الفطرة السليمة تقتضي الزواج

الشاب والفتاة كل منهما يرغب في الاقتران بزوج يكمله ويشبع رغباته، فهذه هي سنة الحياة.

 

ضغط التقدم في السن

كلما تقدم بالمرء العمر ولم يتزوج تزداد ضغوط المحيطين به، وخصوصًا إن كانت فتاة، وكذلك يزداد ضغط رغبته الخاصة بسبب طول فترة العزوبية. تصبح الفتاة تحت ضغط إضافي وهو رغبتها بالأمومة قبل أن تصبح غير قادرة على الإنجاب، فسنوات خصوبة المرأة أقصر عمرًا من الرجل كما نعرف جميعًا.

 

الوعي وزيادة المخاوف

مع زيادة النضج يصبح الشاب والفتاة أكثر وعيا وأكثر معرفة أيضًا بقصص الزواج المتعثر حولهم، وبالتالي أكثر قدرة على اكتشاف العيوب في الشريك المحتمل، وهذا مما يزيد من صعوبة الاختيار ودقته، ومن ثم زيادة تأخره فتزداد الضغوط أعلاه.

 

الوصول إلى نقطة اللاعودة

قد تصل تلك الضغوط إلى درجة تفوق طاقة الإنسان السوي على احتمالها، فيلجأ إلى تخفيف الضغط مباشرة بأسرع وأسهل طريقة، ومتجاوزًا بشكل عجيب، كل المعايير التي قد وضعها سابقًا للاختيار، وكل التجلد الذي أظهره سابقًا للمحيط بأنه لا يرغب بالزواج، وأنه سيكتفي بالانتظار حتى يجد الشريك المناسب.

هنا قد يقع الشاب والفتاة في اختيار شديد السوء لمجرد أن طاقته على البقاء وحيدًا انتهت تمامًا، فغالبًا ما يقع في خيار كان من المستحيل قطعا أن يختاره في البداية.

 

 تجنب السقوط في الاختيار الخاطئ

هنا علينا أن نعود للبداية لمن ما زال لم يختر الشريك، قبل أن نصل إلى نهاية غير محمودة كهذه، نقول: لماذا نتزوج؟

هذا السؤال على كل إنسان أن يطرحه على نفسه بصدق في البداية، ويتأكد من نيته الحقيقية للزواج ويراجع نفسه، نحن في هذا الدين مدار أعمالنا كلها على النية، والنية هي أساس كل عمل، وهي التي تحدد صلاحه من فساده، فإن كنت تتزوجين من أجل أن تغيظي بنت الجيران، أو تتباهي على الأهل والخلان، أو تفرحي بالجهاز والحفلة والدلع والفستان، فأنت يا سندريلا، تتزوجين للأسباب الخاطئة!

إن كنت تتزوج حتى تجد من ينظف ويكنس ويطبخ لك، ومكانًا لتفريغ شهوتك بالحلال، فقط وفقط، فهذا وعلى الرغم من أنه أمر جيد، إلا أنه ليس كافيا! إن كنت تتزوج لتثبت لرفاقك فحولتك وبطولتك على بنت الناس، بعد أن شبعت مغامرات قبل الزواج وخطر ببالك أنه آن الأوان لتصبح أبا فلان، فأنت أيضا يا عنتر، تتزوج للأسباب الخاطئة!

زواجٌ بُني على خطأ لا يمكن أن يكون زواجًا ناجحًا، يمكن بالكثير أن نسميه تعايشًا مصلحيًّا.

  • إن كنت تشبه ما مر أعلاه، فعليك ان تراجع نفسك وإيمانك وتعود إلى نقطة الصفر.
  • أنت على هذا الكوكب مستخلف في الأرض موجود هنا لعمارة الأرض وجعلها مكانًا أفضل للحياة. أنت هنا كي تُعْبِّد هذه الأرض لله، بالإيمان وبالعلم النافع والعمل الصالح.
  • الزواج هو أن تجد لروحك وقلبك وجسدك سكنًا، يملأ عمرك وأيامك مودة ورحمة، ليكون عونًا لك على تحقيق معنى الاستخلاف الصالح في الأرض الذي هو غاية وجودك، ولتكون محضنا للإنسان الذي سيحمل الرسالة ويعمر الأرض بعدك.
  • إن لم تعرف بعد غاية وجودك وتتحرك باتجاهها، فأنت لست مستعدًّا للزواج.
  • إن لم تبحث عن الشريك الذي يشترك معك في تلك الغاية قولًا وفعلًا ويكون شريكك في عمارة الأرض والخلافة الصالحة فيها، تلك الغاية النبيلة التي خلقت وتعيش من أجلها، فأنت تضع أساسًا خاطئًا منذ البداية للاختيار.
  • الدين والخلق هما أساس الاختيار الصالح: بمعنى أنك تنطلق أنت وشريك حياتك من رؤية واضحة وأرضية أهداف مشتركة في الحياة تجمعكم: أنكم تعيشون من أجل مرضاة الله تعالى، والفيصل بينكم في كل خلاف هو شرع الله، وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وليس كلام حماتك ورفاقك والمسلسلات التركية والجيران.
  • الدين هو أساس أول ونقطة انطلاق لا تهاون فيها أبدًا، فمن لم يلتزم بشعائر الإسلام ويحرص على الحلال ويترك الحرام عليه أن يخرج فورًا من حلبة المنافسة!
  • والدين أيضا هو منهج حياة. للأسف كثير من المتحجبات وأصحاب اللحى وحتى الشهادات الشرعية والحفاظ وغير ذلك من مظاهر التدين، هم أبعد الناس فكرًا وسلوكًا وخلقًا عما يريد الله عز وجل للمسلم أن يكون.
  • الدين ليس مظاهر وشعارات براقة: الدين يفترض أن يفضي إلى حسن الخلق والسلوك الراقي مع خلق الله، لذلك كان التأكيد على الأخلاق مع الدين تمامًا. أقرب الناس مجلسًا من الرسول عليه السلام يوم القيامة هم أحسنهم أخلاقًا، وليس أكثرهم صلاة ولا صيامًا. عند هذه النقطة لا بد أن تكونوا على حذّر تام.
  • مهما كانت المظاهر براقة وجميلة، تحلوا بالذكاء والحكمة وتزودوا بالعلم والسؤال والبحث، لتكتشفوا حقيقة الشخص الذي أمامكم قبل أن يتم الزواج، خلال مرحلة الخطبة وعقد القران، فلذلك جعلت الخطبة، وليس لتغرقوا في بحور العواطف وتعموا عن الحقائق.
  • التكافؤ: عندما يتوفر شرط الدين والخلق، فمن الأفضل والأضمن لنجاح الزواج، أن يكون هناك تقارب في بيئات الزوجين فكريًّا، ماديًّا، اجتماعيًّا، وثقافيًّا. الزوجان هما كائنان مختلفان تمامًا عن بعضهما مهما بدا في البداية أنهما منسجمان. الحياة اليومية ستكشف فروقات هائلة بينهما. ومن أجل سير أسلس للحياة، كلما كانت أرضية التقارب المشتركة أكبر، كلما كان هذا أدعى للتفاهم.
  • الصدق: عمود أساسي لنجاح الاختيار: فلا تتجمل، ولا تتجملي في مرحلة الخطبة والاختيار، لتخدع الطرف الآخر. إن كنت فقيرًا أو عصبيًّا أو غيوًرا أو أي شيء، فلا تخفِ ذلك ولا تغش خلق الله.

إن كنت مدركًا لعيوبك فبادر بإصلاحها وتحل بالصدق، فبدون الصدق مع ذاتك ومع الآخر لا يمكن أن يوفقك الله، تحل وتحلي بالصدق قبل الوصول إلى أعتاب مرحلة الاختيار، تحلوا بشجاعة الاعتراف بالذنب والتوبة والندم وعدم العودة له مهما كان.

اقطعوا أي علاقة غير شرعية مع الجنس الآخر وتوبوا وتطهروا بالأعمال الصالحة، فتقوى الله تعالى هي التي ستنقذكم، ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب.

 

ومن باب الصدق أقول لكم

أنتم كفتيات وشبان، تتعاملون مع إرث ثقيل من العادات المتعفنة والبالية البعيدة عن جوهر الإسلام بالنسبة لموضوع التعامل مع المرأة. لذلك للفتيات أقول: لا تتزوجي قبل أن تدخلي مرحلة الجامعة أو ما يشابهها، ودون أن تجربي قليلا العمل والحياة،  فإن هذا سيطلعك على نماذج للرجال أكثر، وستعرفين أكثر عن هذا الكائن الغريب بالنسبة لك، وهذا سيساعدك على الاختيار ومعرفة العقليات أكثر، لتحمي نفسك بشكل أفضل من إرث التخلف الثقيل. بعد ذلك عندما تختارين على أساس الأسس السابقة تبقى بقية العوامل الأقل أهمية بحاجة لمزيد من الوعي والصبر بعد الزواج.

للشباب أقول: لست مضطرًّا لأن تكون نسخة عن أبيك وجدك، عُد إلى منابع الحقيقة وقدوات البشرية وتعلم منهم، بعد الدين والخلق والتقارب الاجتماعي والصدق: تبقى العوامل الأخرى أقل أهمية بكثير. فما عدا ذلك هو أمر يعود لك لتقبل أو ترفض. وقد وصانا الله ورسوله بالحرص على صاحب الدين والخلق والتساهل فيما عدا ذلك، فالمال والجاه أمور قد تأتي لاحقا بكل سهولة، إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله، ومن يستعفف يعفه الله.

 

في النهاية الكمال أمر مستحيل

فلابد من وجود نقص في مكان ما، لأن هذه هي طبيعة البشر، والنقص في أمور أخرى غير الأساسية يعود لك تقبله والصبر عليه والتعامل معه أو رفضه وعدم القبول به، ولكنك بوضع أسس الاختيار السليم تكون وضعت اللبنة الأولى لحياة زوجية سعيدة إن شاء الله، ويبقى ينقصك السلاح الأهم وهو:

العلم

إننا نتعلم كل شيء في مدارسنا وجامعاتنا، ولكننا نُترك لأهم قرارات الحياة، وأهم معاركها، والتي سنقضي فيها أعمارنا كلها، دون أن نتعلم سوى النزر اليسير جدا جدا وبعض العموميات، عن الزواج والتعامل مع الزوج والإنجاب وتربية الأبناء، لذلك فقبل أن تصل إلى مرحلة الاختيار عليك واجب هام جدا جدا جدا تجاه نفسك، وتجاه الشخص الذي سيشاركك حياتك، وتجاه الأبناء الذين ستنجبهم، وهو: اقرأ.

أنت ابن هذا الدين الذي تكررت فيه كلمة اقرأ خمس مرات متتالية في خطاب الله الأخير للبشرية في الرسالة الخاتمة، أنت مطالب من أجل تنفيذ أمر الله بأن تتزود بالعلم والمعرفة، لتكون مستعدًّا لمواجهة أهم خطوة في حياتك، وهي الزواج.

سيقول كثيرون: لدي الكثير من الخبرة من ماما وبابا وبيت الجيران والأهل والخلان، وهذا كله جميل.

عليك الآن أن تجمع خبرتك العملية، مع الخبرة النظرية، لتنتج علاقات أفضل وأجمل وأكمل وأرقى وأنقى من تلك التي عايشتها، لتمنح علاقاتك الجديدة أنت فرصة لتحقق تطورًا نوعيًّا عن علاقة من سبقك، وإلا فنحن ككفار قريش لسنا قادرين على أن نتجاوز خبرات آبائنا وأجدادنا.، اخرج من جلباب أبيك، وتفضل وافتح عقلك.

طبعا تسألونني ما الكتب التي أنصح بها، سأجيبكم:

في الفكر العربي الإسلامي

بحسب خبرتي الشخصية المتواضعة، لم أجد ما يشفي غليلي تمامًا، ويشبع رغبتي بالمعرفة في هذا الميدان، إلا عند أصحاب الفكر النير من أمثال:

  • الأستاذة عابدة المؤيد العظم: كتب ستفيدك جدا في تأسيس الأسرة:

1- أربع سنوات وحسب.

2- حدود طاعة الزوج.

3-  هكذا ربانا جدي علي الطنطاوي.

  • عائض القرني: أسعد امرأة في العالم.
  • الدكتور طارق الحبيب: وبرامجه النفسية، وخصوصًا الحلقات التي خصصها للحديث عن العلاقات الزوجية واختيار الزوج المناسب.

برامج الدكتور طارق ذخيرة هامة لفهم نفسك وفهم الآخر.

  • المدونة والمستشارة خلود الغفري، مدونة استروجينات، لديها خبرة جميلة ومفيدة، وتستحق المتابعة والاهتمام.

    وفي الثقافة الغربية

كنوز من الكتب الهامة جدا، طبعا مع التحفظ على بعض الفروق الثقافية، ولكن بشكل عام هي هامة جدا جدا:

  • كتب الدكتور فيل ماكغرو: تحوز المرتبة الأولى بجدارة، فهي كتب قيمة جدًّا، ومتوفرة إلكترونيا بشكل مجاني بصيغة pdf:

1- الحب بذكاء.

2- عائلتي أولا.

3- كيف تنقذ حياتك الزوجية من الانهيار.

4- حياة حقيقية.

  • ثلاثون سرا للأزواج السعداء: بول كولمان، كتاب قيم جدا جدا.
  • الحب هو كل ما تحتاج إليه وبعض كذبات أخرى عن الزواج: د.جون دبليو جاكوبس
  • كي يعيش الحب طويلا: أيفون دالير.
  • رواية طعام، صلاة، حب: لإيليزابيث جيلبرت.

ستجدونه أمرًا غريبًا أن أنصح برواية هنا، ولكن للحقيقة هذه الرواية لم تصبح من أكثر الكتب مبيعا في العالم عبثًا.

هذه الرواية قادرة ببساطة أن تمنحك آفاقا أوسع لإدراك ذاتك وعلاقاتك والعالم المحيط بك. فمع تحفظي طبعا على بعض ما جاء فيها، إلا أنك ومع نهاية الرواية، ستجد أنها ستعطيك إدراكًا جديدًا لذاتك، ولعلاقاتك وللحياة، وهو أمر نحن جميعا بلا شك بحاجة إليه، وباستمرار.

لتطوير فنون التواصل وبناء الجسور وهو أمر هام جدا ومحوري في بناء علاقات ناجحة فأنصح بـ:

  • قوة السحر: برايان ترايسي.
  • قوة الاقناع في دقيقة واحدة: توني رايتون.

 

القراءة ستجعلك تولد من جديد، وتحقق كنهك كإنسان بـ”اقرأ”، كما أراد الله. لن تحقق تلك القفزة النوعية في حياتك بدون اقرأ، دون أن تكون قريبًا من الله وحريصًا على رضاه.

 

كلمة أخيرة عن العُمر

العمر الذي ستتزوج فيه، إن كتب الله لك الزواج مقدر ومكتوب قبل أن تولد، ما تملكه أنت أن تدعو الله تعالى كثيرًا جدا وتطلب كل ما تتمناه وترجوه منه، وتوقن بالإجابة. طالما أخلصت النية في زواجك لله وتعلمت وسعيت لتحسن الاختيار، وتزودت بالعلم النافع والعمل الصالح المنتج الذي يجعل ذاتك تزدهر، لتكون جديرًا فعلا بالزوج الذي تحلم به، فوكّل بعد الأخذ بكل هذه الأسباب الله تعالى، فهو حسبك ونعم الوكيل.

العمر ليس هو عدد السنين، بقدر ما هو شعور داخلي في المرء، فكم من رجال ونساء في الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينات والستينات، هم في أوج جمالهم وجاذبيتهم وعطائهم وسعادتهم، يَسعدون ويُسعدون من حولهم، وهذا ليس مستحيلا أبدا، لمن أراد أن يبقى حيّا مزدهر القلب والروح والعقل، وينمو ويتعلم ويعمل ويتطور وينضج ويعتمد على الله.

ليست السعادة في سرعة الزواج، والذي قد تتلوه تعاسة وبؤس لا سمح الله، تستمر قهرًا وعجزًا العمر كله. ولكن السعادة باكتشاف جوهرنا الإنساني الجميل الذي لا تزيده السنوات إلا بهاءً وتألقًا، ذلك الجوهر النبيل الذي لا بد سيجد من يحلم بمشاركتك به.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد