في كلِّ حادثة إرهابيةً ضد المسلمين أو ضد غيرهم من أبناء الديانات يبرز الجدل العقيم (جدل الإرهاب) كثير من سياسات هذا العالم الظالمة تربط الإرهاب بالإسلام، بينما يُثبت الدين بنفسه وبقوته الكامنة في تكوينه الذاتي أنه رحمةٌ للعالمين. إلا أننا في ظل هذه الموجة من الإستقطاب التي تصاحب كل حدثٍ إرهابي لابد أن نقف مع الكثير من المفاهيم الدائرة حول هذا الأمر. ونتحدث اليوم في ظلال حادثة الإرهاب الشنيعة التي ارتكبت ضد المسلمين في مسجدين بنيوزيلندا وراح ضحيتها أكثر من 40 مسلمًا.

نحاول أن نسلط الضوء على أن الإرهاب لا دين له، وأن المسلمين ليسوا إرهابيين كما يحاول أن يصفهم قادة من دول الشر التي تحسد انتشار الإسلام وتغوله في الداخل الأوروبي والأمريكي والروسي، وحسدًا وحقدًا نابعًا من أهوائهم ضد هذا الدين الذي يمتلك قوة روحية وفكرية عظيمة تنسجم مع فطرة البشر فتهواه البشرية وتهوي إليه أفئدة الناس في مشارق الأرض ومغاربها.

أولًا: الإسلام دين القسط والرحمة

لقد جاء هذا الدين ليقوم الناسُ بالقسط والعدل والحق فلم يأت الإسلام لمحو الديانات والمعتقدات بالسيف، ولم يأت كذلك ليجعل من المسلمين أمة ضعيفة يتحكم فيها القاصي والداني ويسفكون دمائها وهي ذليلة فالإسلام ليس دين السيف ولا دين الخشب، ليس دين الذلة ولا دين العصابة، ليس دين الإرهاب ولا دين المسكنة، بل هو دين القيام بالقسط وإحقاق العدل، كما قال الله تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (الحديد 25).

ثانيًا: ليس للإرهاب علاقة بالديانات ومن واجب المسلمين أن يقاتلوا من يقاتلهم

لقد نهى الله سبحانه وتعالى عن الاعتداء على الناس بغير حق مهما كانت ملتهم ومهما كانت نحلتهم وأمر بالاعتداء على المعتدين، وأمر الله سبحانه وتعالى المسلمين بالقتال صونًا لدماء أنفسهم ودماء غيرهم من أبناء الديانات، والعلة من القتال ليست الكفر، بل الظلم، وليس من الإسلام الاعتداء على الناس وفقًا لديانتهم، وليس من الإسلام كف الاعتداء عن المعتدي مهما كانت ديانته. وما أعظم عمر المختار لما سألوه: إن الإيطاليين يقتلون أسرانا فلماذا لا نقتل أسراهم؟! فقال : إنهم ليسوا قدوة لنا.

فالإسلام هو دين الحق ودين القيام بالقسط ولا يليق بدين الحق أن يكون متبعيه بنفس أخلاق مخالفيه في الندالة والظلم والقبح، لقد جاء الدين بالقتال دفعًا للمظالم لا تشنيعًا بالبشرية وواجب المسلمين أن يمتكلوا ترسانتهم العسكرية حتى لا يكونوا لقمة سائقة في أيدي القوى البشرية الضالة كما واجبهم أن يصونوا دماء البشرية كلها ويدافعوا عن الحق بهذه القوة لا أن يكونوا منخرطين في نفس انحرافات البشرية في المظالم وهكذا هو الدين.

ويجدر بي أذكر هنا تغريدة للمفكر والكاتب الفلسطيني المسيحي عزمي بشارة الذي لطالما تمنيت إسلامه دومًا، يقول فيها معلقًا على الجريمة الإرهابية النكراء في حق مسلمي نيوزيلندا حيث قال: ‏تبين المجزرة المروعة التي نجمت عن عمل إرهابي مقصود بحق مصلين آمنين في بلد آمن، صور وبث بصيغة لعبة فيديو، أن الحقد والكراهية باختلاطهما مع التقنيات الحديثة وحب الاستعراض، قد يصل حد الهوس المرضي، ولذلك لا يجوز اعتبارها مرضًا أو جنونًا، بل حقدًا وعنصرية وصلا حدًا مرضيًا.

ثالثًا: قلبُ الحضارة الإسلامية

تحدث الدكتور الشنقيطي في كتابه الصادر حديثًا – الأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية – عما أسماه بقلب الحضارة الإسلامية، وهي المنطقة التي تحوي الدول العربية وتركيا وبلاد فارس ليس تميبزًا لبقية المسلمين، بل لدور هذه المنطقة الكبير في التأثير على بقية العالم الإسلامي لبعدها السياسي والديني كذلك فدينيًا جميع مقدسات المسلمين هي في هذه المنطقة (مكة – المدينة – القدس). وكذلك سياسيًا وتاريخيًا لم يُحكم العالم الإسلامي إلا من هذه المنطقة. ولذلك فحال هذه المنطقة السياسي والديني ينعكس على بقية العالم الإسلامي، أي أن المعضلات التي تعاني منها الأمة في قلب الحضارة الإسلامية أو ما يسمى حديثًا بالشرق الأوسط تلقي بظلالها على بقية العالم الإسلامي، فلو كانت الشعوب العربية والتركية والكردية وغيرها من المكونات في هذه المنطقة مذلولة يتحكم فيها مستبدين يخنقون إرادتها سينعكس ذلك على بقية الجسد الإسلامي.

وكان الشنقيطي يقول: إن العرب كانوا سيف الإسلام في مرحلة الاندفاع، والترك كانوا درع الإسلام في مرحلة الدفاع، والفرس كانوا قلم الحضارة الإسلامية.

فاستضعاف الشعوب التي قام فيها الإسلام أول مرة يقابله استضعاف للشعوب المسلمة في بقية العالم مثل نيوزيلندا وأفريقيا الأوسطى وبورما وغيرها لبُعد هذه الشعوب السياسي والديني على العالم الإسلامي وقد ذكر الدكتور الشنقيطي في تغيردة له عن حدث نيوزيلندا الإرهابي كأنه يشير لمضمون كلامة عن قلب الحضارة الإسلامية وقال: حين يحقق المسلمون العزة لأنفسهم في بلاد الإسلام، سيحترم الآخرون دماءهم خارجها. أما حين يخضعون للذل في ديارهم على أيدي الأنذال من حكام الجور والعمالة، فلن يقيم الآخرون لدمائهم وزنًا. رحم الله شهداء المِحْراب في ⁧‫نيوزيلاندا‬⁩، ولعن الله قاتلهم والمحرض عليهم.

أخيرًا: أسقطوا طواغيت العرب يُحترم المسلمين

إن العالم الظالم المجرم لا يقيم وزنًا لشعوب ذليلة تحت وطأة مستبدين قتلة، وهذا العالم الظالم لا يفهم أن الإسلام دين سلام لذلك شرع الله القتال وسن الله أن يكون المؤمنين أقوياء حتى يكونوا أعزة لا دراويش، ولذلك لن ينتهي الهزل بدماء المسلمين ولصق تهمة الإرهاب بهم وتبرئة قتلتهم حين يوغلون في دماء المسلمين، إلا إذا حقق المسلمون ذواتهم في أوطانهم الأولى التي قام فيها الإسلام أول مرة وأقاموا امة ذات شأن ينتخبون حكامهم ويحاسبوهم ويعزلونهم بالشورى، وعندما يكون للمسلمين عزة في اتخاذ قرارهم وحريتهم وكرامتهم، فلن يتجرأ أحد على وصمهم بالإرهاب، فالظالمون يخشون من بيده السيف والفكرة لا الدرويش الذليل.

وكما قلنا فإن المعركة اليوم هي معركة الربيع العربي وهو قلب الحضارة الإسلامية. والواجب أن تكمل الشعوب حريتها وقراراها من إيدي العملاء العرب الطواغيت الظلمة، وتتخذ لها حكامًا يحترمون كرامتها فتحاسبهم وتعزلهم وتختارهم وحينها لن يتجرأ أحد على أمة عزيزة، والفكرة بلا سيف ميتة والسيف بلا فكرة جاهلية. وإن ظلت مكة والمدينة والقدس تحيط بها الأصنام الحاكمة من كل جانب فلن يَسْلم مسلم في العالم من الإعتداء، حرروا مقدساتكم وشعوبكم من الظلمة ونصِّبوا حكامًا تختارونهم وتعزلونهم تكونوا أعزاء.

أختم هنا بأبيات عظيمة للشاعر والفيلسوف الهندي المسلم محمد إقبال:

ﺿﻴﺎﺅﻙ ﻣﺸﺮﻕ ﻓﻲ ﻛﻞ ﺃﺭﺽ

ﻷﻧﻚ ﻏﻴﺮ ﻣﺤﺪﻭﺩ ﺍﻟﻤﻜﺎﻥِ

ﺑﻐﺖ ﺃﻣﻢ ﺍﻟﺘﺘﺎﺭ ﻓﺄﺩﺭﻛﺘﻬﺎ

ﻣﻦ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﻋﺎﻗﺒﺔ ﺍﻷﻣﺎﻥِ

ﻭﺃﺻﺒﺢ ﻋﺎﺑﺪﻭ ﺍﻷﺻﻨﺎﻡ ﻗﺪﻣًا

ﺣﻤﺎﺓ ﺍﻟﺤﺠﺮ ﻭﺍﻟﺮﻛﻦ اليمانِ

ﻓﻼ ﺗﺠﺰﻉ ﻓﻬﺬﺍ ﺍﻟﻌﺼﺮ ﻟﻴﻞٌ

ﻭﺃﻧﺖ ﺍﻟﻨﺠﻢ ﻳﺸﺮﻕ ﻛﻞ ﺁﻥِ

ﻭﻻ ﺗﺨﺶ ﺍﻟﻌﻮﺍﺻﻒ ﻓﻴﻪ ﻭﺍﻧﻬﺾ

ﺑﺸﻌﻠﺘﻚ ﺍﻟﻤﻀﻴﺌﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺰﻣﺎﻥِ

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد