تستفزني تلك المَوَاقع التِي تتَربَحُ مِنْ وَرَاء بِنَاء جِسرِ أمَل لفَتَياتٍ، آخِر مَنفَذ لَهُن يُطِل عَلَى شَبَكة Google والعِبَارَة الشهِيرَةِ: كَيْفَ تَعْرِفُ أنّ.. ! وَالبَقِيّة تَعْتَمِدُ عَلَى مَدَى إبدَاعِ كَاتِبِي تِلْك المَقَالَات!

لَطَالمَا كَانَت الحَيَاة لُغْزًا يُحَيّر الكَثِيرين، لَم نجمع ـ بَعد ـ قِطَع «البازل» التِي سَتَسمَح لَنَا بالتّلصّص والحُصُول عَلى نَظرَة وَاضِحَة لِمَعالمِها. نَهِيم فِيهَا، جَاهِلينَ بِكُل القَوَانين، إلَى أَن تَصْفَعَنَا غَاضبَة، كَأم وَجَدت ابنَها يُزخْرِف جِدَار البَيتِ الأبْيَض! آنَذاك فَقَط نَحْمِل قَلَمًا وَوَرقة، وَنبْدأ فِي تَدوِين القَوانِين، بَدْءًا مِن القَانُون الأوّل، إلَى القَانُون الذي نَعتَبرُه دَومًا الأخِير، بالرّغْم مِن أنّه لَنْ يَكُون كذلك أبَدًا.

يتعَلّق القَانُون الأوّل ـ فِي غَالب الأحْيان ـ بِالثّقة، ذَلك العَامِل الأسَاسِي فِي بِنَاء عَلَاقَاتنا الاجْتِمَاعيّة عَلَى اختلَافِهَا، مَا أنْ يَخْبُو بَرِيقُه إلَى أنْ نَفْقُده فِي عَلَاقَاتنَا الأخْرَى، مُسقطِين القَاعدَة عَلَى كُل مَن ينتَمِي لفصِيلة البشَر! وَمَع فُقْدانِنَا لرَابِط الثّقَة بالآخَر نَفْقد مَعَه جُزْءًا مِن ثقتِنَا بِأنْفسِنا وَقُدرَتِنا عَلَى تَقْييم عَلَاقَاتِنا بالآخَر وَمَدى نَجَاحِها، لِتُطِل عَلَينَا العبَارَة الشّهيرَة: كَيْفَ تَعْرِفُ أنّ.. !

كَيْفَ أَعْرفُ أنّه يُحبّني؟  كَيفَ أعْرِف أنّه لَا يَخُونُني؟ كَيْف أعْرِف أن صَدِيقَتِي مخلصَة؟ وكلها من الأسْئِلة التِي تَتَرتّب عَن انْعِدَام عُنْصُر الثّقة، إلا أنّنِي أتَسَاءَل ـ دَوْمًا ـ بَعْدَ قِرَاءَة هَذهِ العَنَاوِين، هَلْ مِن المُمْكِن ـ حَقًا ـ أنْ تَكُونَ هَذِه المَقَالات جَوَابًا نهائيًا؛ لأعْرف إنْ كَانَ الآخَر يُحبنِي أم لَا!

يَرْتبط الأمْر هُنَا، في الأسَاس، بعَامِل آخَر، وَهو التّجربَة، أقْصد أنّه لو كَانَت الحَيَاة مُلَخصّة فِي مَقَال مِن 400 كَلمَة، كَتبهَا شَخْص لم يَسْبق لِي أنْ التقيْت بِه؛ لَمَا تكبّدت عَنَاء النّهوضِ مِن فِرَاشي صَبَاحًا لأسْتَقبِل يَومًا جديدًا!

الحَيَاة عِبَارَة عَن مَجْمُوعَة منَ التّجَارب التِي تُحَدّد شخْصِية كُلّ وَاحِد مِنّا، أؤمِن أنّ الأمْر لَا يَقتَرن بِالنّتائِج بِقَدْر مَا يَنْبَنِي علَى التّجرِبَة بِحَدّ ذاتهَا، فَأنْ أجَربَ طَعْمَ الحبّ أفضَل منْ أنْ يَحكِي لِي عَنه شخصٌ آخَر، وَأنْ أبكِي مِنْ مَرَارة الحُزْن خَيْر مِنْ أنْ أتَجَنّبه؛ بِسَبَب كَلِمَات غَرِيبٍ مَنَعَنِي مِن التّجْربَة. التّجَاربُ تمنَحنَا عُمرًا آخَر مِن الأمَل، اليَأس، التّضحِية، الجُهْد، الخِبْرَة، الحِكْمَة.. وَغيرِهَا مِن الصّفَات التِي يَصْعب تَمَلّكهَا عِنْد السّمَاع عَنْها فَقَط مِنَ الآخَرِين.

أؤمِنُ أنّه فِي الحَيَاة يَجِب علَى المَرْء أنْ يَفْرد جَنَاحَه عَاليًا، وَيدَع لريَاح التّجربة أنْ تقذفَه بعيدًا، فَبِدُونهَا سَيَظَل غُصْنًا غضًا يسهل خدْشُهُ !

قَد تُهدِيك الحَيَاة صَفعَات غيْر آبهَة بكَ، بحُزنكَ، بضُعفِك، بآمَالكَ. سَتسقُطُ. قد تَنهَضُ حِينَهَا، وقدْ لَا تفْعَل، فإن نهضتَ فقدْ كَسَبتَ رهَانًا مَعَهَا، وكَسَبتَ معهُ ضَمَانًا للعَيْش. ستتعَلّمُ مِن سُقُوطِك ألف طرِيقَة للنّهُوض، ومِن وُقُوف ألفَ سبَب لتجنّب السقُوط مجدّدًا، تأملّ الحيَاة مِن مَكَانِك وأنتَ فِي الحضِيض، أتُرَاهَا تسْتَحقّ؟ هل تستَحقّ منّا أن ننهَضَ مُجدّدا؟ تأكّد أنكَ أنتَ تستَحقّ!

تستَحقّ أن تَعِيش، وتَستحقّ فُرصَة أخرَى، مُختلفَة ربّمَا، أجمَل ربّمَا.

قضيّة الحَيَاة أكبَر مِن أنْ تُهندَس عَلَى يدِ مَن لَا يَفقه شَيئًا فِيكَ وفِي تَركِيبَتِك الفكريّة التِي قَطعًا تَختلفُ عنْ تَركِيبَتِي، وحَتمًا لَا تُشبه تركِيبة الآخر، كُلّ شَيء يَبدأ مِن الدَاخل، إيمَانُنَا بالتّغيير يبدأ مِن أنفُسنَا، رغبَتُنَا فِي العَيْش نَكتسبُهَا مِن تجَاربنَا ومُتعَة الحَياة تبدأ عِندَمَا يجدُ الحبّ مَكَانَهُ بَيْنَنَا، فنَفسُنَا تستَحقّ أن تُحبّ، ونحنُ نَستحقّ أن نَحيَا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الحياة, تجارب
عرض التعليقات
تحميل المزيد