وصفة على الطريقة الصينية
تبدو معادلة غريبة، لكنها تحققت في أكثر من دولة حول العالم، ولا أكتب هنا عن الدول الفقيرة، وإنما عن الدول القوية التي تحكم هذا العالم وتسيطر عليه. ولأنني أدور في فلك الصين بشكل ما، وذلك بحكم دراستي للغة، وبعدها نما شغفي بالدولة وسياستها وتاريخها وأسلوبها في قيادة أكثر من مليار مواطن إلى كلمة واحدة وطريق واحد، كيف لهذه الحكومة أن تحقق هذا؟
اللافت للنظر، أنني لم ألتق بصيني يتهكم على بلده أو ينكر انتماءه وحبه لها، ويبغض أن يسمع منك أي نقد، ولو كان صادقًا، عن الصين، ولا أدري هل أعد ذلك وطنية وحبًا صادقًا أم انصياعًا للدولة وتسليمًا لها.
أذكر جيدًا حوارًا دار بيني وبين صديق صيني، وحوارًا مماثلًا تمامًا لكن كان مع صديقة مصرية. وعلى الرغم من اختلافهما من الناحية الثقافية والفكرية، بالإضافة لاختلاف مستوى المعيشة وظروف حياة كل منهما إلا أن كليهما اتفقا على رأي واحد، وهو لو كان رئيس الدولة وحكومته قادرة على قيادة البلاد على الوجه الصحيح، ما الداعي إذًا للتذمر من حقوق الإنسان المهدرة في الصين، وما الداعي أيضا للخروج في مظاهرات أو المطالبة بتغيير هذا الرئيس، وهنا أكد صديقي الصيني أنه لا يمانع أبدًا أن يكون شي جين بينغ، الرئيس الصيني، رئيسًا دائمًا للبلاد؛ لأنه استطاع أن يثبت جدارته. بينما أكدت صديقتي المصرية أن الصينيين لا بد وأنهم لا يحملون في قلوبهم أي شكوى.
ذكرني هذا بعهد ثورة ٢٥ يناير، كان هناك فئة تناصر بقاء مبارك، وتتعجب من المطالبة برحيله. كانت ترى أنه طالما يضمن للشعب حياة كريمة وآمنة، على حد اعتقادهم، لم نطالب أن يرحل؟ ولا أدري ما مفهوم الأمن والكرامة عند هؤلاء؟
نعود للصين الشعبية، يتمتع الصينيون بولاء وانتماء شديد لبلادهم، وظهر لي ذلك من مواقف عدة.

اذكروا محاسن أوطانكم

التقيت بأستاذة صينية، تعمل في مصر، درست لي على مدار ٦ أشهر تقريبًا. وفي إحدى المرات، ذكرت لنا ملاحظة أدركتها من حياتها في مصر، وهي أن المصري شكاء، وكثير السب والتهكم في بلده، وهذا أثار دهشتها بالطبع، فطبيعتها الصينية التي لا تعرف إلا الانتماء جعلتها تحثنا على التوقف عن ذلك وأن ننهمك في العمل الجاد وسنرى أثر ذلك في وقت قصير.

قل لم يحدث ولو كان حدث

كنت أكتب خبرًا عن إحدى قضايا الفساد في البرلمان الصيني، وأردت أن أطلع على الرأي العام في الشارع الصيني تجاه القضية، فسألت صديقة صينية عن الأمر. فوجئت أنها لا تعلم شيئًا عن الخبر. فتحت مواقع التواصل الاجتماعي الصينية، فلم أهتدي لأي سبيل. كنت أظن أن الأمر هناك لا يختلف عنه هنا، وأن مواقع التواصل الاجتماعي تزدحم بالنقاش عن الخبر نفسه، لكن الحقيقة أن الحكومة الصينية لا تعطي هذه الفرصة لمواطنيها.

سياسة «من قال أعلم فقد أفتى»

كانت محاضرة عن السلطات التشريعية وطريقة انتخاب الرئيس الصيني في إحدى الجامعات الصينية، وحينها قالت الأستاذة إن اختيار الرئيس يتم بالاقتراع بين نواب الشعب. سألتها: وماذا عن رأي الشعب نفسه؟ لاحظت انزاعجها من سؤالي، ووجدتها تتحدث بلهجة تدافع وتبرر لدولتها، وكأني وجهت لها اتهامًا. وكان جوابها أن أفراد الشعب العاديين لا يفقهون شيئًا في السياسة بقدر ما يفقهه نواب الشعب، وأن النواب يعلمون جيدًا الأصلح للشعب الصيني. وأضافت أن تعداد الصينيين كبير جدًا، ويحتاج لتنظيم شديد الدقة لإتمام الانتخابات على الوجه الأكمل، وهذا قد يكون مضيعًا لوقت ثمين يمكنهم استغلاله في العمل والكد.

«أدعي على ابني وأكره اللي يقول آمين»

أثار أستاذ برازيلي يدرس اللغة البرتغالية بالجامعة نفسها التي كنت أدرس فيها، أثار نقاشًا جدليًّا عن بعض العادات المنتشرة في المجتمع الصيني، والتي لا بد أن يتجنبوها إذا انتقلوا إلى البرازيل في المستقبل. وكانت هذه العادات هي إصدار صوت أثناء مضغ الطعام، والبصق على الأرض وغيرها. الغريب أنه على الرغم من كون هاتين العادتين لا يمثلان للصينيين أية مشكلة، لكن راح الطلاب ينكرون أنهما من العادات الصينية، وأن البعض فقط من يقوم بها. ولكن أنا على مدار اختلاطي بالصينيين في السنوات الأربعة الماضية، أستطيع أن أؤكد أن الغالبية العظمى ينطبق عليها ما أنكره الطلاب.
ويمكن أن نرى هذا في أي نقد توجهه للمجتمع الصيني، حتى وإن لم يكن نقدًا مباشرًا. وفي مقال نشر في موقع «إنسايد هايرد»، حكت فيه طالبة في درجة الدكتوراة في جامعة كاليفورنيا، إن الطلاب الصينيين ينزعجون أشد الانزعاج من أي نقاشات يتخللها نقد لدولتهم، وإذا سألهم زملاؤوهم الأمريكيون عن غياب الديمقراطية في أوطانهم، تجدهم ينكرون وجود المشكلة من الأساس.
وإن كنت أحمل في نفسي بعض التحفظات على سياسة الصين، لكن لا أجرؤ على إنكار تميزها، وأن الحياة هناك تجعلك سعيدًا بشكل ما.
لن أكتب عن الإنجازات العلمية والعسكرية والاقتصادية التي حققتها الصين وتحققها وستحققها في المستقبل القريب، لكن أود أن أكتب عن عناصر تملسها في حياتك اليومية وتشعر بها.

الكنز الأكبر TaoBao

تطبيق للتسوق الإلكتروني، وربما عددته كنزًا لأنني فتاة، لكن هو بشهادة النساء والرجال معًا كنز حقيقي. تاوباو تجد عليه كل ما يخطر ببالك، وبأقل الأسعار وبجودة عالية، ويصلك المنتج تمامًا كما تراه في الصورة.

الإجابة دائمًا على هاتفك

في الصين، يكفي أن تحمل هاتفًا متصلًا بحسابك البنكي، حينئذ لا تحتاج لنقود على الإطلاق.
تستطيع أن تدفع في أي مكان، وأنا أعنيها جيدًّا، عن طريق هاتفك المحمول المتصل بحسابك البنكي، إما عن طريق تطبيق ويتشات أو تطبيق ألي باي، التابعة لمجموعة علي بابا. والمدهش أن جميع الأماكن توفر لك الدفع عبر المحمول، حتى الباعة المتجولين لديهم هذه الخدمة.

المواصلات

لا أدري هل المواصلات في الصين ميسرة فعلا أم أنني أرى ذلك بعين مواطنة مصرية تفتقر بلادها لمواصلات وطرق آدمية.
أعتقد أن المواصلات في الصين يسيرة جدًا، حتى في طرق دفع تذكرة الحافلات العامة والمترو، فهذه أيضًا يتكفل بها هاتفك المحمول.

الدراجة التشاركية

يمكن أن تلتقط عيناك دراجة في أي مكان توجه نظرها إليه. مشروع الدراجة التشاركية حقق نجاحًا مزهلًا في الصين وفي دول أخرى حول العالم، وذلك أيضًا على محمولك.
تستطيع أن تستخدم دراجة تشاركية مقابل أجر ضئيل لكل رحلة؛ حيث يمكن للناس أن يركبوا الدراجة في رحلة سريعة إلى مترو الأنفاق أو المتجر ثم يتركوا الدراجة في الخارج دون مشقة العثور على مكان لوقوف الدراجات.

بيئة آمنة جدًّا

الصين، وبشهادة تقارير الأمم المتحدة، بلد آمن خاصة للنساء، لا سيما مدينة شانغهاي. وعلى الرغم من وجود حالات من السرقة والتحرش وغيرها، لكن تظل الصين في نظري بلد آمن جدًا.

لكن لا تنسى

ستكون حياتك صعبة بعض الشيء إن لم تكن تجيد التحدث بالصينية؛ فالصينيون لا يجيدون الإنجليزية إلا قليلًا منهم.
وستشعر بالضجر سريعًا إن لم تندمج في أجواء هذا الكوكب الفريد المنغلق. الصين لا تحمل في زواياها إلا كل ما يعبر عن ثقافة هذا البلد؛ فكل شيء حولك ينطق بها ويحكي عنها، وقد تجد نفسك بالوقت يتحول جزء منك لنسخة مصغرة لهذا المكان
والحقيقة أن على الرغم من سياسة الصين الاستبدادية، إلا أنها علمت كيف تدور اللعبة لحسابها، وأظن أنها ربحت بجدارة. الصين تكمم الأفواه، وتجبر مواطنيها على استخدام تطبيقات معينة وتحظر استخدام تطبيقات أخرى، وتراقب مواقع التواصل الاجتماعي، وتضع أعينها في كل مكان، وتنادي بديمقراطية تسن هي قوانينها، أي أنها ديمقراطية بمذاق الحزب الشيوعي، لكن لن تشعر أبدًا أنك منزعج رغم كل ذلك. فعلى الرغم من الدراسات من مركز جالوب وفوربس وتقارير مجلة الإيكونميست، التي تؤكد جميعها تراجع الصين في صفوف الدول الأكثر سعادة في العالم، لكنك لن تسمع ذلك من الصينيين أنفسهم، وهنا تحقق الصين معادلة أن تخون زوجتك وتسعدها وتجعلها تراك زوجًا مثاليًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد