في واحدة من الأساطير الإغريقية للكاتب إيسوب Aesop اسمها الذئب والعنب والتي تحكي عن ذئب كان يتضور جوعًا، وحينما كان يسير رأى عناقيد عنب تدلى من شجرة عالية، حاول الثعلب أكثر من مرة القفز للحصول عليه، ولكنه لم يفلح، وبعد الكثير من المحاولات الفاشلة، سار مبتعدًا وهو يرفع أنفه للأعلى ويقول على كل حال لا أريد العنب فهو لم ينضج بعد ومن المؤكد أنه حامض.

تشبه القصة حال كثير منا، فكلنا نتعرض بصورة دائمة لبعض العقبات خلال مسيرة حياتنا إن كان على المستوى الاجتماعي أو المهني أو الدراسي وخلافه، كلها عوائق من الممكن أن نقابلها بصورة دائمة في مراحل حياتنا المختلفة، ولكن قليلًا ما نود أن نشعر بالفشل، وأننا كنا مقصرين أو قمنا بفعل الأشياء بصورة خاطئة، وهي ما أدت لما نحن عليه الآن، كل ذلك يرجع إلى طبيعتنا التي اعتدنا عليها منذ القدم ومنذ ظهر الإنسان على الأرض فنحن في تنافس مستمر بين بعضنا البعض، وكأنه تنافس على البقاء، حتى وإن كان ذلك التنافس في نهاية الأمر معنويًا، ولكننا لا نقبل في كل الأحوال خسارته، حتى وإن كان سيصبح ذلك مخالفًا لقواعد التنافس بأنه من المؤكد سيكون هناك فائز وآخر خسر فنلجأ حينها إلى وسائل مختلفة من الهروب، والتي عادة ما تكون بإلقاء اللوم على أشياء ليست طرفًا أبدًا في المعادلة، وليس لها أية علاقة بما حدث، ولكنها تفي في النهاية بالغرض بأننا ما زلنا فائزين حتى، وإن لم ير ذلك غيرنا.

الهروب من المواجهة

ما ندور حوله هو ما عرف بآليات الدفاع النفسي Psychological defense mechanisms وهي ما نعرفه بأن الشخص قد قرر البحث عن شماعة ليعلق عليها فشله، بدلًا من الوقوع في معضلة مواجهته، وإحدى تلك الآليات هي ما يعرف بالعقلنة Rationalization أو كما نطلق عليها التبرير تلك الوسيلة التي تعتمد على أن نكذب على أنفسنا أولًا قبل أن نعلن تلك الكذبة إلى المحيطين بنا، ولكن حتى تتمكن تلك الكذبة بأن تنطلي على عقولنا فيلزم منطقيتها.

لنأخذ على سبيل المثال موقف الطالب الذي رسب في أحد امتحاناته، فبدلًا من مواجهة تقصيره أو قيامه بعدد من الأشياء بصورة خاطئة أوصلته إلى فشله في اجتياز تلك العقبة سيبدأ بالبحث عن المبررات التي قد تخرجه من ذلك المأزق ويحاول مع كل احتمال يصل إليه أن يقيس منطقيته، فلن ترى طالبًا يقول بأن الامتحان كان صعبًا لأنه يعلم أن الكثير قد نجح في اجتيازه، وحينها سيكون أمام الجميع بالصورة التي يحاول الهرب منها، فيبحث عن الأشياء الأخرى التي تحافظ على صورته، بل تكسبه عدد من المؤيدين والداعمين له، فقد يستعين ببعض الأخبار مثل «احنا أصلا المركز قبل الأخير في جودة التعليم» قد لا يكمل قراءة ذلك الخبر، ولكن يكفي أن يستخدمه كما وصل إلى كل من حوله دون أن يبحث أحد أن ذلك التقييم في الأساس كان على التعليم الابتدائي فقط، ولكن كما قال مارتن لوثر كنج جونيور الابن، لا يوجد ما هو أشد خطورة من الجهل بصدق أو الغباء بضمير، حتى وإن كان ذلك في مثالنا هو أمر لا يضر أحد، ولكن يكفي أنه استطاع بتحويله إلى سلاح يدعم بيه حجته، أو على سبيل آخر يقوم باستخدام عدد من الأمثلة لأشخاص مروا في احدى مراحل حياتهم بمثل عقباته، ولكن انتهى بهم الحال بالنجاح والشهرة والتميز في مجالاتهم؛ ليجعل الجميع ينظر له بأنها ليست نهاية عالمه، وأنه لم يفشل، بل هو في طريق ازدهار نجاحه، ولكنه أيضًا لم يعبأ بالبحث عن اختلاف الظروف والوقت بينه وبين هؤلاء فلم يسأل نفسه حينما فشل هؤلاء ماذا كانوا يفعلون وقتها وهو ما أثر عليهم، ولكنهم نجحوا فيه.

أما بالنسبة لواحدة من الآليات الأخرى للدفاع النفسي هي الإسقاط Projection وهي تعتمد على مبدأ الهجوم والاختباء خلفه فإن كان الشخص فاشلا في دراسته، ولكنه يتميز في مجالات أخرى، فيتجه إلى أن يلقي بالفشل على كل من حوله في مجالات تميزه وأنه أفضل منهم فيها حتى وإن كان ذلك خارج سياق الموضوع المطروح، ولكن الأهم أن يعلن نجاحه ويحافظ على صورته بتصغير كل من حوله دون أن يعطي اهتمامًا لفشله هو، أو من الممكن أن يأخذ نهج آلية أخرى، وهي التنسك Hermitage عن طريق أن يحاول إظهار بأنه فشل بإرادته فهو لم يكن من الاساس يبحث عن ذلك النجاح؛ لأنه كان يحمل اهتمامات أخرى تعنيه أكثر من تلك التي فشل في اجتيازها.

هل ينجح الفشل؟

كل تلك وغيرها وسائل يحاول بها كل شخص منا أن يهرب من مواجهة فشله الأهم أن يحافظ على صورته أمام نفسه -حتى إن لم تكن كاملة- وأمام الأخرين بأكثر صورة مقنعة لذاته، وهو ما يعبر عنه مبدأ التنافر المعرفي Cognitive dissonance وهو ما يعبر عن أننا كبشر من الصعب أن نقتنع بهزيمتنا أو عجزنا في القيام بأي شيء فنتجه للحل الآخر، وهو بتزييف الحقائق حتى وإن كان على أنفسنا بدلًا من مواجهة ذلك الواقع، وهو اللي اتكلم عنه سيجموند فرويد في كتابه المدخل إلى التحليل النفسي، بأن الهروب Escapism واحد من أهم آليات الدفاع النفسي للخروج من أية مشكلة نفسية ممكن للشخص أنه يقابلها خلال حياته.

ولكن كل تلك الوسائل لا تتعدى دورها بأنها للدفاع النفسي وينتهي دورها بعد ذلك، فستظل الأزمة كما هي ولن يتمكن
ذلك الشخص من عبور العقبة التي واجهته، بل من الممكن أن يتمرد عليها ويتمسك بفشله، بدلًا من تصحيح مشاكله لعبورها، فعلى سبيل المثال هو يعلم يقينا أن جودة التعليم سيئة، ولكنه يعلم أنها تؤدي في النهاية بعض الغرض الذي خصصت من أجله، وإلا ما كان نجح كثيرون فيه، أو ألا يعير انتباه لاختلاف ظروفه عن تلك الأمثلة التي يقتضي بها فلا ينظر إلى تسارع قطار الاكتشافات والانفتاح الثقافي والعلمي بين وقتهم ووقته الآن وأنه مقارنة بهم لم ينجز شيئا مما أنجزوه وأن العالم تغير الآن، أو يتهرب من التعليم وراء اهتماماته الأخرى والتي يرى فيها نجاحه وتميزه دون النظر أن تميزه فيها دون امتلاكه للخلفية المعرفية فيها لن يجعله قادرًا على تحريك ساكنًا، فكل تلك الأمور إن لم يلتفت إليها ستعظم أمام عينه تلك الشماعة الكبيرة ليظل معلقًا عليها كل مرات فشله في عبور أية أزمة قد تقابله، فإن كنت أنت هذا الشخص فعليك أن تصارح نفسك أولًا بفشلك لتتمكن من مواجهته وتخطيه، فيمكنك حينها أن تصنع نجاحك ليدعمك الآخرون وكل من حولك فيه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد