الصوفية هي دين الحب، ذلك الحب الذي حار أمره معنا فلم نعد نعرف رأسه من قدميه، لفرط ما وصفناه حتى كأننا من إفراطنا في وصفه جعلناه غامضًا مستعصيًا على الإدراك. ذلك لأن الحب عملٌ قلبي، والشعور القلبي لا يوصف بقدر ما يُعَاش. والصوفية حالة وطريقة، لا علم ومنطق لذا فهي الأخرى تستعصي على الوصف، لذلك كانت أنسب ما تكون كي تكون هي دين الحب.

الصوفية ليست دينًا ولا مذهبًا ولا هي حالة خاصة بدين معين، ولكن الصوفية هي أسلوب حياة يجعل من الله مركزًا، ويجعل من الحب مركزًا، فالله في الصوفية هو الحب، والحب هو الله، وأسلوب الحياة هذا يحمل الكثير من الملامح المميزة التي تعطي الصوفي دليلاً مرنًا؛ ليستطيع أن يعيش وفقه، ليس دليلاً جامدًا قائمًا على قواعد صارمة، ولكنه دليل من المرونة. ما جعل المتصوفين يعتبرون أن تعريف التصوف متعددٌ بتعدد أنفاس الخلائق، ولكن التصوف في النهاية يحمل ملامح مميزة مهما تعددت تعريفاته، وكل هذه الملامح تحمل عاملاً مشتركًا واحدًا هو الحب.

ولقد طال مصطلح الصوفية الكثير من التشويه سواء على يد خصومه أو حتى على يد أتباعه حتى صار من يسمع كلمة الصوفية ممن لم يتعمق في تقصي معناه الحقيقي يظن أن الصوفية خروجٌ على الدين، أو دروشة وغياب عن الحياة الدنيا والعزوف عنها مما يفرض التخلف والجهل. والمسئول عن هذه النظرة أولاً خصومها الذين لم يحاولوا التعمق داخل معانيها، والوقوف على قواعدها العامة دون الاكتفاء بالحكم عليها من تفاصيلها السطحية التي لا تدل على عمقها، وثانيًا المنتسبون إليها والذين قدموا بعض الأمثلة السيئة في تطبيق الصوفية مما أعطى مثالاً مزيفًا جعل البعض يحكم عليها حكمًا خاطئًا.

وأخص بالذكر هنا سوء الفهم الذي نشأ بسبب التداخل بين العقل والقلب في الحكم على الصوفية، لأن أصحاب الدين العقلي المعتمد على قواعد المنطق الصارمة، والذين جعلوا الدين عبارة عن حسابات رياضية جامدة لا روح فيها، وأغرقوه في التفاصيل حتى أصبحت ملامح الدين الأصلية منسية ومختفية خلف قناع التفاصيل والقواعد الصارمة، أقول أن هؤلاء لم يستطيعوا أن يتفهموا بعض العبارات الإشكالية التي أطلقها بعض الصوفيين في حالات الوجد المختلفة. حيث فسرها أصحاب العقل تفسيرًا سطحيًا متعلقًا بالمعاني السطحية للكلمات دون محاولة تأويلها والوقوف على معانيها المقصودة.

ولست هنا في معرض الدفاع عن الصوفية، ولكني أخطو الخطوة الأولى مع من يبحث – من أمثالي – عن أسلوب يرتضيه في حياته؛ لذلك أود في البداية أن أشير إلى أن من يحيا صوفيًا ليس من اللازم أن يُسَمّى صوفيًا، أو أن يتبع طريقة معينة من طرق التصوف، أو أن يكون له شيخٌ يتبعه ويقبل يده، أو أن يكون له وِرْدٌ من الأذكار يتلوها يوميًا وأن يجلس في مجالس الذكر الجماعي (وأعلم أن هذا يخالف ما قال به بعض مشايخ الصوفية من المسلمين)، فهذه الأمور كلها ليست إلا وسائل وضعها أصحابها كي يحاولوا وضع نموذج لمن يريد أن يسلك طريق التصوف، ولكن هذه الوسائل ليست هي الوحيدة في هذا الطريق، وليست هي بالضرورة التصوف.

إنما التصوف هو طريق الحب الذي يسير فيه الصوفي خطوة بخطوة كي يصل في النهاية إلى الحب الكلي، الذي يشمل البشر والمخلوقات الحية والجمادات وكل شيء. إنه أسلوب حياة قائم على الحب، فإن كنت معترضًا على تسميته بالصوفية فأطلق عليه المسمى الذي يروق لك، فالأسماء والشكليات والتفاصيل لا قيمة لها في هذا الطريق، وإنما الأهم هو الأثر والنتيجة.

وأبدأ وصف هذا الطريق مع الخطوة الأولى التي يجب أن يخطوها الصوفي فيه، والتي يمكن وصفها بأنها خطوة الموت قبل الموت، إنها الخطوة التي يبدأ فيها الصوفي الانفصال عن نفسه وتركها، فيعلو فوق ذاته ورغباته ونفسه واحتياجاته (ولا أقصد أن يحرم نفسه من هذه الأمور، ولكن أقصد ألا تكون هذه الأمور هي غايته التي يسعى إليها ويتخذ كل قراراته ويقدم على أفعاله من أجلها).

فبهذه الخطوة يبدأ الصوفي الحقيقي في أن يضع الحب الكلي غاية له؛ فيكون على استعداد أن يضحي بذاته ورغباته واحتياجاته من أجل الحب، فلا يبرر أفعاله وقراراته من أجل رغباته، ولكنه يجعل من ذاته ورغباته واحتياجاته خادمين للحب، فلا يصدر عنه فعل أو يتخذ قرارًا إلا لأجل الحب، وبالتالي تكون الصفة الرئيسية في الصوفي هي صفة الصدق
ولا أعني بالصدق هنا مجرد أن يقول الصوفي الحقيقة، ولكنه يتجاوز ذلك ليتخذ من الصدق منهجًا له يسير به مع كل شيء، وأول ما يبدأ بالصدق معه أن يصدق مع ذاته؛ فيعترف بعيوبه ومثالبه دون أن يجعل ذلك سببًا في كراهيته لنفسه، فالصوفي لا يكره شيئًا، ويصدق مع احتياجاته، فلا يقع في فخ التبرير الذي يجعله يبرر مواقفه وأفعاله حتى لا يعترف بأن هذه المواقف والأفعال لأجل رغباته التي يراها دنيئة أو لا تليق به، أو الخارجة عن الأخلاقيات الكريمة والتي لا يريد الاعتراف بدناءتها، ويحتاج أن يلبسها ثوبًا بريئًا يريح به ضميره.

فعندما يصبح الصدق هو أسلوب حياة الصوفي يستطيع أن يكشف أدق خبايا نفسه، وكلما ازداد تصوفًا ازداد قدرة على كشف دقائق نفسه، فيصبح أكثر قدرة على التعامل معها، وهنا يكتشف أن كل الرغبات والاحتياجات التي تحرق قلبه ونفسه تجعله غير قادر على الحياة، شاكيًا باستمرار من التعاسة والحيرة، فيعلو على هذه الرغبات ولا يصير خادمًا لها؛ فينفتح أمامه الطريق كي يكمل مشواره نحو الحب الكلي.

ففي الصدق يصبح الصوفي ميتًا عن نفسه ذاهلاً عنها، فلا تخدعه ولا تستغله، ويبدأ الصوفي حياة جديدة لا لنفسه الأنانية، ولكن من أجل الحب، فيملأ حياته وحياة من حوله بالحب، الحب الخالص المتخلص من الشروط والاحتياجات، الحب الحر، حب بلا قيود، وبلا رغبات. إنه الحب من أجل الحب، أي من أجل الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد