منذ أيام صادفنى موقف صغير فتح باب ذكريات الطفولة على مصراعيه، رأيت فتاة صغيرة ذكرتني بأحب الأصدقاء إلى قلبي ووجدتني أشعر بسعادة عجيبة من ذلك النوع الذي لا سبب له ولكنه يشرق القلب ويلصق ابتسامة واسعة على شفتيك بغراء سحري، دائما كنت أفكر أن الابتسامة يمكن صنعها لتتغلب على أفكارك المهمومة ولا تبعد الناس عنك، ولكن هيهات ما بين جمال ابتسامة كنبتة الصبار تشق وجهك الصخري وتتغلب على مصاعب الصحراء وقلة الماء٬ وما بين وردة تنبت من قلب سعيد وتربة خصبة مليئة بالذكريات، هو الفارق ما بين المغالبة والطبيعة، وقد ربطت هذا بشيء رأيته من فترة وأثار أسئلة بداخلي.

كان إعلانًا لمنتج «بوندس» (وشك مش خشب) والذي أتى بنساء ناجحات قويات وطلب منهن أن (يركبوا الوش الخشب) أثناء عرض شريط فيديو يخصهن، لم تستطع أي منهن كتم ضحكة فجائية أثناء عرض لقطة ذكرى غير متوقعة، وظلت أقواهن متماسكة لكنها بكت في النهاية، جميعهن اتفقن أنهن بذلن مجهودًا نفسيًّا أصعب بكثير أثناء محاولتهن الاحتفاظ بوجه بارد غير مبالٍ، هذا الشعور يأتيني حينما أهم بكتابة مقال، ربما أكتبه بشكل كامل في عقلي لكن أحيانًا أتسمر برهبة أمام الصفحة البيضاء، وكأن حائطًا أسود ارتفع فجأة مانعًا الأفكار والشعور الحقيقي من الانسياب وتحول الأمر إلى مراقبة للكلمات بدلا من إطلاق سراحها، حينما أفعل ذلك أكون في أسوأ حالاتي الكتابية وربما أمكث أياما ألف وأدور حول المقال ولا أكتبه، هذه ظاهرة معروفة في الكتاب تسمى (Mental Block) وقد تستمر عند بعضهم سنوات طويلة وليس مجرد أيام. في مقال قرأته وجدوا أن أفضل علاج لها هو الكتابة اليومية، أبحث عن فرص للكتابة حتى لو كانت للآخرين المهم أن تعتاد على سكب الكلمات على الورق، بمعنى آخر حارب الكسل والخوف حتى يتحول فعل الكتابة إلى طبيعة لديك.

الوجه الخشب

وبالمثل لو مارست السباحة لأول مرة في مكان عميق ستجد أنك تغرق كالصخرة، رغم أن الطفو على الماء فعل سهل جدا مثل الوقوف على الأرض، في بداية تعلمي السباحة كنت أراقب فتيات الباليه المائي شاعرة بالبهجة والإحباط في ذات الوقت، سؤالي لم يكن كيف يرقصون وترتفع أرجلهم فوق الماء ويتحملون كل هذا الوقت بلا نفس، كان مصدر عجبي كيف يطفون فوق الماء بتلك السهولة، ثم أخذت أبحث عن فيديوهات تعليمية للسباحة فوجدت أن من يغرق غالبا هو الذي يحارب الماء، كلما كانت أفعالك متشنجة وضربات ساقيك متوترة سريعة كلما دفنك الماء أكثر، أدركت بمرور الوقت أنك حينما تحب الماء وترخي ذراعيك وكتفك فستعوم كالسمكة، لا تزيد السباحة عن المشي سوى أنها تعيد اكتشاف جسدك بطريقة جديدة، قوة احتمال رئتيك وأقصى حد يمكن أن تمتد له أصابع قدمك وبالطبع اكتشاف عضلات خفية في ساقك لم تعرف بوجودها أصلًا، كي تصل لتلك المرحلة من فهم طبيعتك لابد أن تمر بمحاولات كثيرة من مغالبة الخوف وقلة الصبر.

الوجه الخشب

الأطفال هم أذكى المخلوقات في التعامل مع مشاعرهم، حينما يتعرضون لموقف محرج تجدهم تلقائيًّا يفرون بأعينهم بعيدًا، وكأنهم يدركون بفطرتهم أنه مهما أظهروا من برود ولا مبالاة فإن مشاعرهم ستظهر من خلال تلك النافذة الصغيرة. الطفل يملك قوة نفسية كبيرة جدا وهي أنه لا يسجن مشاعره أبدًا، يملأ الأفق صراخا لو أراد شيئًا ويركل صديقه لو اغتاظ منه، ولكن الأطفال ينقصهم شيء وهو أن أفكارهم غير ناضجة، لن أقول مشاعرهم أو التعبير عنها ولكن معالجة أفكارهم ذاتها، وهذه هي النقطة الفاصلة ما بين صغير يتصرف برعونة وبين بالغ ينضج ويتطور كإنسان.

منذ زمن طويل وأنا أسمع وصية النبي عليه الصلاة والسلام (لا تغضب)، وقتها كنت أفسر ذلك على أنه طاقة نفسية هائلة في احتواء عاصفة الغضب وإغلاق الباب عليها، لكن العواصف لو لم تخرج فإن قوتها التدميرية تعمل في الداخل، ستتطاير الأفكار السلبية بداخلك وتملأ المكان حتى يصبح ذلك الموقف التافه سببًا لتعب أعصابك باقي اليوم، وجدت أنني فشلت في كل المرات التي حاولت فيها كتم الغضب بذلك الفهم السطحي للوصية وقلت ربما يصل لهذه المرحلة العارفين بالله الذي يملكون من قوة النور في قلوبهم ما يجعلهم يهدأون، ثم سمعت مرة تفسيرًا أضاء لي الأمر كله، كانت مذيعة تناقش دكتورًا نفسيًّا فسألته (أليس دفن المشاعر يمكن أن يراكم الكراهية والسخط)، فقال (هذا صحيح، لذلك أقول لا تغضب، يعني لا تصل أفكارك أصلا للمرحلة التي تسبب الغضب، يمكنك أن توجد تفسيرات بديلة كأن تفكر أن الرجل المستفز هذا مرهق نفسيًّا، أو عنده نقطة ضعف يحاول إخفاءها بمزيد من التبجح والاستفزاز، إلى أن تصل أنك لا تهتم بما يقوله مهما كان قاسيًا)، بالفعل طبقت هذا الأمر أكثر من مرة فوجدت أن بالونة الغضب خمدت في دقيقة ونسيت الموقف كله بعدها، وكأنك دخلت القلب ونظفته وعطرت جوانبه فهدأ، لا أستطيع أن أصف لك مدى سعادتي وعجبي بهذا الفهم.

قس هذا على باقي المشاعر التي تدفنها بالقوة وتبذل مجهودًا خرافيًّا كي لا يدركها أحد، المشاعر ليست عدوتك بل هي وسيلة التعبير عن أفكارك فعليا، فالحل أن تذهب للسجن وتطلق سراح مشاعرك فورًا ثم عد لتلك الحجرة التي تتصارع فيها أفكارك، يمكنك أن تأتي بكلب ينبح فيها بصوت عالٍ كي تهمد قليلًا، ولكنك غالبًا ستجد الكلب مكممًا ومربوطا إلى شجرة عند أول لحظة سرحان، ويمكنك أن تناقشها بالحجة والمنطق مرارًا حتى تتغير، لكي أطبق الحل الثاني احتجت الكثير من الصبر والكلام مع النفس بصوت عالٍ في السيارة وفي الشارع وأمام المرآة، وكانت الأفكار السلبية تعود وبقوة وكأني لم أقنعها بشيء، ولكن كلما عادت ازددت بحثًا عن أسباب منطقية مقنعة كي تتغير جذريًّا، في تلك العملية ستشعر وكأن عقلك يُعاد تشكيله من جديد لكن تلك المرة كي تكون ما (اخترت) أن تكونه فعلًا.

(هل نحن أسرى جيناتنا؟) من الأفلام التي لعبت دورًا كبيرًا في تغيير مفهومي لهذه الفكرة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد