كثير من الأفكار البرمجية تظهر في العالم العربي ينفذها مبدعوها بهمة وعلى عجل، لكنها سرعان ما يخفت بريقها بقدر ما كان الحماس لها. فيهملها القائمون عليها، ويتركونها موجودة على شبكة الإنترنت كأنها بيت مهجور، لا يقربه أحد. والأمثلة على هذا كثيرة، حيث لم يخرج للنور حتى الآن مشروع ريادي عربي يجذب اهتمام مستخدمي الإنترنت، ويكون مركزًا رياديًّا للعالم العربي، كما حدث في العالم الغربي وبالأخص الولايات المتحدة من خلال شركات كبرى أصبحت منارة وقوة جبارة تضاف لقوة الدولة العسكرية والاقتصادية، فالريادة في المجال التقني والإبداعي هي عنوان العصر الجديد ومبتغاه، إذ لا تنعزل مناحي الحياة الآن عن التكنولوجيا والبرمجيات، من الصحة إلى الزراعة، ومن المحركات إلى الفلك حتى الهوايات كجمع العملات والطوابع باتت لها شبكات متخصصة تجمع كافة المهتمين بها من بقاع الأرض المختلفة، يتبادلون المقتنيات فيما بينهم.

وفي شأن كالعلم والثقافة، وبمسح مبدئي لمواقع الكتب والمكتبات العربية على شبكة الإنترنت، فإنها تكاد تكون نسخة واحدة مكررة، لا تختلف فيما بينها إلا بمقدار ما يضعه القائم على الموقع من كتب جديدة أو تغير طفيف في الشكل والتصميم لكنها شيء واحد في المضمون. حيث يقوم الموقع أو المدونة على شخص يمتلكه، حجز نطاقًا “دومين” وقام بتركيب قالب “تصميم” في الغالب يكون جاهزًا وبعدها يقوم بنشر الكتب في صيغة بي دي إف، ويحاول تسويق موقعه على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة.

وإذا كان هناك بعض المواقع تبيع الكتب وبأسعار مبالغ فيها حيث تضع أسعارًا تصل في بعض الأحيان لسعر الكتاب الورقي من نفس المنتج، فإن أكثرها تضع الكتب بصورة مجانية حتى يحظى الموقع بأكبر عدد من الزوار، وهو ما يوفر احتياجات صاحبه من الدخل الإعلاني الذي يأتي غالبًا عن طريق مشاركة الربح مع عملاق إعلانات الإنترنت “جوجل”، وتتفاوت مقدرة هذه المواقع حسب قدرة أصحابها على النشر والتجديد وإضافة كتب جديدة، وامتلاك حسابات تحظى بمتابعين كثر على شبكات التواصل الاجتماعي، أو المقدرة على إنفاق مبالغ للدعاية والتسويق لهذه المواقع لكن هذا يندر.

وتعد قضية الملكية الفكرية من أهم إشكاليات هذه المنصات، ففي هذه الشبكة الواسعة غير المحدودة الأطراف ومجهولة المعالم تنتهك حقوق قطاع واسع من المؤلفين وأصحاب الحقوق، فقد يبدع الأديب أو العالم نصًّا أو دراسةً ويقدمها لدار نشر تأخذ مجهوده بحجة عدم الربح، أو حالة سوق القراءة المتردية، وبعدها بأيام يجد كتابه مأخوذًا منه نسخة منشورة في المواقع ويتم تحميلها آلاف المرات دون أن يحصل على حقه كمؤلف على نسبة من هذا العائد، ويمتد هذا ليشمل دور النشر والورثة وغيرها من أشكال حقوق الملكية الفكرية التي تم انتهاكها وتضييع نسبة واسعة من الأرباح عليها، كانت لو تم جمعها بصورة مشروعة لصاحب الحق لأسهمت في تعزيز وتطوير المجال الثقافي بدلًا من انتقال هذه الأموال لغيرهم من الهواة الذين يهدفون للربح فقط، لكن هذه القضية لا تخص الكتب فقط، وإنما تشمل كل أنواع الإنتاج والإبداع المكتوب أو المرئي أو المصور في مجالات الفن والموسيقى.

هذا الواقع الفوضوي، يوجب على القائمين على هذا القطاع ابتداع أساليب ومنصات أخرى تجعل من نشر الثقافة عبر شبكة الإنترنت مجالًا ضخمًا وخصبًا للجيل العربي الجديد، وتكون فيه الشبكة منارة تشع على عصر من الجهل والأمية، دون المساس بحقوق أصحاب الفكر والإبداع، بل وإدماجهم مباشرة في هذا القطاع المتنامي، حيث يمكن أن يسهم ذلك في تحويل عملية النشر التقليدي في كتب ورقية إلى النشر الإلكتروني بما يفرضه ذلك من قواعد وأسس جديدة لتنظم العملية، كايجاد طريقة عربية موحدة لتسجيل أرقام الإيداع للمؤلفات المختلفة ونسب الحقوق لأصحابها، وإيجاد شكل يمكّن أصحاب الحقوق من الشكوى والاعتراض، ويفضح أيضًا السرقات العلمية والأدبية، وينسب كل حق لصاحبه.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الثقافة, الكتب
عرض التعليقات
تحميل المزيد