1.

لم يكن يعلم (علي حميد قافز) المزارع صاحب الـ61 عامًا أن اليوم آخر يوم له مع أهله، استيقظ صباحًا كعادته يسمع أصواتًا كثيرة تختلط ببكاء الأطفال، رجال يستبشرون في حديثهم بإمكانية حلف الناتو من حماية أرواحهم وأسرهم من القتل على أيدي ميليشيات النظام، أليس لهذا الغرض جاءوا إلى بلدنا؟

كان على حميد أن يصبر فالبلاء أصاب البلاد، قتال هنا و قتال هناك ولا يوجد مكان آمن سوى بعض القرى النائية، ولحسن حظه كانت قريته ماجر واحدة من تلك القرى حيث تبتعد حوالي 10 كيلو متر جنوبي بلدة زليطن.

 

استضاف علي أقاربه في منزله الكبير المكون من ثلاثة طوابق رحلوا إليه الفارين من القتال في المناطق المتاخمة مثل بني غازي والدفينة ونعيمة، تجمع في منزله أكثر من ثمانون شخصًا من أقاربه في تلك الليلة الغابرة في الساعة الحادية عشرة والنصف من مساء يوم 8 أغسطس 2011 حين سمع دوي انفجار في المجمع السكني الذي يقطنه كانت قد أسقطت طائرات الناتو قنبلة على منزل علي حميد، تجمع أهالي المجمع السكني من أجل انتشال الضحايا كانت الغارة قد خلفت من القتلى المدنيين 14 شخص و أصابت أكثر من 17.
تلك كانت غارة واحدة من أربع غارات في نفس اليوم على نفس البلدة راح ضحيتها عشرات القتلى من الأطفال والنساء.

وفي تقرير لمنظمة (هيومن رايتس ووتش) باسم (قتلى غير معترف بهم) قالت إن في ذلك اليوم قامت قوات حلف الناتو بـ 4 غارات خلفت وراءها عشرات القتلى والمصابين وذلك يعد انتهاكًا لحقوق الإنسان و يندرج تحت جرائم الحرب لسبب عدم التواجد العسكري في المنطقة وطالبت من الدول المشاركة في الحملة بتقديم التعويضات للمدانين ومحاسبة من تسبب في ذلك الجرم.

2.
في عام 2009 صيغت في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة (بان كي موون) في توصيف مبدأ المسؤولية في ثلاث قواعد:

1. تقع على عاتق الدولة المسؤولية الرئيسية عن حماية السكان من الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية والتطهير العرقي، ومن التحريض على ارتكاب تلك الجرائم.
2. تقع على عاتق المجتمع الدولي مسؤولية تشجيع الدول على الوفاء بهذه المسؤولية ومساعدتها في تحقيق ذلك.
3. تقع على عاتق المجتمع الدولي مسؤولية استخدام الوسائل المناسبة الدبلوماسية منها والإنسانية وغيرها لحماية السكان من هذه الجرائم. وإذا ظهر عجز الدولة البين عن حماية سكانها، يجب أن يكون المجتمع الدولي مستعدًا لاتخاذ إجراء جماعي لحماية السكان، وفقًا لميثاق الأمم المتحدة.

فالدولة لم تعد هي فقط من تتحكم في مسألة التدخل في شؤونها، فكان عليها في البداية واجب حماية سكانها، خاصة بعد تزايد أعمال الإبادة الجماعية على يد الحكومات نفسها، فلم تعد حقوق الإنسان ضمن اختصاصات الدولة الداخلية فقط ولكن أصبحت على عاتق المجتمع الدولي أيضًا.

حاولت الأمم المتحدة وضع ضوابط لاستخدام التدخل العسكري أهمها: ألا تكون هناك خسائر في الأرواح على نطاق واسع، تواجد سلطات مناسبة للتدخل من قبل مجلس الأمن، ونية حماية السكان، وعدم اللجوء إلى القوة إلا عندما يكون قد تم بحث كل الوسائل غير العسكرية، التدخل العسكري ليس مطلوب إذا كان يسبب أي خطر على السكان.

 

 

3.

تاريخيًا، قليلة هي مبادئ الشؤون الدولية التي طبقت، ومنها مبدأ ثيوسيديديس القائل إنّ القويّ يفعل ما يشاء بينما الضعيف يعاني كما يفترض به، وثمة مبدأ آخر يقول إنّ كلّ استعمال للقوة في الشؤون الدولية رافقه خطاب منمّق عن المسؤولية الجماعية لحماية الشعوب، وتبريرات مدعومة بوقائع، طبعًا يفضّل القوي نسيان التاريخ والتطلّع إلى الأمام، وهو خيار غير حكيم بالنسبة للضعيف.

الأقوياء وحدهم يحدّدون «نطاق الاختصاص» الذي يخصهم. فـ«الناتو» اعتبر أنّ «نطاق اختصاصه» يشمل البلقان وأفغانستان، وما بعدهما، جاعلًا من «مسؤولية الحماية» سلاحًا للتدخل. لقد بان هذا المستور في النقاش الأول الذي قام في محكمة العدل الدولية منذ 60 عامًا، وتناول حادثة كورفو بين بريطانيا وألبانيا.

لطالما كانت «مسؤولية الحماية» انتقائية، ولذلك لم تنطبق على العقوبات المفروضة من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة على العراق، والصادرة عن مجلس الأمن، والتي اعتبرها «من أعمال الإبادة الجماعية»، وما من احتمال اليوم لتطبيق مسؤولية الحماية على سكان غزة الذين يعتبرون «شعبًا محميًا» في عهدة الأمم المتحدة، و مع ذلك يقتل منهم آلاف المدنيين على يد القوات الإسرائيلية أكثرهم أطفال ونساء وشيوخ جراء القصف الجوي على الأحياء السكنية.

4.

اختلطت عملية تطبيق مبدأ مسؤولية الحماية بين مصالح القوى الكبرى وانتقائية التطبيق وكثرة المردود السلبي لكثير من عمليات التدخل، مثل التدخل في كردستان في سنة 1991، و الصومال في 1992 وتردي الأوضاع الإنسانية بهم بالإضافة إلى الحالة العراقية و المآلات التي وصلت لها الدولة من انهيار وتقسيم واقتتال أهلي.

لم يكتفي التناقض بين المبادئ التي تنادي بها الأمم المتحدة ووسائل التنفيذ  في التدخل السلبي ولكن تطور إلى التقاعس وعدم الاستجابة إلى نداء لوقف المجازر التي ترتكب ضد الأقليات المسلمة في بورما.

وعلى الرغم من سقوط أكثر من مائة ألف قتيل و8 ملايين نازح و5 ملايين طفل في حالة مأساوية حتى الآن وبعد أكثر من أربعة أعوام ولم يتم اتخاذ قرار بشأن الحالة السورية بسبب تعارض المصالح بين القوى العالمية.

كيف تتحكم مصالح القوى الكبرى في إمكانية تحقيق مبادئ الأمم المتحدة والتقاعس عن الحماية، وكيف يتحول إسقاط النظام إلى أولوية وليس حماية الأرواح، وكيف للقوى العالمية المتنافسة تدعم المعارضة والنظام بالسلاح غير مبالية بالأوضاع الإنسانية وكيفية استخدام تلك الأسلحة ما يأتي عكس ما تنشده المنظمات الدولية وكيف يصمت المجتمع الدولي عن قصف المدنيين بقنابل سامة محرمة دوليًا وحتى الآن لم يتعامل المجتمع الدولي مع النظام السوري كمجرم حرب.
آلاف القتلى وملايين من المشردين وعشرات من الدول تعيش الآن في انقسام إما بسبب الآثار العكسية للتدخل العسكري والتحكم في الشؤون السياسية لتلك الدول وأشخاص آخرين ينتظرون إما التدخل العسكري ومستقبله الأسود وإما انتظار الموت على أيدي أبناء دولته، وتبقى حقوق الإنسان في دول العالم الثالث لا تساوي شيء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد