قد يبدو لكم سؤالًا غريبًا لأول وهلة، ولكن من واقع معايشتي وتأملاتي في قضايا الحب والزواج، وما سجلته من ملاحظات جديدة، وعلاج لمشاكل في كتابي «إلى منتصف الطريق» الصادر أوائل عام 2018، وما أُثير من نقاشات من الأهل والأصدقاء حول مضمونه؛ فإني وجدت أننا حرفيًّا لا ندرك كيف نتزوج على الإطلاق!

إننا في حالة من العبث والفشل، والذي جعل دولنا هي الأعلى نسبة في الطلاق حول العالم، والأعلى من حيث العزوف عن الزواج أيضًا؛ لذلك سنقدم دليلًا مختصرًا ومبسطًا، لكل المقبلين على الزواج، أو من يفكرون فيه، لنعينهم على فهم تلك المسألة، لكي يتمكنوا من التعامل معها بسلاسة، فالإنسان عدو ما يجهل.

{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم:21].

{وَمِنْ آيَاتِهِ}؛ في الآية السابقة نلاحظ أن الله -سبحانه وتعالى- هو الذي «خلق»، وهو الذي «جعل»؛ وبالتالي فمسألة الزواج هي قدر ورزق يطلبنا، ولكن كي لا يتحول النصيب إلى نصب، وتزييف للحقائق، ومجرد شماعة نعلق عليها إخفاقنا في السعي، وفشلنا في تحقيق رغباتنا لا بد وأن نتأكد من أمرين:

الأول: أن غاية ما أريده هو أمر حلال، والثاني: أن الوسيلة المتبعة للحصول على ما أريده هي وسيلة طيبة، فلا يصح أن تكون الغاية الزواج على سنة الله ورسوله، ولكن الوسيلة مثل تلك النصائح التي توجهها بعض الأمهات إلى بناتهن؛ بأن يتلحلحن لاصطياد العريس، بإغواء الرجال، وبإبراز المفاتن، والظهور في الأفراح، أو بكثرة التجارب العاطفية… إلخ.

فقدر الزواج سنُساق إليه إما طوعًا أو كُرهُا، فيُفضل أن نختار الطاعة؛ كي ننعم بذلك النصيب، وسواء أدركناه أم لا، فإننا ينبغي أن نحمد الله ونشكره، ونصبر على ابتلائه في كلتا الحالتين، ذلك هو النصيب فعلًا.

لمزيد من التفصيل اقرأ مقالنا: النصيب وما أدراك ما النصيب.

{مِّنْ أَنفُسِكُمْ}؛ ماذا تعني أن الله سبحانه خلق لنا من أنفسنا أزواجًا (ذكر/ أنثي)؟

إنها ببساطة تعني أنه من نفس ذات الطبيعة، باختلاف الجنس، أي أنه إنسان خُلِق من قبضة طين، ونفخة روح، وليس حيوانًا، ولا كائنًا فضائيًّا مثلًا! ولا جنيًّا. «فما يُثار من زواج الجن العاشق من بشر هو محض هراء وتخاريف لا أصل لها».

كما تعني أيضًا أنه من نفس ذات الطبع، باختلاف الشخصيات، أي أن الإنسان، وبشكل تلقائي سيختار من هو أقرب لطباعه، إن كانت خيرًا فخيرًا، وإن كانت شرًا فشرًا؛ ذلك أن «الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف، وما تنافر منها اختلف» [حديث شريف]؛ وبالتالي فإن كان الزواج هو رزق من الله يطلبنا، فإن هناك رزق نطلبه، كما قال الإمام علي -رضي الله عنه-.

فجزء من طلبنا لهذا الرزق والسعي له هو تطهير طبائعنا تلك التي سيخلق الله منها زوجًا لنا، فكلما اجتهدنا في تطهير طباعنا رزقنا الله من هم أقرب لتلك الطباع وإن اختلفت شخصياتنا، فالطبع يغلب التطبع غالبًا، فمن أراد فاطمة فليكن عليًّا، ومن أرادت عليًّا فلتكن فاطمة.

الزواج بين الإرادة والإدارة

إن إرادة الزواج تتوقف على أمرين، أولهما الرغبة في الشريك، وثانيهما قرار الزواج نفسه. والرغبة هي التي تمثلها الآية الكريمة بالسكن {لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا}، والرغبة إما أن تكون مبنية على الحب: «ما رأيت للمتحابين خيرًا من النكاح» [حديث شريف]، أو مبنية على اختيار عقلاني يُفضل أن يكون قوامه وعماده الدين «فأظفر بذات الدين…»، «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه…» [حديثان شريفان]؛ وكلما صدقت الرغبة وكانت خالصة وحقيقية، وليست متأثرة بأي عوامل أو أهواء أخرى؛ فإن الله سيُيّسر السكينة من بداية تلك العلاقة.

أما قرار الزواج فينبغي أن يكون قرارًا قاطعًا لا رجعة فيه، مهما كانت التحديات، وذلك لن يتحقق إلا عندما توجد رغبة حقيقية في الشريك، والثانية هي التوقع الإيجابي للحياة معه، وعدم الالتفات للمساوئ التي ينشرها الناس عن الزواج.

أما إدارة العلاقة فهي مهارة لا بد من اكتسابها، فمن الطبيعي ومن المُسَّلم به أن هناك مشكلات ستحدث لا مناص منها أبدًا، فلا يخلو بيت ولا تخلو علاقة من مشكلات، والعيب ليس في المشكلات، إنما في إدارتها، وقد أقر الإسلام نهجين في إدارة العلاقات الزوجية.

أولهما: الإمساك بالمعروف وتلك التي تستقبل مودة الله التي يجعلها بين الأزواج، فبقدر ما يمارس كلا الزوجين الإمساك بالمعروف فيما بينهما؛ بقدر ما يرزقهما الله تلك المودة.

فيسعى كل منهما لإنجاح العلاقة واستمرارها، والحفاظ عليها، ضد أي عوامل أو عقبات أو أزمات، قد تعصف بها.

وثانيهما: التسريح بإحسان فمما يدركه البشر أن كل شيء إلى زوال، وأنه يستحيل أن يبقى شيء على حاله، إنها طبيعة حياة الإنسان أن يعيش بين أمل الوجود وقلق العدم، فكل شيء يفنى إلا وجه ربك ذو الجلال والإكرام.

وبالتالي فلا بد وأن يكون هناك اطمئنان أنه حال استحال العيش بين الزوجين، أن يتم التسريح بإحسان دون ظلم أو إهدار للحقوق المعنوية والمادية على السواء، فهنا تصيب الرحمة تلك العلاقة، وذلك ما يحفظها حقًا، وليس شرط مؤخر الصداق ذي الخمسين ألفًا أو المليون.

أما أولئك الذين يحدثون الناس بمشكلاتهم ويعيبون في أزواجهم، فإنهم أبدًا لن يروا رحمة الله في علاقتهم؛ ذلك أن رحمة الله لا تصيب إلا أولئك الذين يُسَرِّحون بإحسان دون الإساءة للشريك، ولا فضح ضعفه، أو التحدث بعيوبه، أو إفشاء أسراره.

وللأسف فإن الكثيرين لا يحلو لهم الحديث إلا بإفشاء أسرار شركائهم، والتحدث بعيوبهم، وكثرة الشكوى على حالهم؛ ومن ثَمَّ يتعجبون من غياب المودة والرحمة، ويتساءلون أين هي؟! وكأن ليس لهم يد في ذلك!

والطلاق في الإسلام هو وقف مؤقت لعلاقة تحتاج لإعادة نظر {لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} لعل مشاعر الجفاء تخبو ومشاعر الحنان تصحو.

الخلاصة

لا بد وأن نؤمن بأن الزواج نصيب، فلا نتعجله وندعو الله أن يرزقنا إياه بالحلال، ثم نسعى إليه بأن نُحَسِّن من طباعنا ونُزكي أنفسنا؛ ذلك أن تلك النفس هي ذاتها التي سَيوجِد لها الله زوجًا من ذات طبيعتها وطبعها.

ثم نتأكد من وجود رغبة حقيقية في شريك حياتنا، إما رغبة دافعها الحب، أو رغبة عقلانية عمادها الدين، وأن نتخلص من أي تأثيرات أو عوامل من شأنها أن تخلط علينا الأمور، فكثير يعتقد أن لديه رغبة في فلان في حين أن الأمر ليس إلا قسمة مشلولة قعيدة، أو مجرد فراغ عاطفي، أو شفقة، أو نصيب تخاذلي حجته أن تلحق القطار قبل أن يفوتك، أو ربما لنسيان من أحببناهم من قبل… إلخ.

أما أولئك منعدمو الرغبة، فهم بحاجة لعلاج مثلهم مثل متعددي الرغبات، وإن كانت الرغبة مبنية على الحب فلا بد وأن نفرق بين الحب الزائف، والحب المرضي، والحب الحقيقي، ويمكننا باختصار القول أن الحب الحقيقي لا ينشأ من احتياج أو لأسباب، إنما هو شعور مجرد، وثمرة توفيق إلهي، فالحب الحقيقي الناضج يقول: «أحتاجك لأني أحبك»، أما الحب غير الناضج، غير السوي فهو يقول: «أحبك لأني أحتاجك».

فالحب المبني على احتياج ليس إلا تعويضًا لنقص ما، أو رغبةً وطمعًا في مصلحة ما، والحب الحقيقي أبعد ما يكون عن المصلحة والمنفعة، وأقرب ما يكون إلى التضحية والإخلاص. «فإنه ليس بعد الحب إلا مزيدًا من الحب، فالذين يحبون لا يهجرون ولا يغضبون، لكنهم يجعلون الحب شفاءً من الهجر والغضب».

ومنطق الحب الشريف العفيف يعطي من الوفاء والولاء ما لا تعرفه المبادلات النفعية والعقود المادية، وما أكثر ما يفتدي الرجل المحب والمرأة المحبة بيتهما بحياتهما.

أما المعنى الأقرب إلى ذات الدين، فهي المرأة ذات الحياء {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ}، والحياء الحق هو ذلك الذي يظهر في عقل حكيم، فقد أشارت على أبيها {اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}، وقلب رحيم {إنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا}.

أما المرأة التي لا حياء لها، والتي لا عقل لها، وقلبها مثل الحجارة بل أشد، فإن تلك لعنة ينبغي الابتعاد عنها وعدم الاقتراب منها.

واقرأ إن شئت للإيضاح مقالنا: الحية والمستحية: فتنة المرأة اللعوب

أما بالنسبة للرجل فإن ذا الدين والخُلق يتلخص بأنه القوي الأمين، والقوة المقصودة هي قوة مادية؛ أي أنه قادر على تحمل مسئوليات الزواج وأعبائه، أما الأمانة فهي القيمة المعنوية التي تنعكس في أخلاق الرجل، فهو شخص منضبط لا يحنث بوعوده.

فالزواج عهد يحتاج لمن يلتزم ببنوده، ويأتي البيوت من أبوابها لا من ظهورها، ذلك أن الزواج ليس نزوة عابرة، إنما صحبة دائمة، وميثاق غليظ، وشراكة في حياة لا تحتمل هزلًا ولا عبثًا، فالشروط لا يسوغ فيها التحريف ولا التقصير، ولا يلتزم بذلك كله إلا من كان قويًّا أمينًا.

ثم القرار الذي يحتاج لحسم مهما طال الوقت للوصول لتلك الدرجة، ثم إدارة العلاقة بنهجين: الأول هو الإمساك بالمعروف، والثانية هي التسريح بإحسان.

وبذلك نكون أهلًا لمودة الله ورحمته، التي ينزلها على تلك العلاقة، وبقدر ما نبذل من مجهود ومجاهدة؛ بقدر ما نحوز على تلك المودة والرحمة فيما بيننا.

فالأمر أشبه بمطر ينهمر، ولا يُصيب إلا من أعد نفسه لاستقبال أكثره بقدر استطاعته، وذلك هو الفرق بين الرزق الذي يطلبك، والرزق الذي تطلبه، فذلك وعد الله الذي لا يخلف الميعاد.

ودعواتي للجميع بأن يرزقكم الله الزوج الصالح والذرية الصالحة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد