الطرائق المطبقة في برامج تعليم اللغات:

تختلف الطرائق التي تتبناها مؤسسات ومعاهد تعليم اللغات الأجنبية في ضوء البرامج التي تقدمها والفلسفة التي تقوم عليها هذه البرامج. والفلسفة التي تتبناها الطريقة في أي من برامج اللغة، هي التي تحدد الأسلوب الذي يُقيَّم في ضوئه الطلاب. ويقصد بالطريقة هنا مجموعة الأساليب التي يتم بوساطتها تنظيم المجال الخارجي للمتعلم لتحقيق أهداف تربوية محددة. ويمكننا أن نتعرف على الطريقة التي يتبناها برنامج ما، من خلال مختلف أبعاد العملية التعليمية، وعلى رأسها طريقة إعداد المادة الدراسية، ودليل المعلم بما يحتويه من توجيهات لتدريس المادة، وأخيرا وليس آخرا أساليب القياس والتقويم المتبعة في البرنامج.

وقد مرت طرائق تعليم اللغات الأجنبية في “تطورها التاريخي بعدد من المراحل؛ كانت أولاها مرحلة الطريقة التقليدية، أو ما يعرف بطريقة النحو والترجمة، التي هيمنت على ميدان تعليم اللغات حقبة طويلة من الزمان، ثم تلتها أطوار أخرى تسبب في حدوثها تيار من الأفكار التربوية الجريئة التي طرحها بعض العلماء بقصد تطوير عملية تعليم اللغات، بعد أن ثبت عندهم فشل طريقة النحو والترجمة في تحقيق ما استجد من أهداف … ثم أخذت طرائق التدريس بالتعدد والتنوع منذ بداية القرن العشرين نتيجة لأسباب كثيرة.

من بين هذه الطرائق الكثيرة العدد، سنتعرض بإيجاز لأهمها وعلى وجه الخصوص تلك التي هيمنت على برامج تعليم العربية للناطقين بلغات أخرى ردحا من الزمن في شرقي العالم العربي أو غربيه. وسيتناول الحديث عن كل منها الأبعاد الثلاثة التالية:

(أ) نشأة الطريقة أو المذهب ومداخلهما.

(ب) تقييم هذه الطريقة أو المذهب.

(ج) أساليب التقييم المتبعة في هذه الطريقة أو المذهب.

 

أولا: طريقة القواعد والترجمة

(أ) نشأة الطريقة ومداخلها

اختلف الدارسون في أصل هذه الطريقة، وفي أول من ارتبطت باسمه سواءً في ميدان اللغة أو ميدان التربية؛ لأن لكل طريقة نظرية تربوية تستند إليها، إلا أن المعروف عنها أنها أقدم طرائق تعليم اللغات؛ إذ يرجع بعض الدارسين تاريخها إلى حضارات قديمة مثل الصين، والهند، وبلاد الإغريق. ويعتقد بعض الباحثين “أن لها تاريخا بعيدا في مجال تعليم العربية للناطقين بغيرها؛ إذ انتشرت مع انتشار الإسلام، وكانت محور العمل في الجهود التي بذلت لتعليم اللغة”. وأخذت الطريقة سبيلها إلى الولايات المتحدة في نهايات القرن التاسع عشر الميلادي، وفي أوروبا -ألمانيا على وجه التحديد- عام 1948م مع دخول كتاب “تعليم النحو للمبتدئين” من إعداد بلوتز Ploetz. ولا تزال هذه الطريقة معمولا بها في برامج تعليم العربية للناطقين بلغات أخرى خارج نطاق العالم العربي الذي سادت فيه -أي في العالم العربي- إلى وقت ليس بالبعيد.

يشير كثير من الباحثين إلى أن هذه الطريقة لا تعتمد على مدخل، ولا تستند إلى أي نظرية سواء في علم اللغة أو التربية، أو الفلسفة. ويذهب إلى هذا الاعتقاد جاك ريتشاردز وروجرز في مؤلفهما “مذاهب وطرائق في تعليم اللغات”. وهناك من الباحثين من يرى أن لها منطلقات تنطلق على أساسها وإن لم يكن قد نُصّ عليها صراحة، وعلى رأس هؤلاء رشدي طعيمة الذي يقول بأن من أهم منطلقاتها ما يلي:

  1.  اللغة أساسا نظام من القواعد التي يمكن استقراؤها من النصوص اللغوية، والإلمام بهذه القواعد شرط أساسي لممارسة اللغة.
  2. تعليم اللغة تدريب عقلي يمكن النظر إليه بشكل ضمني على أنه نشاط ذهني يشتمل على تعلم القاعدة وتذكرها وربطها بما لدى الطالب من خبرة في لغته الأولى وذلك عن طريق الترجمة.
  3. تعتبر اللغة الأولى للدارس هي النظام المرجعي في اكتساب مهارات اللغة الثانية.

(ب) تقييم الطريقة:

لهذه الطريقة مزايا وعيوب، وإن كانت عيوبها تكاد تطغى على مزاياها، ومن مزاياها أنها “لا تكلف المعلم الذي يستخدمها عبئا تدريسيا ثقيلا، وهي تناسب الفصول الدراسية المزدحمة بالمتعلمين”. ومن مزاياها أنها تصلح لدارسي اللغة الذين قطعوا شوطا متقدما فيها، أو أولئك الذين يودون معرفة المزيد عن اللغة وليس تعلم اللغة من أجل التواصل. كما أن الدارسين يستطيعون تنمية مهاراتهم في القراءة والكتابة في وقت أقصر نسبيا من الذين يتعلمون اللغات بالطرائق الأخرى، ويكونون أكثر قدرة على الترجمة. وهي مفيدة في البرامج قصيرة المدى وفي حالات التعلم الذاتي التي يكون فيها المتعلم بعيدا عن أهل اللغة، ولا يستطيع التواصل معهم شفاهة.

من العيوب التي أخذت على هذه الطريقة، أنها تغفل مهارات اللغة الأخرى كالتحدث والاستماع. وأنها تقصر وظيفة اللغة على مهارتي القراءة والكتابة؛ مما لا يساعد في تنمية الكفايات اللغوية في المهارات الأخرى، وقد يقود ذلك إلى أن يفقد الطالب الدافعية في تعلم اللغة، ومن ثم يحبط مما قد يؤدي به إلى التخلي عن البرنامج كلية؛ لذا نجد أن “عدد المتسربين من برامج اللغات الأجنبية التي تستخدم هذه الطريقة أكثر من زملائهم الذين يتعلمون هذه اللغات بطرق أخرى”.

 

(جـ) أساليب التقييم في هذه الطريقة

لا يجد المعلم كبير عناء عند تقييم طلابه في هذه الطريقة؛ فإجراءات التقييم سهلة ومحددة سلفا، فكل ما هنالك هو أن يصمم اختبارا يتكون من سؤال واحد أو سؤالين يضمنه نصا قرائيا يتكون من عدة فقرات من اللغة الهدف (العربية مثلا) ويطلب من الطالب ترجمته إلى اللغة الأم، أو يقدم له النص في اللغة الأم ويطلب إليه ترجمته إلى اللغة العربية، لكن يكون التركيز -غالبا- على الترجمة من اللغة الهدف إلى اللغة الأم، إذ إن ذلك يمثل الهدف الرئيس في هذه الطريقة. بالإضافة إلى ذلك يكون هناك تركيز كبير على أسئلة القواعد النظرية، وعلى خلو ما يكتبه الطلاب من أية أخطاء، ويسأل الطالب أن يأتي بالقاعدة التي تمثل الجمل المسؤول عنها.

وواضح أن هذه الطريقة تستخدم ما يسمى بالامتحانات الختامية أسلوبا لها؛ فليس من بين أهدافها الاختبارات المستمرة أو التكوينية، كما أن التصحيح تعتوره عيوب ما يسمى بأخطاء التقدير الذاتي سواءً ما يعرف منها بتأثير الأثر الثابت أو أثر الهالة. وحيث إن أهم أهدافها هو قياس مهارتي القراءة والكتابة؛ فلم تكن تجرى اختبارات في مهارات الكلام أو الاستماع.

نظرا للعيوب التي ارتبطت بهذه الطريقة، قامت حركة معارضة لها عرفت بحركة الإصلاح نادت بإصلاح الطريقة أولا، ولكن محاولاتها لم تنجح، فكان أن ظهرت الطريقة التي ورثتها، وهي الطريقة المباشرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

مفهوم اللغة ووظائفها ، د. رشدي أحمد طعيمة؛ د. محمود كامل الناقة
عرض التعليقات
تحميل المزيد