في محاولة للتمرد على جفاف لغة العلم، ووعورة اللفظ، ومشقة البحث؛ رأيتُ أن يكون هذا المقال ترويحًا عن النفس، واستجمامًا للقلب في ظل ما يحيط بنا من منغصات يومية، وأحداث جسام، وأزمات خانقة؛ حاولتُ استجلابَ بعض السعادة المفقودة لأسكبها كالماء البارد في قاع فؤادك المحترق بنير مشكلات الحياة؛ لأذكرك أنك ما زلت إنسانًا من حقك أن تُحِب وتُحَب، ففي هذه الأيام من حاول الاحتفاظ بأكبر قدر من إنسانيته التي تتآكل يومًا بعد يوم، وتتناثر في كل موقف كئيب يحدق بنا بشاعة نتائجه، فهو السعيد حقًّا.

قد قسم الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي -رحمه الله- المحبين إلى أربعة أصناف: فواحدٌ يجاهد زلات قد وقعت، وهو المحب الآثم؛ وآخر يجاهد شهوات تهم أن تقع، وهو المحب الممتحن؛ وثالث أمن هذه وهذه وإنما يجاهد خطرات الفكر، وهو المحب ليحب فقط؛ ورابع كالقرابة والصديق: عجز الناس أن يجدوا في لغاتهم لفظًا يصف هذه العاطفة فيهم؛ فألحقوها بأقرب الأشياء إليها في المعنى، وهو الحب.أ.هـ. وأفضل المحبة هي محبة المتحابين في الله -عز وجل-؛ إما لاجتهاد في العمل، وإما لاتفاق في أصل النحلة والمذهب، وإما لفضل علمٍ يمنحه إنسان لغيره.

وقد اختلف الناس في ماهية الحب، وقالوا وأطالوا وما لمثلي أن يلج هذا البحر المتلاطم المتصارع الأمواج لأحسم خلافًا عمره هو نفس عمر الإنسانية الموغل في القدم، ولذا اكتفي بكلام الإمام ابن حزم عليه سحائب الرحمة وشآبيب المغفرة حيث قال: «الحُبُّ -أعزك الله- أوله هزل، وآخره جِدّ.. دقت معانيه -لجلالتها- عن أن تُوصف، فلا تُدرك حقيقتها إلا بالمعاناة…». فكون الحب -كما قال ابن حزم- لا تدرك حقيقته ومعانيه إلا بالمعاناة؛ فنكتفي بذكر بعض علامات تدل على وجوده، وتشير إلى وقوعه، ومن هذه العلامات التي لا يخطئها البصر، ويدركها الفطن اللبيب:

إدمان النظر، وبريق ولمعان العين

فالعينُ بابُ النفسِ، وهي الكاشفة عن سرائرها، والمعربة عن بواطنها، فتجد أنَّ المحب ينتقل بنظره بتنقل محبوبه، وإن تصنع بين الفينة والأخرى انشغاله عنه، وحاول إخفاء ذلك، ولكن كما قال رامي: «والصب تفضحه عيونه»، وقال ابن داود في الزهرة: «ﻣﻦ ﻛﺜﺮﺕ (نظراته) ﺩاﻣﺖ ﺣﺴﺮاﺗﻪ»، وﻗﺎﻝ ﺑﻌﺾ اﻟﺤﻜﻤﺎء: ﺭُﺏَّ ﺣﺮﺏٍ ﺟُﻨﻴﺖ ﻣﻦ ﻟﻔﻈﺔ ﻭﺭُﺏَّ ﻋﺸﻖٍ ﻏُﺮﺱ ﻣﻦ نظرة.

الإقبال بالحديث

فما يكاد يُقبل على سوى محبوبه، ولو لم يتعمد ذلك، ويستغرب ويندهش بكل ما يقوله ولو كان عاديًا، ويصدقه ولو كان يتكلم بالمحال غير المعقول.

الإسراع بالسير نحو مكان المحبوب

فيطرح عنه الأشغال وإن عَظُمت، ويتعمد الجلوس بقربه والدنو منه، ويستهين بكل ما يدعو إلى مفارقته، ويختلق الأسباب ليلقاه.

بُهتٌ ودهشة عند رؤية محبوبه فجأة

فيضطرب ويتململ عند رؤية محبوبه أو رؤية من يشبهه أو حتى عند سماع اسمه.

البذل

فيبذل المرء كل ما كان يقدر عليه، ولو كان ممتنعًا عنه قبل ذلك، ويتدرج في البذل بحسب رتبته في المحبة، فقبل تمكن الشعور من القلب يبذل كارهًا، وحينما يترقى يبذل راضيًا، ثمَّ أخيرًا يبذل سؤالًا وتضرعًا؛ كأنه الموهوب له وليس الواهب.

تثقيف الكلام وتزيين الحركة والملبس

كل ذلك ليظهر محاسنه، ويرغّب في نفسه، فكم من بخيلٍ جاد، وعبوس تبسم، وجبان تشجع، وجاهل تأدب، وغليظ القلب تطرب، وتفل تزين، وفقير تجمل، ومسن تصبى، وناسك تفتن، ومصون تبذل!

الانبساط الكثير الزائد عند اللقاء

فيود أن يستأثر بمحبوبه فيتضايق في المكان الواسع حيث يشاركه في محبوبه غيره، فيتحرى المكان المناسب للقاء، والمجاذبة على الشيء يأخذه أحدهما كنوع من المداعبة، وكذا الميل بالاتكاء.

الملامسة

تعمد لمس الأيدي عند المحادثة والأعضاء الظاهرة والربت على الكتف، وشرب نفس نوع المشروب الذي يحبه محبوبه، وقد يشربان من نفس الإناء أحيانًا.

كثرة ذكر اسم المحبوب

فيتعمد إقحام اسم محبوبه في الكلام ولو كان بلا مناسبة فهو يتلذذ بذكر اسمه، والكلام عنه، وحكاية أخباره، ويجعل ذلك دأبه وعادته، وفيه يقول الشاعر:

يا مَن يُذكِّرني بعـهد أحبَّتـي      طاب الحديثُ بذكرهم ويطيبُ

أعِدِ الحديثَ عليَّ من جنباتِه     إنَّ الحديث عن الحبيب حبيبُ

الجزع والخوف عند إعراض محبوبه عنه

لخوف فراقه أو ضياعه منه يشتد قلقه حينما يرى إعراضًا أو ضعف اهتمام ممن يحب، ويغار عليه ويريد أن يستأثر به وحده، وينسى همومه عند لقياه.

حب الوحدة والأنس بالانفراد

دائمًا ما يفكر فيه، فيتغير حاله إلى الوجوم والسهر، والانغلاق، والزفير، وقلة الحركة، والتأوه، وانشغال البال.

سرعة الرضا

حينما تتأكد المحبة قد يتعمد كل واحد منهما مخالفة صاحبه، بل قد يتأول أحدهما ألفاظ صاحبه أو تصرفاته على غير معناها لخوفه من الفقد والفراق، ولكن لا تلبث أن تراهما قد عادا إلى أجمل محبة، وأهدرت المعاتبة، وسقط الخلاف، وينصرفا إلى المضاحكة والمداعبة كأن شيئًا لم يكن.

دقة الملاحظة

المحب يلاحظ ويتتبع كل ما يصدر من محبوبه، ولا ينس أمرًا من أموره وأخباره، وعاداته، وقد يحب الاحتفاظ بأشياء خاصة بمحبوبه، وتكون له ذات قيمة ولو كانت أشياءً تافهة، ويحب جيرانه، وأقاربه، وأصدقاءه، وحفظ كل ما يتعلق به حتى ما يحبه من طعامٍ وملابس، ويهتم لأموره، ويحزن لحزنه، ويسعد لسعادته، ويتكلم بكلامه، بل قد يشبهه فيصير مثله.

سروره بكل ما يسر محبوبه ولو كان ضارًا للمحب

كما قال أبو الشيص:

وَقَفَ الْهــــَوَى بِـي حَيْثُ أَنْتِ …..فَلَيْسَ لِي مُتَأَخَّرٌ عَنْهُ وَلا مُتَقَدَّمُ

أَجِـدُ الْمَلامَةَ فِي هَــــوَاكِ لَذِيذَةً…. حُبًّا لِذِكْـــرِكِ فَلْتَلُمْنِي اللُّـــوَّمُ

أَشْبَهْتِ أَعْدَائِي فَصِرْتُ أُحِبُّهُمْ….. إِذْ كَانَ حَظِّي مِنْكِ حَظِّيَ مِنْهُمُ

وَأَهَنْتِنِي فَأَهَنْتُ نَفْسِيَ صَاغِرًا……. مَا مَنْ يَهُونُ عَلَيْكِ مِمَّنْ أُكْرِمُ.

الانفعال الزائد لما يقوله المحبوب ولو كان بضد رغبته، ومناجاته

مع كثرة التفكير تتحول الطباع وتتشاكل، بل حتى لو كان هناك ما يضر المحب فيفعله طوعًا، ويتخيل الحديث مع محبوبه ويسامره في خياله، ويتخيل أنه يجيب بأفضل الأجوبة، ويحدث كل ما يحب في خياله، ويقول القاسم بن القاسم الواسطي:

يخطُّ الشوقُ شخصكَ في ضميري .. على بعد التزاور خط زورِ
ويوهم منكَ طول الفكرِ حتى .. كأنك عند تفكيري سميري
فلا تبعـــد فإنـكَ نــــور عينــــي .. فمهما غبتَ لمْ تطرق بنورِ
إذا ما كــنتَ مســــرورًا بهجـــــري   ..   فإنــي من ســــرورك في سرورِ

يراك على أحسن صورة، ويدرك نقاط تميزك: حبك الشيء يعمي ويصم فعندما يحبك شخص ما، فلا يلاحظ سلبياتك أو عيوبك ولا يهتم لها، وإنما يحبك لشخصيتك، وكلما اكتمل الشعور كلما زاد الإحساس بمحاسن الشخص المحبوب، وكأنه في حالة من السُكر لا يرى إلا ما هو رائع ومميز من صفات محبوبه، ويُنسب إلى الإمام الشافعي رضي الله عنه أنه قال:

وعينُ الرِّضا عن كلَّ عيبٍ كليلةٌ .. وَلَكِنَّ عَينَ السُّخْطِ تُبْدي المَسَاوِيَا.

وخلاصة القول

أنَّ الحبَّ شعورٌ إنساني راقٍ، راعاه الدين الحنيف فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَف»، وكذا قال صلى الله عليه وسلم: «لم ير للمتحابين مثل النكاح»، ولكن يحذر من المبالغة في العشق لأنها قد تُفسد على المرء حياته وتهلكه، وقد وقع أحد فقهاء المدينة السبعة في العشق فجاءت فيه فتيا ابن عباس رضي الله عنهما: «هذا قتيل العشق لا عقل له ولا قود»، وجعل عامة يومه يستعيذ من العشق، وقد قال بعض العلماء في تفسير قوله تعالى: «ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به»، هو العشق، وقال ابن القيم رحمه الله: من أحبّ شيئًا سوى الله، ولم تكن محبته له لله، ولا لكونه معينًا له على طاعة الله، عُذّب به في الدنيا قبل اللقاء كما قيل:

أنـت القتيل بكــل مـن أحببته ** فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي

ولذلك أسمى الحب هو الحب في الله، وهذا الحب لا يزيد بالوصل ولا يقل بالجفاء كما قال الإمام أحمد رضي الله عنه: «إن لنا إخوانًا لا نراهم إلا في كل سنةٍ مرة؛ نحن أوثق بمودتهم مِمَن نراهم كل يوم»، وقال أحدهم: «إني لأضع اللقمة في فم أخي فأشعر بحلاوتها في فمي»، وما أرق قول أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «فشرب حتى رضيت»، وفي رواية: «حتى ارتويت»، وصدق الخليل حينما قال: ما ضاق مكان على اثنين متحابين، والدنيا لا تسع اثنين متباغضين، فالحب في الله؛ وحدة شعور، ووحدة هدف؛ به تشرق الروح، ويسمو الفؤاد، وبه تنال منابر النور يوم القيامة، وبه تختلف معادلة الجمع ويصير حاصل جمع 1+ 1 = 1. وفي هذا يقول الشاعرِ العالميِّ السعدي الشيرازي، في أبيات جميلة له تُرجمت إلى الإنجليزيةِ، وهي تدعو إلى الإخاءِ والأُلفةِ والاتحادِ، وكُتبت على لوحة في هيئةِ الأممِ المتحدةِ:

قال لـي المحبــوبُ لمَّــا زرتُهُ ** منْ ببابي قلتُ بالبابِ أنا

قال لي أخطأت تعريف الهوى ** حينمــا فـرَّقـت فيه بيْنَنَا

ومضــــى عـــامٌ فلـمَّا جــئتُهُ ** أطرُقُ الباب عليه مُوهِنا

قال لي منْ أنتَ قلتُ أنْظُرْ فما ** ثمَّ إلّا أنتَ بالبــابِ هُنا

قال لي أحسنت تعريف الهوى** وعَرَفْتَ الحُبَّ فادخُلْ يا أنا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد