أُسدل الستار أخيرًا على ماراثون الثانوية العامة في مصر، وأعلنت النتائج وعرف كل طالب مقدار ومحصلة ما قام به طوال تسعة أشهر كبيسة وطويلة، مليئة بالضغوطات النفسية العائلية، بما يطلق عليه «سنة تحديد المصير»، وبين بيوت تملؤها الفرحة والبهجة بالحصول على أعلى العلامات والالتحاق بكليات القمة، وبين أسوار تخفي خلفها كمًّا كبيرًا من الحزن والألم، والشعور بفقدان الأمل في تحقيق الحلم المرجو، وعائلة تشعر بخيبة الأمل بسبب فشل الابن الغالي في الوصول إلى الحلم المُبتغى، تأتي مرحلة جديدة تمامًا في حياة الطالب، تترتب عليها الكثير من الخيارات؛ إذ يجب عليه اختيار الكلية التي سيلتحق بها، وعليك أن تعلم أنه اختيار ظالم يُجبر الطالب على الالتحاق بكلية وفق مجموع درجاته التي حصل عليها، وليس وفقًا لرغباته الشخصية، أو ما هو بارع فيه.

فرحة زائفة أسستها مُعتقدات قديمة

منذ بداية عصر الثانوية العامة بنظامها الحالي، توجد بعض المُسلمات التي لا يمكن المساس بها، وهي أفكار يؤمن بها الأهالي والطلاب، ويستمرون في تصديقها، والعمل بها، وتصديرها إلى الأجيال القادمة؛ لتستمر الغشاوة مُلقاة على أعيننا، إذ يظل حلم كل طالب هو النجاح والالتحاق بكليات القمة، وهو مُصطلح فارغ أطلقته وسائل الإعلام على كليات معينة كالطب، الهندسة، الصيدلة، الألسن، الإعلام.

وتظل مقاييس النجاح هي الوصول إلى هذه الكليات، فإذا كنت قد نجحت في الالتحاق بإحدى هذه الكليات إذن فأنت من المحظوظين الذين فازوا في ماراثون الثانوية، وسيُسطر اسمك بحروف من ذهب وسط عائلتك والبيئة المحيطة، ولكن إذا خاب أملك ولم تلتحق بإحدى هذه الكليات، إذن فأنت من الخاسرين عديمي القيمة والفائدة، الذين سيُنظر إليهم في المجتمع على أنهم فاشلين وخسروا رهانهم، ولم يعد لهم دور في تشكيل سوق العمل والمشاركة فيه، وسواء اتفقنا أو اختلفنا، فهذه هي معتقداتنا، وهذه هي المسلمات والأسس التي تربينا عليها منذ الصغر، والمُقارنات الوهمية التي أُدخلنا فيها.

نصائح يجب الأخذ بها قبل الالتحاق بالجامعة

عليك يا عزيزي الطالب أن تنأى بنفسك عن هذا التصنيف المُسلم به بلا معنى، إذ يجب أن تؤمن أنه لم تعد هناك كليات للقمة، فقد امتلأت هذه الكليات بالطلاب، وتكدس خريجوها في سوق العمل، وتزاحم عليها الطلاب عبر جميع السنوات، حتى أصبحت كالبضاعة القديمة البالية المُستهلكة.

عليك أن تُدرك عزيزي الطالب أن الالتحاق بكليات القمة لن يؤهلك للقمة، بل إن طموحاتك وأفكارك ورؤيتك لتطوير سوق العمل، وإيجاد المساحة المناسبة لتطوير قدراتك، ستجعلك في صدارة سوق العمل، وعليك أن تختار أن تعمل ما أنت بارع فيه، وما هو محبب إلى قلبك؛ حتى تستطيع خلق المساحة الإبداعية الخاصة بك، حتى تحقق إنجازًا لمستقبلك لن تحققه لك كليات القمة.

وعليك أن تعلم أني لا أقلل إطلاقًا من هذه الكليات، ولا أدعوك لتجاهلها وعدم الالتحاق بها، بل أحاول تنوير بصيرتك فقط لما هو مطلوب في سوق العمل، وما هو مفيد لك ولوطنك، إذ إننا نحتاج إلى معلمين أكثر من مهندسين، ونحتاج إلى أفكار لمشروعات نامية أكثر مما نحتاج إلى محامين، ونحتاج إلى إبداع سبل لتنمية الاستثمار أكثر مما نحتاجه من مذيعين.

ونصيحتي الأخيرة هي عدم الاستسلام لما هو شائع بين الناس، وعدم التسليم بالسائد، ولا تلهث وراء جامعة تتفاخر باسمها اللامع لأربع سنوات، ثم تقضى بقية عمرك نادمًا على سنوات الفرص الضائعة، بل ابحث عن علم يضمن لك عملًا مفيدًا يحتاج إليه البلد وسوق العمل، وابتعد عن آراء الناس؛ فالله قد خلقنا أحرارًا لنقرر ونختار مصائرنا بأيدينا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد