هذا هو السؤال الأخطر الذي يجب أن نبحث له الآن عن إجابة حاسمة، ولا نتوه ونغرق في مناقشات عقيمة، ومناظرات فارغة تزيدنا حيرة.

والجواب: إن لدينا «إرهابيين» قد تشكلت عقولهم، وصاروا هم أنفسهم قنابل موقوتة قد أُعدت وجُهزت للانفجار في وجه الجميع، عندما تأتي اللحظة التي يُضغط فيها على الزر. هؤلاء لا أمل في مناقشتهم بالحسنى والحجج العقلية التي تبين لهم أخطاءهم وخطيئاتهم، هؤلاء «الإرهابيون» يجب معاملتهم كما تُعامل القنابل الموقوتة التي تُخبأ بعيدًا عن الأنظار.

إذن المطلوب البحث عن هؤلاء الإرهابيين، واقتفاء آثارهم والإمساك بهم قبل أن ينفجروا، بالضبط كما يُبحث عن مكان القنابل وتفكيكها قبل أن تحدث آثارها المدمرة.

وهذا ما يعني ضرورة رفع مستوى الأجهزة الأمنية، خاصة في مجال «المعلومات» من أجل أن يتم إحباط الهجوم الإرهابي قبل أن يقع. ويفضي بنا هذا إلى إدراك ضرورة إجراء تغيير «هيكلي» عميق في أجهزة الأمن لكي تقوم بدورها المقدس في حماية الوطن والمواطنين، فلا تقوم بالقبض على عشرات بل مئات المتظاهرين أو ملاحقة النشطاء السياسيين، بينما تترك الإرهابيين يعيثون فسادًا، مع إقرارنا اليقيني التام بأن الإرهاب سيظل يطل برأسه من حين لآخر، فإنه سيبقى ما بقي الشر أو الشيطان يعمل.

ولكن الإرهابي كان إنسانًا قبل أن يتحول إلى وحش يدمر نفسه والآخرين.

والسؤال كيف ينحدر الإنسان لكي يُصبح إرهابيًا؟َ

وهو ما يعني: كيف نجفف منابع الإرهاب؟ كيف نمنع أو نحمي الشباب من الدخول في مصيدة الإرهاب؟

والجواب: إن خطوات التردي إلى هاوية الإرهاب تبدأ بالقهر، ثم الإحساس بالظلم، والاثنان: القهر والظلم، يفضيان إلى الإحباط واليأس من الحصول على حياة طيبة تليق بالإنسان.

وهنا يكون الإنسان أمام هاويتين: إما الانتحار «تدمير النفس» أو تدمير الآخرين، الذين كانوا – في رأيه- سببًا فيما آل إليه.

وعند هذا المنحدر يأتي الفكر «الخطاب» الديني المنحرف الذي يسول له قتل نفسه وقتل الآخرين، باعتباره شهيدًا واعتبارهم كافرين أعداءً لله يستحقون عقاب الله، الذي سيتولى الإرهابي بنفسه إنزاله عليهم، لأنه تنفيذ –بوهمه- الإرادة الإلهية، أو يندمج بذاته مع الذات العليا «سبحانه وتعالى».

إذن خطوات تجفيف منابع الإرهاب هي:

1- إزالة أسباب القهر.

2- إذابة الإحساس بالظلم.

3- إشاعة الأمل في الحصول على حياة طيبة تليق بكرامة أبناء آدم.

4- جديد الخطاب الديني، أي إصلاح أخطاء التراث الديني التي وقع فيها السابقون.

*1* والقهر هو منع الإنسان من التعبير عن اختياراته، ومن ثم فإن إزالة أسباب القهر لا تعنى شيئًا سوى تمكين الإنسان من ممارسه حقوقه، أي ممارسة حرياته التي كفلها له الدستور وكافة الوثائق الإنسانية «حرية الفكر والتعبير والبحث العلمي وحرية الاعتقاد والعبادة، والتنقل، والعمل،…» والشريعة الإسلامية.

*2* وإذابة الإحساس بالظلم لا يعني سوى اتخاذ إجراءات قوية وفعالة في مجالات تحقيق العدالة الاجتماعية «تكافؤ الفرص في التعليم والحصول على الخدمة الصحية وفرص العمل، …» وتحقيق سيادة القانون بأن يكون جميع المواطنين – فعلاً- سواء أمام القانون وأن يتم احترام أحكام القضاء بلا مماطلة. هل نحتاج إلى قول: إن الحكومة المصرية تضرب المثل السيئ للشعب في عدم احترام أحكام القضاء؟!

*3* وأما إشاعة الأمل في الحصول على حياة طيبة، فتتحقق بتجفيف الأعباء الثقيلة التي تطرحها الحكومة على كاهل الناس في جميع مجالات المعيشة، وتيسير الإجراءات اللازمة للحصول على شتى الخدمات.

*4* ويأتي أخيرًا وليس أولاً تجديد الخطاب «الفكر» الديني، الذي من الواضح أن الحكومة المصرية ومؤسستها الدينية الرسمية «الأزهر» لا تعرف الطريق إليه.

وتجديد الخطاب الديني لا يعني – باختصار شديد– سوى «تربية» الإنسان المسلم على أن الناس – كما ينص القرآن الكريم- سيبقون مختلفين، ومنقسمين إلى كافرين ومؤمنين، وأن محاولتهم صبهم في قالب واحد «أمة واحدة» ليست إلا ضربًا من الجهل بالحقيقة الإلهية، وأن القتال «الجهاد» في الإسلام لم يُفرض إلا للدفاع عن حق المسلمين في اختيار دينهم، وكل ما اخترعه الفقهاء بعد ذلك من جهاد الدفع وجهاد الطلب وغير ذلك من المصطلحات ليس إلا أوهامًا فرضتها الظروف التاريخية «الزمنية أو الدنيوية» التي عاش فيها أولئك الفقهاء والمفسرون بسبب عجزهم عن فهم حقائق الدين الثابتة والصالحة لكل زمان ومكان.

وفي سبيل تحقيق التجديد الحقيقي للخطاب الديني لا بد أن تسقط أساطير مثل أسطورة حد الردة، وأسطورة الخلافة الإسلامية «إنشاء دولة إسلامية واحدة تبسط سلطانها على كل المسلمين في شتى أنحاء الكرة الأرضية»، وغيرها، وقد ناقشنا كل ذلك في مؤلفاتنا السابقة «الحريات العامة والحقوق السياسية في القرآن والسنة، وشرعية الأحزاب السياسية في القرآن والسنة، وما معنى تجديد الخطاب الديني» فلا مجال هنا للمزيد!

أما إذا سارت حكومتنا على طريق المزيد من تشديد القبضة الأمنية وتكميم الأفواه والتضييق على الناس، فلنكن على يقين من أننا نسير في الطريق الخاطئ، فإن ضرب المربوط لن يُسفر إلا عن زيادة السائب وقوته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد