في أزمنة الإغريق الغابرة، كانت كلما تهب عواصف تُهيج أمواج البحار، يهرع ذوو البحارة إلى الشواطئ والموانئ انتظارًا لذويهم على متن السفن التي تصارع مصيرها وسط هذه العواصف.

ما أن تلوح أشرعة السفن في الافق من بعيد، حتى تنبض القلوب بشكل مضطرب! أي السفن نجت وأيها غرق؟

تتعلق العيون بالسفن التي تلوح رويدًا رويدًا؛ تحاول أن تميز أية علامة يستدل بها على سفن ذويهم، علَّ قلوبهم الهائجة تهدأ! ثم ما تلبث السفن أن ترسو واحدة تلو الأخرى وينفض عن ظهورها الرجال واحدًا تلو الآخر، يهرول إليه أهله كي يحتضنوه ليتأكدوا أنه ليس شبحًا، أو سرابًا، وأنه حيٌ من دمٍ ولحم! ثم ما أن تلبث النفوس أن تهدأ والقلوب أن تطمئن حتى ينهالوا عليه بالأسئلة عن ما دار وجرى، وكيف كُتِب لهم النجاة، فتكاد تكون الإجابات جميعها تتمحور حول فكرة واحدة:

لقد نجونا بفضل الإله بوسيدون، ما أن هبت العاصفة وتلاطمت سفننا بين الأمواج العاتية، هرع كل رجل إلى موقعه، يؤدي واجبه، وهو يبتهل بالدعاء لبوسيدون لينجيه من الهلاك! وقد كان واستجاب لنا بوسيدون.

كانت الردود والإجابات التي اختلفت في صياغتها، ولكن توحدت في مجملها حول المعنى السالف تؤثر في قلوب الحضور، وتزيد من إيمانهم بالإله بوسيدون، وبانه نجى عباده الذين لجأوا إليه!

وبرغم أن من ارتد إلى اليابسة أقل كثيرًا ممن غادرها قبل هبوب العاصفة، لكن أحدًا لم يسأل: لماذا لم ينجِ بوسيدون الإله بقية السفن؟ أيعقل أن كل من ركبوها لم يتذكروا الإله لحظة الموت! أيعقل أنهم كفروا بالإله، وظنوا أن مهارتهم وقدرتهم الملاحية فقط عاصمتهم من الموت رغم إرادة بوسيدون!

الشاهد هو أن من دعا نجا! إذًا فالذي لم يدع لم ينجُ. اختزال بسيط لمشهد مُعَقد! وبالتالي فينتج عن هذا الاختزال زيادة الإيمان بفكرة ليس لها وجود! نعم لا وجود لبوسيدون، ولم تنجُ السفن لأن بحارتها صلوا لبوسيدون، ولم تغرق السفن لأن بحارتها أداروا ظهورهم لبوسيدون! ربما السفن الأكثر متانة والأفضل صنعًا كان لها الحظ الأوفر في النجاة، وربما انعدام كفاءة الرُبّان وأطقمُ السفن هو السبب في هلاكها!

الرجل البسيط لن يُرهق ذهنه في طرح الأسئلة عن سبب نجاة هؤلاء وهلاك الآخرين! إنه سيكتفي بمن يراه حيًا وماثلًا أمامه ليشكل وعيه ويقي عقله شر العصف الذهني والتشكك!

الرجُل الذي نجا دعا، إذًا فبوسيدون يُنجي من يدعو! إذًا فبوسيدون رحيم! وبالتالي فإن الذي لم يدعُ لقي حتفه، إذًا فبوسيدون عادل!

ما عزز تلك القناعة هو غياب من هلكوا عن المشهد! لم يسمع أحد شهادتهم! لم يتسنَ لأحد أن يعرف إذا ما كانوا دعوا أم لم يفعلوا قبل هلاكهم! وكان هذا هو المفتاح السحري لكهنة الآلهة لبسط نفوذهم على البسطاء!

المفتاح هو: الاعتماد على الجانب الظاهر من الرواية.

كيف لا تؤمنون وقد رأيتم بأم أعينكم هؤلاء الذين نجوا بعد أن استغاثوا بالإله؟ كيف لا تؤمنون بعد أن رأيتم كيف فعل بوسيدون بهؤلاء الذين كفروا به!

احتكر هذا المفتاح حُراس العقائد على اختلافها مدة طويلة من الزمن! حتى أنار العلم عقول البشر وشاع استخدامهم للحُجة والمنطق بعد أن كانت حِكرًا على نفر قليل من الفلاسفة والعلماء. التوسع في الحداثة وتطور طرق التواصل ونقل المعرفة أسهم بشكل كبير في إبراز الشهادات الغائبة عن أعين البشر. أصبح بالإمكان تتبع الحوادث ومعرفة مسبباتها! أصبحنا قادرين بشكل أو بآخر على سماع أحاديث الموتى قبل هلاكهم في حوادث غرق السفن أو سقوط الطائرات!

ومع كل ذلك التقدم والتطور ما زال هذا المفتاح يستخدم لتشكيل وعي البسطاء: الاعتماد على الجانب الظاهر من الرواية.

لكن في يومنا هذا ليس الكهنة، وليس الوعاظ هم من يمسكون بهذا المفتاح! إنما هم سحرة العقول ومخاطبو البسطاء عبر شاشات التلفاز! عندما تكون هناك إرادة لتوجيه العقول صوب فكرة معينة فالأمر بسيط والحل هو في الاعتماد على الجانب الظاهر من الرواية!

اصنع تقريرًا حول هذه الفكرة! تكلم مع مئات الأفراد في الشارع حولها! حتى وإن تباينت آراءهم! فعليك أن تعرض فقط من يؤديون الفكرة في تقريرك وحبذا لو كانوا من المتحمسين، وإن لم تجد فاستأجرهم بالمال أو بالعطايا! افتح المجال للمداخلات لتسمع آراء المشاهدين! لكن لا تستقبل سوى مكالمات الذين يؤيدون الفكرة!

معارضو الفكرة حتى وإن غلبوا على مؤيديها فسيلعبون دور البحارة الهلكى الذين لم يسمع أحد بشهاداتهم! سيسمع مشاهديك فقط شهادة من نجوا! شهادة المؤيدين الذين سيظهرون في تقريرك المصور!

والنتيجة أن المشاهد البسيط، وإن كان معارضًا للفكرة، فعندما يرى أن كل من يظهر في التقرير مؤيد للفكرة، سيتقوقع على نفسه، ويشعر أنه وحيد في هذا المجتمع! سيتسلل الشك إلى قلبه رويدًا رويدًا!

أيكون كل هؤلاء على خطأ وأنا الذي أصيب؟! أيؤمن الجميع وأكون أنا الكافر الوحيد؟

ومن ثَمَّ يؤمن الرجل بالفكرة أو يتسامح معها؛ لأن الذي دعا ونجا قد اخبر الناس! والذي دعا وهلك لم يَشهَد بذلك لهم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد