النجاح في إقناع جمهور المستمعين بصوابية رأي أو موقف ما يتوقف على المهارة في عرض هذا الرأي أو الموقف، لذلك أصبحت مهارة الخطابة والإلقاء من المهارات الأساسية، والتي تميز صاحبها وتدعمه بصوره كبيرة حتى يوصل رسالته للناس ويحقق التأثير الذي يأمل به.

الخطابة أساسها هو القدرة على التعبير بكل الأدوات المتاحة لديك، هذا وتكمن أهمية فن الخطابة في التعبير عن الأفكار والنفس، والاتصال المباشر مع الناس؛ مما يساعد على إقناع الحضور، كما تساهم في تحفيز التفكير الإبداعي؛ لأن الحديث المؤثر مرتبط جدًا بالإبداع، وبالتالي فإن المحاولة الدائمة لإيجاد أفكار جديدة تعبر فيها عن رسالتك سوف تحفز إبداعك في مجالات حياتك الأخرى، كما أنها تشكل جزءًا أساسيًا من مهارات القيادة؛ لأن القائد الناجح يحتاج في أوقات كثيرة أن يحفز فريقه ويدعمهم ويوجههم عن طريق خطاباته، حيث سوف يثق الفريق في القائد عندما يكون هو الممثل والمتحدث الأفضل عنهم، وهذا لأن الناس لن يقتنعوا فقط بقول المتحدث، بل أيضًا بكيفية هذا الحديث، وهل الشخص واثق في فكرته أم لا؛ مما يساهم في تكوين صورة أكثر مصداقية عن الشخص؛ لأنه من الصعب جدًا أن يقتنع أحد بكلام شخص يبدو عليه التوتر والتردد.

كم من مرة طلب منك أن تقدم أفكارك أمام عدد كبير من الناس؟ كم مرة وكل إليك مديرك مهمة عرض تقرير العمل في اجتماع؟ كم مرة وجدت صعوبة في عرض أفكارك ورؤيتك بالطريقة الصحيحة والأمثل التي تكون راضيًا عنها؟

ضربات قلبك تزيد، حتى التنفس صعب، وتتمنى أن هذه اللحظة تنتهي بأسرع وقت ممكن، كل هذه المشاعر طبيعية جدًا، ومعظم الناس مرت بتجربة التحدث أمام الجمهور، فلست وحدك الذي يمر بهذه المشاعر، بل بالعكس الأغلبية العظمى من الناس تمر بكل هذا، ولكن تختلف حدة المشاعر من شخص لآخر، فالقلق بشأن التحدث أمام جمهور أمر شائع.

الخوف رقم واحد للأشخاص في العالم هو التحدث أمام جمهور، ثم يأتي بعده الخوف من الموت، هذا يعني أنك إذا ذهبت إلى جنازة، فأنت أفضل حالًا حين تكون في التابوت من تأبين الميت، أما مصدر الخوف من التحدث أمام الجمهور والمعروف علميًا (الجلوسوفوبيا) فهو عقلنا، بمعنى آخر الطريقة التي نفكر بها ونرى فيها التجربة.

طبعًا طبيعي جدًا أنك تقلق وتتوتر، كما أن الخبرات والذكريات السابقة السلبية المتعلقة بالخطابة تزيد من خوفنا، أما أهم أسباب (الجلوسوفوبيا) هو إهمال الإعداد الجيد وعدم التجهيز للخطاب بالصورة السليمة، كما يجب أن نعرف كيف نتعامل مع الظروف الاستثنائية من غير الخوف، أسئلة الحضور، الأحداث المحيطة، تفاعلات الحضور والخوف من رد فعل الحضور، حيث إن تعبيرات وجه الحضور، أو الأسئلة الصعبة، من الممكن ترجمتها على أنهم غير راضين عن أدائك، كما أن التوقعات والأهداف غير الواقعية في بعض الأوقات، ووضع هدف لأداء محترف كامل، أو أنك تقول كل الحضور راض، هذا سوف يشكل عبئًا زائدًا عليك، والعكس صحيح أيضًا، أي أن السلبية والنقد الذاتي اللاذع سوف يؤثر علينا بصورة كبيرة ويزيد من إحساس الخوف.

لكن كيف نتعامل مع هذا القلق والتوتر من التحدث أمام الناس؟ الأساس هنا في مواجة هذا الخوف من الخطابة هو إدراك أن القلق لن ينتهي أبدًا وسيبقى موجود، لكن الهدف هو أن نستطيع التحكم فيه ونحجم تأثيره السلبي علينا، وبالتالي نوقف النقد اللاذع لأنفسنا بسبب هذه المشاعر.

الإعداد الجيد والتدريب الصحيح هو أكثر شيء يزيد من قوتنا وحماسنا، إلا أن معظم الناس تهمل التدريب لاعتقادهم أن تأثيره على نجاح الخطاب هو تأثير ضعيف، لكن الحقيقة هي أنه كلما أكثرت من التدريب ستكون واثقًا في حركتك وخطواتك، وتكون جاهزً للتعامل مع المواقف الاستثنائية، كما أن تمارين التنفس العميق قبل التكلم أمام الحضور (شهيق عميق والانتظار ثوان، ثم زفير، وتعيد ذلك أكثر من مرة) تساعد على الاسترخاء وتهدئة التوتر الزائد، إضافة إلى أن شرب الماء أثناء الخطابة يساعد على تهدئة توتر الجسم، بالإضافة لكونه عاملًا مساعدًا على وضوح الصوت وقوته، هذا وإن الوقوف قبل الكلام بدقيقتين أو ثلاث دقائق يساعد على حفظ التوازن، وذلك حتى لا يحدث اختلال بسبب الضغط المنخفض مع الخوف، وأخيرًا لا تنس التركيز على رسالتك للحضور والقيمة، والمحتوى التي تريد توصيله لهم، وتبتعد عن النقد الذاتي اللاذع والسلبية في التفكير.

كما تعتبر دراسة الأركان الأساسية للخطاب، والتي تشمل الحضور، المحتوى، الزمان والمكان من مراحل التخطيط التي تضمن بناء قوي للخطاب، والتي من غيرها ممكن أن يتحول الخطاب أو العرض التقديمي من تجربة ملهمة ومفيدة للحضور إلى مضيعة للوقت، فالوقت الذي تقضيه في التخطيط لخطابك هو في حد ذاته استثمار، وتكون نتائجه واضحة على ردود أفعال الحضور.

دراسة الحضور عنصر أساسي لضمان نجاح خطابك أو عرضك التقديمي، حيث يجب أن تتأكد أنك درست الحضور بصورة سليمة من عدة جوانب أهمها:

1- الفئة العمرية، فمن المهم جدًا أن تعرف الفئة العمرية للحضور، والتي على أساسها تستطيع أن تحدد الأمثلة الأنسب لهم وقدر ونوع المعلومات التي يستوعبونها.

2- جنسياتهم وثقافتهم، لأن بعض التعبيرات ممكن أن تكون غير ملائمة لبعض الثقافات، أو ممكن تكون طريقة عرضك للمعلومات، أو المحتوى غير مفهومة، لهذا عليك أن تتأكد من معرفتك لثقافتهم وعاداتهم.

3- طبيعة وظائفهم وخبراتهم؛ لأن هذا يساعدك في اختيار المصطلحات التي تتناسب معهم.

4- معرفة أهدافهم وتوقع اعتراضاتهم وأسئلتهم، وذلك للتأكد من أن المحتوى سيساهم بإضافة معلومة جديدة لديهم، ومعرفة الأربعة جوانب السابقة سوف يساعدك في بناء محتوى قوي وملائم للحضور، وفي تعزيز التفاعل معهم واستيعاب خطابك بشكل أفضل.

هذا ويعتبر بناء المحتوى ركن أساسي في الخطابة، ودراسته بتعمق تساعدك على الظهور باحترافية، وبالتالي تستطيع أن تقنع الحضور وتجذب انتباههم؛ لأن مجرد طرحك لرؤية، أو فكرة معينة من غير أن تحدد أسبابها أو كيفية تطبيقها لن يقنع الحضور، لذلك يجب أن تتأكد من أن فكرتك التي يقوم عليها المحتوى جذابة ومؤثرة وواقعية التطبيق.

كما أن تحديد أهداف خطابك هي خطوة أساسية وأولية في مرحلة بناء المحتوى؛ لأنه بدون هدف لا يمكن وضع خطة ناجحة أو أساس قوي للشيء، لهذا تحتاج إلى معرفة طبيعة الحضور وأهدافهم وتربط أهدافك بأهدافهم؛ لأن معرفتك لأسباب حضورهم عرضك التقديمي يساعدك في وضع أهداف تساعد في بناء خطاب مؤثر وملائم للحضور، كما يجب معرفة أهداف الحدث نفسه، لأن أهداف خطابك يجب أن لا تبعد عن أهداف الحدث الذي تلقي خطابك فيه، سواء كان مؤتمرًا أو اجتماعًا، أو أي حدث آخر، كما أن معرفة الدولة أو البلد التي سوف تؤدي فيها خطابك التقديمي يساعدك في تحضير عرض ملائم لطبيعة ثقافة البلد والبعد عن التعبيرات غير الملائمة، أو ممكن تكون غير مفهومة، إضافة إلى أن معرفة المكان الذي ستقوم بأداء خطابك فيه والتوقيت يشكلان عاملين مهمين جدًا؛ لأن ذلك سيساهم في بناء خطاب يميزك كمتحدث ويساعدك في تقديم خطاب أو عرض تقديمي بكفاءة عالية.

هذا وبالرغم من أهمية تأثير الزمان على كفاءة الخطاب العام إلى أن كثيرًا من المتحدثين يغفلون عن ذلك، فدراسة الزمان مهمة جدًا في الخطابة؛ لأنها تساهم في تحديد توقيت العرض الخاص، وكذلك مدة عرضك التقديمي، وكم المعلومات التي عليك أن تضيفها، فمثلًا الناس أكثر قدرة على تقبل كم كبير من المعلومات في الفترات الصباحية، وإذا كان العرض التقديمي لمدة طويلة وفي الساعات الأخيرة من يوم العمل فإنهم لن يكونوا بكامل تركيزهم، كما يساعد التوقيت في ربط الأحداث المحيطة الخاصة بالحضور بخطابك، فعلى سبيل المثال لو كانت الشركة التي تقوم بعرضك التقديمي أمامها حصلت مؤخرًا على جائزة معينة، فيكون من الجيد الإشارة للجائزة في خطابك أو تهنئهم عليها؛ لأن ذلك سيشعر الحضور أن الخطاب موجه لهم، وسيدل ذلك على مدى احترافيتك ودراستك الجيدة لوضع لشركتهم.

يجب أيضًا معرفة الوقت المحدد للخطاب؛ لأنه كل ما كان وقت الخطاب أو العرض التقديمي أطول كانت المعلومات المضافة أكثر، كما أن طريقة الإقناع التي ممكن أن تتبعها في خطاب مدته 15 دقيقة أكيد سوف تختلف عن عرض تقديمي مدته 60 دقيقة، ولا تنس أن أهدافك تختلف كثيرًا حسب الوقت المتاح لك للتحدث أمام الحضور، ففي الخطاب يجب تحديد أهدافك المباشرة وغير المباشرة، فالأهداف المباشرة على سبيل المثال قد تكون الحصول على الموافقة على مشروعك الجديد، أما من الأهداف غير المباشرة على سبيل المثال أنك تترك انطباع قوي ومؤثر لعلمك بوجود ترقية قريبة أو بأنك تطور تفاعلك مع الحضور بالمقارنة بخطابك السابق.

وتساعد معرفة طبيعة المكان الذي ستلقي فيه خطابك يساعدك في تحديد طريقة عرضك، وحساب المساحة المتاحة لك لتتحرك فيها، وكذلك المساحة بينك وبين الحضور، هذا ويساعدك معرفة طبيعة المكان في تقدير الحدود المسموح بها لك، فعلى سبيل المثال بعض الأماكن لا تسمح باستخدام مكبرات الصوت بصوت عال، وهذا من الممكن أن يجعلك تعيد النظر في الفيديوهات التي كنت تريد عرضها؛ لأن نسبة كبيرة من الحضور البعيد لن تستطيع أن تسمع وتتابع نص الحوار بالفيديو بصورة سليمة.

هذا ولا تنسى في النهاية أن قوة التأثير هي نتاج الإيمان بالرسالة التي تقدمها، بدون ذلك الإيمان والشغف سيصبح الخطاب بلا روح، كما أن هدفك ليس كسب محبة الحضور، بل احترامهم، فكن شخصًا محترفًا مدركًا لأهمية كل كلمة وتأثيرها، واعلم أن كل خطوة تخطوها في تطوير مهاراتك هي إنجاز رائع سيؤتي بثماره قريبًا، سواء في مقابلة العمل القادمة، أو عرض مشروع التخرج، أو العرض التقديمي لشركتك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد