على مدار نحو 10 أيام ضجت وسائل التواصل الاجتماعي في مصر بعدد من الجرائم المفزعة والمروعة، أبرزها طبعًا جريمة قتل رجل على يد المتحرش بزوجته في أحد الشواطئ بالإسكندرية.

هذه الجريمة في رأيي تعكس حالة من التشوه الخلقي والقيمي غير مسبوقة، بالتأكيد التحرش قديم وليس ظاهرة جديدة أو وليد اللحظة، لكن الجديد هنا هو تطور التحرش إلى «التبجح»، فلا أظن أننا قبل 20 سنة مثلًا كنا سنجد المتحرش صاحب الفعل المشين يتبجح ويقتل وكأنه هو الضحية وليس الجاني، وهذا يفتح الباب للبحث حول الأسباب.

هي أسباب وليست سببًا واحدًا، عوامل اجتمعت لتخلق لنا هذا المجتمع المشوه وتحول بلدًا كاملًا إلى مستنقع كريه، قبل مدة أخبرتني والدتي عبر الهاتف أن نصف الناس تقريبًا في قريتنا تحولوا إلى متسولين، سكت قليلا ثم أجبتها أن النصف الآخر سيتحول إلى لصوص ومجرمين، وقد كان، وسأورد لحضراتكم مجموعة أسباب – بالقطع ليست مبررًا للتحرش – ولكنها ربما تمنحنا قاعدة يمكن التحرك من خلالها وتوجيه الجهود إذا فعلا هناك إرادة للحد من تلك الأفعال المشينة.

في رأيي السياسات الاقتصادية التي يتبعها النظام الحاكم في مصر حاليًّا، من رفع للأسعار والخدمات بشكل لا يتوافق إطلاقًا مع الرواتب، إذا أضفناها إلى ما يعاني منه المجتمع أساسًا من جهل ثقافي وقلة وعي وانتشار للأمية وتدني مستوى التعليم والخرافات وأطنان الدجل والشعوذة، كل هذا سينتج لنا «مواطنًا مسخًا»، غير قادر على الزواج أو بناء أسرة بشكل سوي والعيش في المجتمع على أساس احترام متبادل مع شريكاته في هذا الوطن.

مواطن ترك فريسة لعقود من الزمن لآلة وهابية تزرع في رأسه كل ما هو متطرف ومتشدد، هذه الآلة جعلته يحتقر المرأة ولا يراها إلا رمزًا جنسيًّا فقط ولا شيء آخر، هذه الآلة الوهابية التي خلقتها الدولة في حينها كسلاح للتصدي للإخوان المسلمين، كانت الطامة الكبرى على وعي الناس ومدى اتزانهم في الحكم على الأشياء، فلأجل مواجهة مشروع الإخوان المسلمين السياسي مهدت الدولة للسلفيين وجمعياتهم الدعوية الطريق للانتشار في ربوع البلاد، وسهلت لهم التمويل القادم من السعودية، لماذا؟! حتى يتم استخدامهم في الوقت المناسب لوأد أي تمرد على سياسات النظام وتردي أحوال المعيشة، من خلال العبارة الذهبية «الخروج على الحاكم حرام».

عندما يصبح الخروج على الحاكم حرامًا، والرضا بالذل والجوع وامتهان الكرامة حلال، اعلم أن الخلل أمسك بتلابيب عقولنا، وهذا يأخذني لمحور آخر من المقال، فالقضية هنا ليست واقعة التحرش والقتل في حد ذاتها وحسب، ولكن في ردود الفعل المترتبة عليها.

لن أبالغ إذا قلت إنني «صعقت» من حملات التبرير للمتحرش القاتل، وتحميل الضحية المقتول مسئولية قتله، ففي اعتقادهم هو الزوج «الديوث» الذي سمح لزوجته بالتواجد في شاطئ مختلط يتواجد به عشرات الشباب، وكأنه ارتكبًا جرمًا أو خرج عن الملة!

تلك العوامل مجتمعة أصابت مجتمعنا بالانفصام، فمن جهة تجد من يبررون فعل التحرش والقتل، وفي الوقت ذاته لا يقبلون أبدًا أن يتحرش أحد بذويهم، تجدهم ينصبون أنفسهم آلهة لمحاسبة الفتيات في مجتمعهم فيحرمون عليهن الصوت لأنه عورة ويفرضون عليهن زيًا محددًا ويقيمون لهن المشانق إذا رأوهن بلباس البحر حتى إن بعض النساء ممن لا يرتدين الحجاب تعرضن لإلقاء ماء نار على شعرهن في الشوارع، وفي الوقت ذاته يتداولون صورًا وفيديوهات لفنانات هوليوديات ويتساءلن وألسنتهم تتدلدل «هذه هي النساء ولا بلاش»، تجدهم يتحدثون عن الله ورسوله ولا تفوتهم صلاة، وإذا امراة مطلقة استأجرت شقة في عقار يسكنون به، حاربوها وضايقوها وهددوها كي ترحل، وغيرها وغيرها من حالات الفصام والازدواجية أصابت مجتمعنا، ناهيك عن الاحتكار الذي يمارسه البعض، احتكار الحقيقة والدين والرؤية والصواب والخطأ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد