أشعر أنك أخس من تجار المخدرات؛ فأنت توفر مخدرات عاطفية للقراء وتمنعهم عن التقدم وقراءة ما يثقفهم حقًا

مقدمة:

هذا مقال ساخر يتناول الحالة البائسة التي آلت إليها الثقافة والأدب العربي، لا يقصد بهذا المقال السخرية من القراء على الإطلاق، بل إن الغرض منه هو تحذير القراء من الفخ الذي يسقطون فيه وتوجيههم لقراءة الأدب الجيد. أصبحت الكتابة مهنة من لا مهنة له، وساعدت شبكات التواصل الاجتماعي في استفحال هذه الأزمة. أتريد أن تسير في القطيع وتصبح كاتبًا آخر من ضمن الآلاف بلا لغة أو موهبة، هذا أمر سهل تمامًا. تابع هذا المقال وستجد الخطوات الواجب اتباعها.

الخطوة الأولى: إنشاء صفحة على الفيس بوك (الساعة 1)

أرى أنك ترغب فعليًّا في ممارسة الكتابة، حسنًا الأمر بسيط. لا تحاول القراءة أو تقوية لغتك، لا فائدة من هذا. فقط أنشئ حسابًا جديدًا على الفيس بوك أو صفحة، كلاهما يفيدان نفس الأمر. احرص على ملء صفحتك بأي هراء تكتبه، شعرًا كان أو قصصًا، لا يهم ماذا يعني أو من أين جئت به، يمكنك أن تسرق أي محتوى من على الإنترنت أو تكتب بنفسك. المهم أن تضيف لما تكتبه بعض التحابيش، قصة رومانسية مثلًا أو رعب، احرص على جذب المراهقين بما تكتب.

الخطوة الثانية: الدعاية لحسابك أو صفحتك (الساعة 4)

حاول الإعلان لنفسك، اشتر إعلانات الفيس بوك إذا كنت تستطيع تحمل تكلفتها. وإذا لم تستطع فضع رابط صفحتك في كل مكان على الفيس بوك، وأضف أصدقاءك إليها. حاول جمع أكبر عدد متابعين أو إعجاب بصفحتك بقدر الإمكان، استمر في ذلك.

الخطوة الثالثة: كتابة رواية (الساعة 10)

بعد أن أصبح لديك أعداد كبيرة من المتابعين، افعل الآن ما يفعله كل من هب ودب، اكتب رواية. يمكنك فعل ذلك سواء بكتابة رواية رومانسية أو رعب، لا تهم اللغة أو الموهبة فهذا أمر غير ضروري على كل حال. فقط احرص على ملء روايتك التافهة بالتحابيش، مثلاً بعض اقتباسات المحن المصطنعة، أو بعض الرعب لترضي عشاق التسالي والمخدرات العاطفية. لا تنس أن تختار لروايتك عنوانًا غامضًا، أو عنوانًا يتضح منه أنها رواية رومانسية أو رعب، وغلافًا غرائبيًّا يجذب الأنظار. في أيامنا هذه لا يهم محتوى الرواية، كل ما يهم هو عنوانها وصورة غلافها. أعلن عن روايتك هذه بنفس طريقة الدعاية السابقة، اعرض مقتطفات من روايتك التافهة في المجموعات الثقافية، حريصًا كل الحرص على توضيح ما بها من محن أو رعب. وستجد القراء يتجمعون على روايتك مثل النمل على مكعب سكر.

الخطوة الرابعة: نشر الرواية (الساعة 16)

ما إن انتهيت من روايتك وأعلنت عنها، اذهب إلى إحدى دور النشر. سيطلبون منك أن تتحمل تكلفة طبع وتوزيع الرواية، احرص على إبلاغهم بعدد متابعيك الضخم وشهرتك التي طغت على الآفاق، وستجدهم متحمسين لنشرها على تكلفتهم.

الخطوة الخامسة: توقيع الرواية (الساعة 23)

ها قد أصبت هدفك، احتفل. اذهب إلى أي معرض كتاب وتوجه إلى جناح دار النشر التي نشرت روايتك اللوذعية. التقط الصور مع معجبيك ووقع روايتك لكل من يرغب. احرص على جذب أكبر عدد ممكن من زوار المعرض فربما توزع روايتك آلاف النسخ في أيام المعرض فقط. ماذا يمكنني أن أقول إنها أرزاق.

الخطوة السادسة: احتفل (الساعة 24)

إذا كنت قد فعلت ما نصحتك به فأنت الآن من المشاهير. لقد نجحت وأصبت هدفك، احتفل مع جمهورك بالرواية. لا تنس أن تهاجم كل من انتقد روايتك وتحاول إثبات جودتها. لا يمكن أن يثنيك النقد وكشف حقيقتك بوصفك كاتبًا مفلسًا عن المضي في طريقك باعتبارك أديبًا عظيمًا وناجحًا، لا تدع أعداء النجاح يكدرون صفوك. استمر في قول هذا لنفسك طوال الوقت: هم ينقدون الرواية لأنهم يتمنون أن يكونوا هم من كتبها. استمر على هذا المنوال، اكتب هراءك وانشره، روايتك هي إوزتك الذهبية النفيسة. أشعر أنك أخس من تجار المخدرات فأنت توفر مخدرات عاطفية للقراء وتمنعهم عن التقدم وقراءة ما يثقفهم حقًا، ولكن لا تجعل هذا يمنعك من الاستمرار في طريقك. في نقطة ما من المستقبل ستتساوى مع نجيب محفوظ وطه حسين والعقاد ويوسف السباعي، إن كنت قد سمعت عنهم أصلًا، أليس هذا رائعًا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدب, ثقافة, كتابة
عرض التعليقات
تحميل المزيد