بعد الضجة الكبيرة التي أثارها الرئيس الفرنسي، ايمانويل ماكرون، عقب تصريحه الأخير حول الحفاظ على حرية التعبير ـ على حد قوله ­ـ وقراره حول مواصلة السخرية الكاريكاتورية، تحت ذريعة الحرية. هذا التصريح أسال الكثير من الحبر، وأثار حفيظة الكثير من المسلمين وغير المسلمين في العالم، وهذا ما سبب ظهور بعض الحملات التي تدعو إلى مقاطعة المنتجات الفرنسية بكل أنواعها ابتداء من السيارات وصولًا إلى كل المنتجات الغذائية.

السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح في هذه القضية، هل نستطيع بمقاطعتنا هذه أن نجبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرونش على التراجع عن قراره والاعتذار لما يقارب مليارين من المسلمين في العالم؟

والسؤال الثاني يتمثل في كيفية المقاطعة الصحيحة التي يجب علينا تطبيقها لكي نضر باقتصاد فرنسا وندفع ماكرون للعدول عن قراره.

يمكن لهذه المقاطعة الصغيرة أن تجعل الرئيس الفرنسي مترددًا في قراره، بل ستجبره على إعادة التفكير فيما قاله، لكنها لن تكون بالكافية، لأن الدول الإسلامية، بوصفها دولًا استهلاكية، ربما ستتسبب بالضرر لنفسها أكثر مما ستتكبده فرنسا من خسائر اقتصادية.

لهذا نقول بأن المقاطعة الاستيرادية ستكون مفيدة على الزمن القصير، لكنها لن تكون مفيدة على المدى الطويل، لذلك يجب علينا كمسلمين، ودفاعًا عن رسولنا الكريم، أن نمارس سياسة المقاطعة التصديرية.

فرنسا اليوم، برغم اختلافاتها الهوية، استطاعت أن تستغل ذلك في صالح الدولة والجمهورية، ووفقت في ذلك كثيرًا، وأبسط مثال على هذا النجاح، هو فوز فرنسا بكأس العالم، بجملة من اللاعبين الأفارقة. لذلك أول خطوة يجب أن نخطوها، هي أن نقاطع مصادرتنا لكل العقول، والمواهب التي نمنحها للدولة الفرنسية كل مرة.

الخطوة الثانية، والتي يجب اتخاذها، بل أصر على تطبيقها، هي مقاطعتنا لإمداد فرنسا بالبترول والغاز. فرنسا وبسبب سياستها الاستعمارية، هي اليوم تنهب كل الثروات الموجودة في أفريقيا، وحتى في الجانب الآدمي الإنساني، لذلك فان هذه المقاطعة، ستجعل من الدولة الفرنسية ذليلة أمام الدول الإسلامية، باعتبار أن هذه الدول، تتميز بثرواتها الباطنية.

المقاطعة الفكرية واللغوية، لطالما كانت السلطات اللغوية الفرنسية، مهتمة بانتشار لغتها وثقافتها، وهذا ما ظهر في عدة مجالات، خاصة بعد تصدر اللغة الانجليزية للمشهد العالمي، وجد الفرنسيون أنفسهم مجبرين على تطبيق بعض السياسات اللغوية، قصد استرجاع بعض السيادة اللغوية.

مقاطعة اللغة، والحد من استعمالها، سيجعل من الدولة الفرنسية، دولة بسيطة لا حول لها ولا قوة، دولة من الخواء، لا نمنح لها أي تركيبة اجتماعية فعالة، من دون بترول وغاز، ومن دون لغة.

الملاحظ للموضوع سيجد أن الدولة الفرنسية، لم تكن لتكون دولة قوية، إلا بفضل الامتيازات التي منحت لها من طرف الدول الإسلامية والدول العربية، فنحن من نمدها بالبترول، ونحن من ندفع أدمغتنا إلى الهجرة نحوها ونحن من نستعمل لغتها ونفتخر بها.

أما فيما يتعلق بحرية التعبير، فلا أظن أن المطلق وجد لكي يكون في الحرية خصوصًا، فهذا الموضوع بالذات يطرح العديد من التساؤلات في الأوساط الفكرية، لكن ما يتفق عليه هؤلاء المفكرون هو أن الحرية يجب أن تكون في الإطار الذي يسمح لك بفعل كل ما تريده ما دمت لا تسبب الضرر لأحدهم، لكن هؤلاء المهرجين، ولا أستطيع أن أصفهم بالفنانين، يستغلون كل أقلامهم لسب الرسول الكريم والسخرية من الدين الإسلامي تحت غطاء حرية التعبير.

أما المقاطعة الكبرى فتكمن في نهوضنا من هذا السبات الفكري العقلي الذي تعيشه الدول الإسلامية لسوء الحظ. تطورنا وتحضرنا واكتفاؤنا الذاتي وتلاحمنا، باعتبارنا دولا إسلامية، تسعى لحماية مقدساتها، سيجعل من فرنسا، وكل الدول الأوروبية تحسب ألف حساب للدول الإسلامية، ولا تستغل كل مرة هذا اللغط والتهويل الإعلامي، للتعتيم على قراراتها السياسية.

دولة مثل الصين، تعرف اليوم باسم العملاق النائم، وهذا بسبب التركية الخلقية التي بتشاركها الصينيون، لذلك فالمعنى الحقيقي لكلمة النائم هي عيونهم الجد مغلقة، أما في الجانب الأخر، فكلمة العملاق النائم تنطبق حرفيًّا  على الدول الإسلامية والعربية، فهم يمتلكون من الثروات والقدرات والكفاءات ما يسمح لهم بتسيد العالم مرة أخرى، لكن دون جدوى، بقيت هذه الدول، تحت رحمة المستعمر، محققة بذلك، ذلك المصطلح العظيم الذي سكه العلامة والمفكر مالك بن نبي «»القابلية للاستعمار».

والله أعلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد