بحار الدنيا كلها لا تكفي، ولن تقدر على إغراق سفن الحياة، إلاَّ إذا تسلل الماء داخلها بإذن الله سبحانه وتعالى. كذلك الفشل لا يستطيع السيطرة على أبواب الرحمة ونوافذها، إلا إذا تسلل التشاؤم إلى النفس الأمَّارة بالسوء. بمعنى أدق حتى معجزات اﻷنبياء صلوات ربي وسلامه عليهم، ربطها ﷲ عز وجل بـالعمل، فلا تنتظـر أي نجاح بدون عمل، ولهذا اضبط المنبه جيدًا هذه المَرَّة، فكل نفس نتنفسه فوق هذه الأرض، يستحق مِنَّا جميعًا اليقظة والانتباه. هنا سنفتح قوسًا صغيرًا جِدًّا لنقول؛ أن القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة علمتنا الإصلاح، وحثتنا وأوصتنا بعدم الإفساد في الأرض. ومعنى الإفساد هنا؛ هو إخراج الشيء الصالح والرائع، عن روعته وصلاحه.

أما الإصلاح في العموم، هو أن تزيد الصالح صلاحًا، والجميل جمالاً، أي أنه يجب على الإنسان المُتَّزِن الصالح والسَّوِي، عند استقباله للحياة بما فيها من أنظمة كونية رتيبة، وبما فيها كذلك من عطاءات لاستبقاء النفس البشرية دون تَرفِها، فالذي يبقي الصالح على صلاحه يدخل ضمن فئة معينة من الصالحين، أمَّا الذي يزيد الصالح صلاحًا فهذه مرتبة أخرى، ومقام آخر، إذًا بطولتنا نحن في هذه الحياة، هي استقبال نعم الله الكثيرة والعظيمة الموجودة فينا وفي مَنْ حولنا دون إفسادها، حتى تستطيع مساعدتنا على تأدية مهامنا، وهذا أضعف الإيمان، وإن شئنا استعملنا ملكة العقل المخلوق لله، بالطاقة والقوة المخلوقة لله، في المادة المخلوقة لله سبحانه وتعالى، ليزيدها صلاحًا فلنفعل دون كسل أو تردد.

لهذا سنقول ما تعلمناه مِن عُلَمائنا الكرام الأفاضل؛ ومعناه أن من بنى شخصيته، وزاد من معرفته، وقوم اعوجاجه، سيكون قد جاء للصالح فزاده صلاحا، وإن زاد، يكون قد زاد هذا الأخير صلاحا، إذ نستنتج مِن خلال هذا كُله؛ أن شر الناس من يأتي للصالح في ذاته، فيفسده أو يزيده فسادًا، وهؤلاء نوعين؛ فمنهم من يفسد، وهو يعلم أنه يفسد، وهذا أقربهم إلى الإصلاح من الآخر، إذ يمكن إقناعه بالعدول عن أخطائه، فيصحح مسار حياته برمته، لكن الذي يفسد ويدعي الإصلاح، فهذا أخطر الناس، وأصل المصائب في هذا الكون العظيم.

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم في سورة الكهف: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)) صدق الله العظيم. وهذا هو الفساد الحقيقي بعينه، وهذه هي خصال المنافقين كما أخبرنا المولى عز وجل في سورة البقرة: (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون) صدق الله العظيم. لأن شغلهم الشاغل في هذه الحياة، هو إعانة غيرهم على الإيمان الكاذب، بالمعرفة الخاطئة المضللة، ووضع جميع العراقيل، في سبيل إحقاق الحق، لإقرار الباطل وتعميمه.

أمَّا الأن فسنضطر وإياكم إلى غلق هذا القوس الصغير الجميل، والمضي قدما في صلب الموضوع، الذي توكلنا على رب العرش العظيم، في طرحه ومعالجته. إذ بعد إخلاص النية وروح النية، وبمجرد تحديد الهدف الذي نريد تحقيقه، يجب علينا الاستمرار في توليد المناخ المحفز على التغيير، وذلك بواسطة سلسلة ضخمة جدًّا من الخطوات الواضحة والجَبَّارة.
أولاً وقبل كُلِّ شيء؛ يجب علينا خلق علاقة، إذ على الرغم من أننا حددنا هذا المفهوم سابقًا، عندما تحدثنا عن أركان البرمجة اللغوية العصبية، إلا أنه لا يضر أبدًا الإعادة، التأكيد والإصرار على ذلك مِن جديد. من أجل تحقيق القبول والمردوديَّة في العلاقات العامة بين الناس، وتوثيق النجاح في المال والأعمال. إذ من الضروري إنشاء علاقات جيدة ومتوازنة، حتى نتمكن من الوصول، إلى المعلومات المُساعدة على التغيير، دون أي مقاومة. حيث نستطيع حينها الإعلان عليها للعموم، فقط عند الشعور بمزيج من الثقة الظاهرة، والاحترام المتبادل. أي التعبير الواضح والصريح عن اللغة اللفظية، وغير اللفظية، وذلك بأكبر قدر ممكن مِن الجُمل والعبارات، لا سيَّما مع الأشخاص الذين تجمعنا معهم علاقات مباشرة.

لهذا يمكننا القول أن الجميع لديه تجربة ما؛ تجمعه بها مِن البداية مُجريات الحياة، مع أناس سيشعر عند الحوار معهم، وكأنه يشاركهم الأذواق، ويقاسمهم الصِلات، وحتى السٍّمات الشخصية. إذ من السهل وقتها التذكر في المستقبل البعيد، وكيفيَّة وتفاصيل هذا التواصل بسهولة تامَّة، دون الشعور بالعَياء، أو النُّفور، أو الملل، أو الشك. خصوصًا عندما يتعلق الأمر بتجربة كبرت وترعرعت في أحضان الثقة، ولو مع قلة وقت الاتصال. لأن الجديد، والمختلف، يعتبر دائمًا، مِن الأشياء التي تثير الخوف والريبة، بينما ما هو معروف، ومألوف، يجعلنا نشعر بالراحة والاطمئنان.

لهذا فإن مفتاح تأسيس العلاقات الجيدة والناجحة، يتطلب السرعة في التكيف، والتجاوز الفعلي للقبول البسيط، والسعي وراء امتلاك شَفَرات اللغة اللفظية، وغير اللفظية. هذا يعني أننا سنحاول استخدام تعبيرات مُعقَّدة مشابهة لتلك التي يستخدمها محاورنا، وكذلك مجموع الكلمات الموجودة ضمن نظام الإدراك الحسي المفضل لديهم. إذ؛ سوف نستخدم نغمة صوت قريبة من تلك المستخدمة من طرفهم، مع المحاولات المتكررة في التنزيل، قصد إعادة إنتاج إيماءاتهم بطريقة سِرِّيَّة. ففي المقام الأول، سنبدأ بتقنية المِرْآة؛ التي تتكون في الغالب من الإنعكاس؛ أي التعبير قدر الإمكان بطلاقة عن كل أنواع وأشكال اللغة اللفظية وغير اللفظية، مما سيعكس حركاتهم، وطريقة وقوفهم، وجميع إيقاعاتهم. مع الانتباه، التركيز والدِّقة في التطبيق، حتى نتمكن مِن اللعب عن جدارة واستحقاق، دَوْر المِرْآة في العقل الغير الواعي للطرف الآخر. بمعنى أدق يجب أن نخلق علاقة تشابه حقيقية بيننا، لأنه بهذه الطريقة يصبح من السهل جدًّا إنشاء روابط مثينة، تجعل محاورنا يشعر بالاحتواء، الاحترام، التقدير والأمان.

إذًا داخل عمليَّة الانعكاس هذه، نجد ما يسمى بالاقتران أو السرعة، وهي عملية تكيُّف جوهرية. لهذا يجب حصول الاستمتاع بتفاصيل التفصيل، وملاحظة الأفعال، وتدوين الأقوال، لتبسيط عملية التبني في طريقة الكلام وتعبيرات الوجه، والالتزام بالإدراك الواعي لشفرات اللغة غير اللفظية، وتقليدها ببراعة، والوقوف كذلك على المستندات اللفظية التي يستخدمها، لاستعمالها في الوقت المناسب، والعمل على تكييفها مع نبرة الصوت والإيماءات والمواقف وغيرها. مع الحرص الكبير والدائم على التصرف دائمًا بأقصى قدر من السرية، والصبر والاحترام المتبادل، أي دون الوقوع في الغرابة، وتجنب الاستهتار الذي يجعل الأمر واضحًا، أو متصورًا من قبل العميل.

لذلك، يُنصح بالقيام بذلك، بالقليل من التأخير، أو بحركات تختلف نوعًا ما عن تلك التي يقوم بها الشخص، وهو ما يسمى بالانعكاس المتقاطع، أي إذا لامس المحاور وجهه، يمكننا لمس الرقبة، ومداعبة الشعر بيد واحدة، أما إذا كان يحرك رأسه، يمكننا تحريك الأصبع بنفس الإيقاع، وإذا وضع ربطة العنق، نحن سنلبس السُّتْرَة، وهكذا. إذ لا يوجد شيء يكسر العلاقة بسهولة أكثر من التقليد البليد الأعمى. لهذا فإن الانعكاسات المتقاطعة هي الخيار الأفضل لإنشاء نغمة مشتركة وفعالة، إذ يتم التقاطها من خلال اللاوعي فقط.

بمجرد تحقيق التكيف، سنقوم بإدخال تغييرات مهمة، عن طريق تعديل طفيف في بعض العناصر التي قمنا سابقًا بنسخها، للسماح للمحاور بمتابعتنا. الأمر الذي سيقود الاستراتيجية وإياه بلطف وسلاسة، في الاتجاه الجديد. الذي سيُمَكِّننا مِن التحقق مِن أننا مؤهلين فعلاً لتحقيق ذلك على أرض الواقع، لاسيما إذا أخد الطرف الآخر زمام المبادرة دون وعي، وبدأ بإعادة إنتاج حركاتنا أو مواقفنا والتكيف معها.

فعلى سبيل المثال؛ إذا كنا نتحدث بطريقة مرتفعة قليلاً، سنعمل على تخفيض نبرة صوتنا تدريجيًّا وننتظر أن يخفضها هو كذلك، ثم نقلص مِن معدل التنفس، إلى أن نلاحظ أنه يسقط التجربة بِرُمَّتها على نفسه، كما يمكننا أيضًا تقديم كلمات من نظام إدراكي آخر، قصد التأكد من أنه فعلاً بدأ في استخدام مستندات من هذا النوع. وبالتالي فإننا نَحُثّه وندفعه بشكل غير محسوس، إلى أحضان نشوة طفيفة، وبمجرد اكتساب الثِّقة اللازمة، يمكننا توجيهه، وإدخاله في عملية التغيير. إن إحداث هذه السلسلة مِن التغيِيرات في محاورنا، ستمكننا لا محالة من إظهار التغييرات التي نرغب في الحصول عليها، وهذا ما يسمى بالريادة أو القيادة. لكننا نُصِرُّ ونؤكد كذلك على أنه لا يمكن أن يحدث أي شيء مِن هذا القبيل، إذا لم ننجح في تحقيق الريادة والسبق عند الكلام على بناء وتشييد ركائز علاقات مستمرة وقوية، بالسُرعة المطلوبة والمناسبة.

لكن؛ لَمَّا تُلقي نظرة خاطفة على حال بعض الشباب، تجد معضمهم بعيدين كل البعد عن الطاقات الحقيقية الكامنة في داخلهم، وغير مدركين لقيمة الوقت وأهمية المرحلة وحساسيتها، بل الأخطر من كل هذا على الإطلاق هو أن تجد معظمهم مصابين بمرض الوهن، والشلل الفكري التام، الذي يتغذى ويترعرع من التشاؤم والأحكام المسبقة المسرطنة للعقل والفكر، القاتلة للأحلام.

إلا أنه رغم أن حالهم وحال هذا الوقت الذي أصبح الشماعة التي يعلقون عليها فشلهم الفكري الذريع، لكننا نعتقد أن هذا الوقت أحسن بكثير وعلى جميع المستويات من حال وظرورف الأجيال السابقة، كما أن هذا الفشل الشديد السواد، ناتج عن مجموعة لا بأس بها من العوامل المتداخلة، إلا أن أهمها على الإطلاق هو الجهل الكلي بالنفس والذات، وما هو إلا تحصيل حاصل للجهل بالخالق سبحانه وتعالى.

لأن بناء الذات يتطلب وجود استراتيجيات متطورة ومتنوعة، متوسطة وبعيدة المدى، مع الابتعاد قدر الإمكان عن ردود الأفعال اللحظية، والعمل على تنويع المصادر، وامتلاك قناعات فكرية مرنة ومنسوخة، حتى نستطيع ظبط السلوك، ومساعدة العقول وترويض المشاعر والترويح عنها. إنطلاقا من العقيدة الثابتة، المبادئ الراسخة، الطموح المعقول، الحَسم المتزن، والرغبة الملحة في السطوع والتوهج، عندها فقط سيظهر المنشود، ويتحقق المراد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد