لم يكن العالم العربي أول من عرف ثورات أدت إلى تهاوي الحكام مثلما تتهاوى أحجار الدومينو، وليس كل الأنظمة المستبدة انتُفض عليها، سواء تاريخيا أو حاليا، حيث يوجد حكام أكثر استبدادا من الذين سقطوا أو في طور السقوط، وقد طغوا أكثر من غيرهم في البلاد، وأكثروا فيها الفساد، ولا زالوا يتربعون فوق كرسي الحكم إلى يومنا هذا، ولعل السبب في ذلك أن المستبد الفرعون نوعان: فرعون يتباهى بفرعونيته، وفرعون آخر يرتدي ثوب الحاكم العادل ويقدم نفسه كزعيم ديموقراطي ، هذا الأخير قد يكون أكثر استبدادا من الأول أو مثله، غير أن ما يميزه هو مظهره الخارجي المحبوب وقناعه الجميل.

وأن ترتدي ثوب الحاكم العادل لا يعني أنك سترفع يدك عن الحكم أيها الحاكم الفرعون، ولا أيضا أنك ستتخلى عن فرعونيتك، بل إنك ستضطر للقيام ببعض التمثيليات فقط، قد لا يروق لك هذا الأمر, لكنه شر لا بد منه لكي لا يقتصر الشعب على الخوف من عذابك الأليم فقط، بل ليحبك ويطيعك ويخاف منك أيضا، ولم لا أن يثق بك.

هذه الطريقة زاولها كثير من الطغاة، ولا زالوا، وقد نزلت عليهم بردا وسلاما, في الوقت الذي اختار أقرانهم من الفراعنة التعنت الصبياني في وجه شعوبهم، وقد دفعوا ثمن ذلك غاليا، فالمستبدون المرتدون جلباب الحاكم الحكيم هم أيضا يركعون الشعوب، ويكبتون الحريات، ويسكتون الأصوات المعارضة، ويلقون بكل مزعج لهم في غياهب السجون، ويستحوذون على الثروات، ويحتكرون الإعلام، ويحكمون بلدانهم بمفردهم، ويضمنون مستقبل أحفاد أحفادهم، ويمتلكون كل شروط ومعايير ومقومات الطغاة, لكن في صورة الحاكم الحكيم.

ولتتمكن من تفادي المظهر الفرعوني, إليك أيها الطاغية المستبد دليلًا مصغرا لعله يساعدك على تبييض وجهك في أعين من تحكمهم:

1- قدم نفسك كحاكم متواضع يحب شعبه

ليس بالضرورة أيها الحاكم أن تقوم بواجبك على أكمل وجه كي تكون فرعونا محبوبا في أعين البعض، وليس من المطلوب أن تقوم به أصلا، يكفي أن تظهر بمظهر المتواضع اللطيف، فمثلا لا تكلف نفسك القيام بمشاريع كبرى في مجال الصحة, والتي من المفروض عليك أن تقوم بها، اقتصر على التكلف بعلاج حالات معدودة على رؤوس الأصابع, وقدمها على أنها بمبادرات إنسانية غير مسبوقة من محض إرادة زعيم متواضع، وفي خروجاتك لا بأس أن تصافح الجماهير, وأن تعبر على حبك لهم، وأن ترفع شعارات يحبها الناس, سواء كانت دينية أو قومية أو غيرها، وعوضا عن أن تقوم بمشاريع اقتصادية مثلا، والتي أيضا من الواجب أن تنجزها، قم بمساعدة بعض المواطنين الفقراء بتوزيع هبات عليهم, مثلما يعطي المحسن الصدقة للمسكين، هكذا ستقدم نفسك كحاكم متواضع طيب في منتهى الإنسانية، ولا بأس أيها الحاكم أن تقوم بخروجات في الشوارع مع عامة الناس, منفردة غير محروسة شكليا, بلباس شعبي متواضع, لتظهر في أعين الناس أنك زعيم لطيف محبوب.

2- عيِّن وزراء ومسؤولين من نوع الكومبارس

الكومبارس في السينما يطلق على الممثل الذي لا أهميةً كبيرةً له في العرض، وقد يكون مواطنا عاديا يُجلب للعب دور سطحي، فوزيرك يجب أن يكون له دور سطحي أيها الحاكم، وأن لا يتمتع بصلاحيات واسعة، وأن لا يكون محله من الإعراب في نظامك سوى مفعول به أو مجرور، أنت من تحكم، أنت من تقرر، أنت من تأمر أيها الزعيم, وأنت من تملي قراراتك على وزرائك ومسؤوليك، ليعلنوها باسمهم وينفذوها لا غير، ودورهم الأساسي هو أن يكونوا بمثابة الدرع الواقي لك، أن يُنتقدوا وأن يوبَّخوا من طرف الشعب في حالة الفشل عوضا عنك، وأن يكونوا بمثابة ستار حاجب لدولتك العميقة، بينما زمام الأمور الجدية يجب أن تكون بين يدك، لكن على المستوى الشكلي، يجب أن يكون للوزراء صلاحيات واسعة واستقلالية تامة، ولا بأس أن يسجل هذا على الورق، أما على أرض الواقع فكلمة الحاكم هي العليا.

3- اختر لك معارضين

الأطفال الرضع, باتوا يعرفون أنه لا وجود لحاكم يحصل على التأييد المطلق، وأنت أيضا أيها الحاكم، لا يمكن أن تحصل على ذلك، فإن سعيت وراءه، فإنك تجري خلف السراب فقط، والحل هو أن تصنع لنفسك معارضين “لايت”، فصِّل معارضين على مقاس هواك، يعارضون فقط في الأمور التي تريدها أن تُعارَض، ويخرسون في القضايا التي تريد أن يُسكت عنها، وأن يعلقوا أخطاءك على وزرائك الكومبارس، ولا بأس أن ينتقدوا أحيانا بعض الأمور فيك, شرط أن تكون من السطحيات، بهذا ستتمكن من ارتداء بدلة الزعيم الديموقراطي, الذي يتقبل الانتقادات ولا يخرِس صوت معارضيه.

4- عاقب المفسدين

عندما أطلب منك أيها الحاكم أن تعاقب المفسدين، فأنا لن أحملك ما لا طاقة لك به، فالمفسد نوعان: مفسد قوي وآخر ضعيف، فعليك فقط أن تحارب المفسدين الصغار, وأن تطبق عليهم القوانين والعقوبات، في إطار أنك تحارب الفساد، أما زعماء المافيات الكبرى فحاول أن تشتري ودهم، هم ليسوا مثل الصغار حقيقة، لأنهم لن ينتظروا منك أن تبتعد عنهم فحسب، بل يجب عليك أن تقوم بمساندتهم ودعمهم, ولم لا تتقرب منهم بتقريبهم منك!

5- أحرق النخب

من الطبيعي أن يظهر في الساحة الوطنية كفاءات ونخب مؤثرة، قد تخطف الشعبية منك، وتجعل نفسها محبوبة أكثر منك، وللتخلص منها قم بحرقها سياسيا، أنا طبعا لا أقصد هنا أن تضرم النيران على أجسادها، لا، بل قم بتعيينها في مناصب لا صلاحيات لها، حملها ما لا طاقة لها، ورطها شر ورطة، واعمل على إفشالها، وأقنع الجماهير على أنها نخب فاشلة، ثم ارم بها في مزبلة التاريخ، وأعد نفس الشيء مع النخب القادمة.

6- اجعل نفسك «بطلا منقذا»

عندما تنتهي من حرق النخب، سواء كانت من وزرائك أو مسؤوليك أو معارضيك، اصنع مشكلا، وقدم له الحل، وقدم نفسك على أنك أنت الحل الوحيد في البلد، ولولا أنت لتوقفت الحياة في البلد، اجعل من نفسك بطلا مخلصا، حتى لو لم تقم بإنجازات تذكر، لا بأس أيها الحاكم أن تذكر الناس ببعض الضروريات البديهية, وتصورها لهم على أنها إنجازات خيالية، حاول مثلا أن توهم الناس بخطر يهدد أمنهم واستقرار بلدهم لينسوا مطالبهم وحرياتهم, وليهتموا فقط بالأمن والاستقرار, ويصدقوا الأمر على أنه إنجاز عظيم, بينما في الحقيقة هو أمر بديهي جدا ، ولا تنسَ أن توهم الناس بوجود مؤامرات خارجية هدفها تخريب البلاد, وأنك الأول والوحيد الذي يتصدى لها، لتكون أنت الأمل الوحيد فقط في أعين الجماهير.

و في الأخير لا بد أن أذكرك أيها الحاكم، أن هذا الدليل لن يغير من طغيانك شيئا، بل ولن يضمن لك حتى النجاح. 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد