في عالم القرن الواحد والعشرين الذي يتصف بإيقاعه المتسارع وانفتاح مكوناته الكبير على بعضها البعض، لم يعد بالإمكان تجاهل الاحصائيات الكثيرة التي تظهر بوضوح أن الاعتماد على أدوات ووسائل تكوين القادة وتنمية وتطوير المهارات التي اعتدنا اللجوء اليها في القرن الماضي من شأنه أن يعيق تطور موهبة او شخصية القائد الموجودة في عدد غير قليل من اجيال هذا القرن، بل وتذهب بعض الاحصائيات الى ان التقييمات المعروفة مثل معيار الأداء الشخصي وأسلوب (تقييم الأداء 360)، لم تعد ذات موثوقية فعلية فهي لا تنفك تعطي نتائج إيجابية خاطئة لدرجة تجعلنا تظن أحياناً أننا مهيئين لعمل ما أكثر مما نحن عليه فعلياً

الخبيرة (روزلندا تورس) أحد الباحثين المميزين جدا على مستوى العالم في مجال تطوير واعداد القادة ، اجرت دراسة كبيرة تضمنت 4000 شركة حول العالم سلطت فيها الضوء على فعالية برامج تنمية القيادة في داخل هذه المؤسسات ، وخلصت الى الحقيقة الصادمة بأن 58% من هذه المؤسسات تشكو من وجود مشكلة ما في جانب توفر او تبلور المواهب اللازمة للقيام بدور القيادة وهذا معناه أنه بالرغم من برامج التدريب، والتأهيل، والتقييمات، والمهام التعليمية الخاصة، وغيرها من الأدوات التي لا تنفك تقوم بها المؤسسات وتصرف عليها الأموال والاوقات، فإن أكثر من نصف المؤسسات حول العالم تخفق في تطوير قادة عظماء بما يكفي للقيام بالدور المنوط بهم

وسرعان ما تبلورت هذه الحقيقة الى سؤال مهم مفاده: لماذا الفجوات القيادية مستمرة في الاتساع في الوقت الذي يكثر فيه الاستثمار في مجال تنمية المهارات القيادية؟

 لقد عمل العديد من الباحثين مؤخرا لفترات طويلة لمعرفة ما يميز تلك المؤسسات التي نجحت في تقديم قادة لعالم القرن الواحد والعشرين عن غيرها من المؤسسات التي تتبع نفس الأساليب والبرامج ولكنها تعاني من مشكلة الفجوة القيادة التي لا تنفك في الاتساع،

أحد اهم الحلول المقدمة في هذا المجال ما تم التوصل اليه بأنه يمكن تعريف وإثبات مهارات القيادة في القرن الواحد والعشرين عن طريق ثلاث أسئلة يجب اجابتها بالشكل الصحيح

السؤال الأول: بحسب توقعاتك، أين سيحدث التغيير القادم في مسار او طبيعة عملك أو حياتك؟

جواب هذا السؤال موجود عادة في تقويمك ودفتر ملاحظاتك، كيف ومع من تقضي وقتك؟ وما هي المواضيع التي تتحدثون عنها؟ وأين تسافر؟ وماذا تقرأ؟، وبعد ان تستخرج هذه المعلومات وتواجه نفسك بها بصراحة سيكون بإمكانك فهم الفجوات في المهارات التي من المحتمل ان تواجهها مستقبلا، وعند هذه النقطة سيتوجب عليك ان تتخذ قرارا بالأشياء التي يجب ان تقوم بها لسد هذه الفجوات بحيث تكون مستعدا، لان القادة الفعليين في القرن الواحد والعشرين أشخاص ينظرون في كل الزوايا وليس الى ما تحت اقدامهم فقط، ويبادرون الى تشكيل مستقبلهم، ولا يكتفون فقط بالتفاعل معه.

والمؤسسات الناجحة في مجال اعداد وتطوير القادة هي تلك التي تساعد روادها على معرفة التحديات التي تنتظرهم وتجهد في مساعدتهم على سد الفجوات المحتملة مواصفات القائد الذي يحتاجونه

 

السؤال الثاني: ما هو مقدار التنوع في شبكة علاقاتك الشخصية والمهنية؟

كل منا لديه شبكة من الأصدقاء القدامى الطيبين، وأيضا كل منا لديه علاقات مع اشخاص يرتاح لهم. وهناك أيضا أولئك الأشخاص الذين لا نرتاح عادة بالتعامل معهم أو مشاركتهم اهدافنا ومشاريعنا، الى أي حد انت قادر على تطوير علاقة مع الأشخاص الذين يختلفون عنك اختلافات بيولوجية، أو بدنية، أو وظيفية، أو سياسية أو ثقافية أو اجتماعية أو اقتصادية، والذين وبالرغم من كل هذه الاختلافات، فلا زال بالإمكان أن يتواصلوا معك بل وأن يثقوا بك بما فيه الكفاية ليتعاونوا معك من أجل تحقيق هدف مشترك.

يدرك القادة الحقيقيون في القرن الواحد والعشرين أن التنوع في شبكة العلاقات هو مصدر عظيم للحلول اهم بكثير من عدد العلاقات التي تمتلكها في شبكتك، وهذا يرجع الى أنك عندما تتفاعل مع شبكة علاقات غنية بالتنوع فإنك ستكون قادراً على الحصول على إجابات من عقول تفكر بشكل مختلف عنك في مهمة انت اشد ما تكون بحاجة فيها الى الوصول الى حلول من غير النوع الذي تعودت على ممارسته عادة

ولذلك تركز المؤسسات الناجحة قيادياً على تنمية هذه القدرة لدى موظفيها وروادها وتتخذ مواقف حادة من أولئك الذين لا يتمكنون من اثراء التنوع في شبكة علاقاتهم

 

السؤال الثالث: هل أنت شجاع بما فيه الكفاية لكي تتخلى عن الحلول والطرق التي كان لها الفضل في نجاحك في الماضي؟

لا شك ان كل شخصية قيادية استطاعت تحقيق نجاح ما في فترة من مسيرتها، ولكن البعض يلزمون أنفسهم بمبدأ اتباع الطريق الاسهل، ولذلك يستمرون في القيام بما هو مألوف ومريح. بينما في الحقيقة فإن القادة العظام عادة هم من النوع الذي يجرؤ على فعل الشيء المختلف، ويقومون بالمخاطرة فعلا. متسلحين بقدرة عاطفية كبيرة تمكنهم من الصمود أمام العدد الكبير من الاشخاص العاديين الذين سيخبرونهم باستمرار عن سذاجة وتهور بل وحتى غباء أفكارهم وقراراتهم ، ولهذا يجب ان تعلم من الان انك ان كنت قائداً شخصاً قيادياً فعلاً في القرن الواحد والعشرين فإن الأشخاص الذين سينضمون إليك في مشروعك او فكرتك الجديدة (المختلفة) لن يكونوا في الغالب من أولئك الأشخاص الذين يتصلون بك باستمرار او ممن يضغطون زر الاعجاب على منشوراتك في الشبكات الاجتماعية كل يوم، او ممن يرسلون لك الرسائل في الواتساب كل بضع ساعات، ولكن في الغالب سيكونون من الأشخاص الذين يفكرون بطريقة مختلفة عنك على الأقل ولكنهم على استعداد للاشتراك في القيام بشراكة شجاعة معك او مع غيرك للقفز على مشكلة الفجوة القيادية للوصول الى اهداف مشتركة

تلك المؤسسات أو الجماعات التي تفكر بطريقة المجاراة التقليدية او بالطريقة النمطية ولا تتعب نفسها كثيرا في تطوير وتشجيع افرادها على الاقدام على حلول وأفكار خارجة عن المألوف، سيجدون أنفسهم وقد أصبحوا خارج دائرة الفعل بسرعة تتناسب وسرعة إيقاع عالم القرن الواحد والعشرين الذي وصفه المفكر جاسم سلطان مرة فقال: هو عالم تنتقل فيه المعلومة بطرفة عين او بكبسة زر من اقصى الارض الى أقصاها، تلك درجة سرعته ويوما ما كان ذلك يعد من الكرامات

خلاصة القول:

إن المؤسسات التي تنجح فعلا اليوم في  تقديم قادة لعالم القرن الواحد والعشرين، هي تلك التي تقف الى جانب افرادها وروادها في معرفة شغفهم الحقيقي الذين هم على استعداد لمليء أوقاتهم واحاديثهم فيه، وتساعدهم على التسلح بالأدوات والمهارات التي ستلزمهم وتفتح لهم افاق بناء العلاقات الشخصية والمهنية التي سيستثمرونها، وتبني فيهم القدرات العاطفية المتماسكة التي سيعتمدون عليها للثبات على الفكرة، وبهذا يصبح لديهم القدرة ليس لمعرفة وتحليل أحداث الأمس فقط فهذا يستطيعه القادة العاديون وإنما أيضا للتنبؤ بما يجب فعله مع حقائق اليوم، ومع أكثر ما يمكن من احتمالات الغد غير المعروفة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد