أسهل كثيرًا على الإنترنت. ليست الكتب مجدية كثيرًا في هذا الأمر وقد جربت بنفسي، فعلى الإنترنت توجد صور توضيحية وحتى مقاطع فيديو والتعلم أسهل كثيرًا. وأيضًا يوجد على الإنترنت ما يعرف بـ«التعليم عن بعد» وهو عبارة عن جامعات افتراضية تقوم بتدريس الطالب عبر الإنترنت، يمكنك أن تستخدم هذه الخدمة وتتعلم ما تريد.

6- اقرأ المجلات الثقافية

المجلة الثقافية هي مجلة شهرية تعنى بكل ما يتعلق بالثقافة والأدب، وهي فرصة رائعة لمتابعة كل ما يجري على الساحة الأدبية. وستجد بأعداد هذه المجلات منشورات أدبية في مختلف أنواع الأدب، ونقدًا أدبيًا، وموضوعات ثقافية تتم مناقشتها، وموادَّ مترجمة، وتحقيقات، وأخبار الثقافة والنشر وغير ذلك من مواد صحفية مثيرة للاهتمام. ويوجد مع كل عدد كتاب هدية. أرشح لك مجلة الثقافة الجديدة التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة، وهناك أيضًا المجلة العربية وهي مجلة تصدر من السعودية. سعر هذه المجلات رخيص على ما بها من فائدة ومميزات أنصح باقتناء أعدادها الشهرية.

7- اقرأ الموسوعات

الموسوعات شيء رائع حقًا يوفر كمًّا كبيرًا من المعرفة في مجال محدد: مثل الشخصيات، والعلوم الطبيعية، والتاريخ، والطعام وثقافات الشعوب، والحيوانات، والزراعة إلى غير ذلك من مجالات وهناك موسوعات شاملة. قراءة الموسوعات تتيح لك معرفة لا تتوفر بهذا الكم في الكتب. هناك أيضًا موسوعات خفيفة تتناول مثلًا تاريخ وتطور الأسلحة أو الملابس أو غير ذلك يمكن الخروج منها بمعلومات جيدة، وأفضل الموسوعات هي تلك المصورة التي ستجد بعنوانها كلمة الموسوعة المصورة (illustrated encyclopedia). أرشح لك الموسوعة العربية العالمية، يمكن تحميلها في صورة PDF.

8- شاهد الأفلام الوثائقية

كما أسلفت ليست الكتب مصدر المعرفة الوحيد. الأفلام الوثائقية ميدان رحب وواسع للمعرفة في شتى المجالات. وتختلف المواد التي نشاهدها باختلاف اهتمامات الشخص. فأنا مثلًا متابع جيد لأفلام الحياة البرية بسبب شغفي بالحيوانات واهتمامي بالطبيعة، هناك أيضًا أفلام عن البيئة والفضاء والتاريخ والأعلام والتكنولوجيا والحضارات القديمة وغير ذلك من الموضوعات. يمكنك مشاهدة الأفلام الوثائقية على قناة National Geographic فهي قناة رائعة تعرض باقة متنوعة من الأفلام الوثائقية. هناك أيضًا مجال أوسع وهو الإنترنت: مثلًا موقع Youtube ستجد به الكثير من الأفلام الوثائقية. أرشح لك أفلام هيئة الإذاعة البريطانية BBC فهي تنتج أفضل الأفلام الوثائقية. أعتقد أن أروع هذه المجالات هي الطبيعة ويجدر بنا جميعًا مشاهدتها فالله سبحانه وتعالى أمرنا بالتأمل في بديع خلقه وما أعظم قدرة الله.

9- تعلم لغة جديدة

إتقان عدة لغات يعد وجهًا آخر من أوجه الثقافة. ولكن علينا أولًا تقوية لغتنا الجميلة اللغة العربية والتركيز عليها وتصحيح الأخطاء الإملائية والنحوية التي تفاقمت وأصبحت كارثة لدى شبابنا، وهذا بالطبع نتيجة سوء مستوى التعليم. ولا يعني تعلم لغة أجنبية أن نفقد هويتنا وننسى لغتنا وهي لغة القرآن التي علينا أن نفخر بها ونتقنها. وكذلك اللغة الثانية يجب تقويتها قبل تعلم لغة جديدة. تعلم اللغة الجديدة ليس الهدف منه التشدق بالكلمات التي تعلمتها من هذه اللغة، ولكن الانفتاح على ثقافة جديدة وهي ثقافة متحدثي هذه اللغة والتمكن من فهم هذه الثقافة واستيعابها ويمكن فعل ذلك بأفضل وسيلة ممكنة وهي قراءة الأدب المكتوب بهذه اللغة.

10- كون وجهة نظر

التوسع في القراءة في الدين والفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع أمر مهم جدًا. ليس لمجرد جمع المعلومات ولكن لتكوين فكرك الشخصي وقناعتك الخاصة. فيجب على المثقف أن تكون له وجهة نظر وطريقة محددة لحل المشكلات وإدارة الدول. أتصور أن الإنسان المثقف يؤمن بطريقة مثالية من وجهة نظره لإدارة الأشياء وبتطبيقها تتحقق اليوتوبيا التي يحلم بها وتصحح الأوضاع الخاطئة. بدون فلسفتك الخاصة لا تكون مثقفًا. أرشح لك عالم المعرفة وهي سلسلة كتب شهرية قيمة جدًا تتناول هذه الموضوعات تصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت.

11- ارتقِ بذوقك

أن تحظى بتقدير للفن الراقي فهذا من أهم سمات المثقف. تعرف على عالم الفنون الراقية، اقرأ عن الفن التشكيلي ليمكن فهمه بمدارسه المختلفة، استمع إلى الموسيقى الكلاسيكية لبيتهوفن أو موزارت. احضر عروض الأوبرا والباليه ومعارض اللوحات. اذهب إلى المتاحف وشاهد المعروضات سواء كانت آثارًا أو تحفًا فنية. تعرف على الديكور وتاريخه وأنماطه (art deco مثلًا) وشاهد تصميمات المبدعين وأعمالهم وكذلك فن المعمار. اذهب إلى المسارح الجادة التي تقدم فكرًا يستحق الاحترام. الطعام أيضًا أحد أوجه الثقافة، فطعام كل دولة هو فن خاص يعبر عن ثقافتها وتقاليدها في طرق تناول الطعام، ومن خلال هذا الطعام ندرك المكونات سواء كانت حقول الخضروات والفاكهة أو مزارع حيوانات تربى على أراضي هذه الدولة. جرب أطعمة من عدة دول مختلفة ولاحظ دعاية كل دولة من هذه الدول لتقاليدها وثقافتها من خلال عرض طعامها للسياح أو في المطاعم التي تفتح في دول أخرى كدعاية لهذه الدولة. إن فهم هذه الفنون هو فهم للتاريخ على نحو خاص، وفهم للحقب التاريخية التي حدث فيها كل هذا التطور في الفنون والملابس والذوق العام في بلاد هؤلاء الفنانين. أما عن فن السينما فأرشح لك السينما الأوروبية مثل الفرنسية والألمانية والإيطالية والإنجليزية فهي في المجمل تقدم فنًا راقيًا وفكرًا يحترم ولكن ليست كل الأعمال التي تقدم على هذا المنوال. عليك أن تنتقي بنفسك ما تشاهده والشخص الناضج فقط يميز الغث من السمين. كل ذلك يجعل المرء تواقًا للراقي من الفنون ومبتعدًا عن كل ما يتصف بالانحطاط والابتذال.

12- كن متحدثًا لبقًا

الإنسان المثقف يجب أن يكون متحدثًا لبقًا ومهذبًا، يتحدث عن معرفة بالأمور ولا يتحدث فيما لا يعرفه. وكذلك المثقف لا يدخل في جدل بيزنطي لا طائل منه لمجرد إثبات أنه على حق ولا يطلق السباب ولا يسلك سلوكًا مسيئًا كالصياح مثلًا لإثبات وجهة نظره. على المثقف أن يكون راقيًا في تعاملاته ويعرف كيف يقنع غيره ويستخدم معرفته بطريقة جيدة. الأشخاص الذين نصطدم بهم من حين لآخر ويتشبثون برأيهم ولا يثقون برأي من يحاورهم ويحركهم التعصب والتطرف والضغائن وضيق الأفق لا علاقة لهم بالثقافة من قريب أو من بعيد.

13- فعل دورك كمثقف

عند هذه النقطة ينتهي الحديث عن سعيك إلى الثقافة ويبدأ عند كونك مثقفًا بالفعل. يجب على المثقف الحقيقي أن يكون لديه وعي بمجتمعه وأن يكون مهمومًا بقضايا وطنه ودينه وثقافته، أن يحاول القيام بدور في مجتمعه حتى لو كان بالحديث مع الآخرين وإيصال أفكاره لهم، أن يحاول البحث عن حلول للمشاكل الكثيرة التي تحيط بنا، وأن يحاول كشف وإصلاح ما هو فاسد. على المثقف أن يكون رافضًا لكل أشكال القهر في المجتمع. كلنا يعلم مدى رداءة التعليم وأثره السيء على الأطفال. يمكنك أن تمارس دورًا عائليًا في هذا الشأن بجمع أطفال عائلتك ومحاولة تثقيفهم بالمواد التي تناسب مراحلهم العمرية، وتعزيز حبهم للقراءة منذ الصغر. هذا الأمر يمثل حماية لهم من الزلل عندما يكبرون ويكسبهم نضجًا وعقلًا راجحًا بمرور السنوات، مجرد مثال.

خاتمة

عزيزي القارئ إذا كنت تعتقد أنني قد بالغت في توقعاتي وجعلت الأمر مثاليًا أكثر من اللازم، حسنًا هذه هي طريقتي في التفكير وربما لا تناسبك. لكن هذا البرنامج هو ما التزمت به طيلة سنوات وبسببه اكتسبت قدرًا كبيرًا من المعرفة. إذا كنت ترى الأمر أصعب مما يمكن الالتزام به وتحقيقه أو يختلف مع قناعاتك، اترك ما لا يناسبك. لكنني أضمن لك أنه الطريق الأسرع لتكون مثقفًا لأنه يفتح أمامك طرقًا كثيرة للثقافة فربما عليك أن تمنح هذا البرنامج فرصة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد