لا نبالغ إن قلنا بأننا نعيش في زمن التلوث، زمن تلوث فيه كل شيء من حولنا؛ غذاؤنا وماؤنا وهواؤنا، ولكن بالمقابل فثمة محاولات جادّة لمصافحة البيئة من جديد ومصالحتها.

كانت أسباب التلوث قبل سنوات ينظر إليها على أنها تطور مفيد، والشخص الذي لا يواكبها هو شخص متخلف بدائي، إلا أنه وبعد زمن ليس بطويل بدأت تظهر عيوب هذا التطور وسلبياته مما جعل نفس الإنسان الذي كان يسوّق لذلك التطور من قبل، يصرخ اليوم ويحشد سكان الكوكب لمكافحة أضراره وسلبياته.

لو انتقلنا على صعيد الأفكار والقناعات فهل يا ترى تطورت أفكارنا وقناعاتنا أم أنها تلوثت؟ ولو تناولنا الإسلام على وجه الخصوص ونظرنا إليه بعد زحمة الأحداث والفتن والتيارات التي مرّت على البشرية خلال مئات السنين، هل بقي الدين صافيًا صديقًا للإنسان؟

الإسلام أصبح اليوم نهرًا عريضًا صبّ فيه كلٌ على حسب ما يريد وما يهوى حتى تغير لون النهر وطعمه وشكله، بالطبع يرفض الكثيرون الاعتراف بهذه الحقيقة ولا سيما قطاع كبير من رجال الدين الإسلامي، حيث يعتبر كل فريق فيهم أن ما لديه من قناعات وأفكار هو الدين الصحيح.

إن تلوث الدين يعني باختصار إضافة أفكار مضرة ولصقها بالدين لأهداف عديدة، تارة بقصد وتارة بغير قصد، ليتحول بعد ذلك هذا «الدين الملوث» إلى عقيدة خاطئة أو ظاهرة مخيفة، أو على أقل تقدير سيتحول الدين الذي أنزله الله لعباده إلى شيء مختلف تمامًا.

المهم في عملية تنقية الدين ليس إرضاء الأذواق، أو الوصول إلى أفكار مسبقة كما يفعل البعض، إنما المهم هو إظهار الدين كما أراده الله لعباده حتى لو كان يتضمن قضايا لا يحبها البعض أو لا تعجبه، فبالنهاية ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾.

ما من شك أن عملية تنقية الدين مما لحق به من تلوث ليست بالأمر البسيط، إلا أن ذلك لا يعفينا من بذل كل جهدنا في سبيل ذلك فلقد بات السكوت عما نسمعه كل يوم من دعوات جديدة تُنسب للإسلام مسألة خطيرة جدًا، لا يمكن أن نعالجها بالتجاهل.

تبدأ عملية تنقية الدين من تحديد مصادر التلوث، والتي يمكن أن نوجزها مرتبة حسب خطورتها كما يلي:

1- حكام قاموا – بواسطة سلطة القوة – بفرض أشياء سموها دينًا، وكتموا نفس كل من حاول أن يقف في وجههم، ومن الأمثلة على ذلك تعطيل مبدأ الشورى بعد مقتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، إذ أصبح وصول «خليفة المسلمين» إلى الحكم بطريق الغلبة – كأننا في حلبة مصارعة – شرعيًا!

2- رجال دين تعصبوا لرأيهم وجعلوا اجتهادهم دينًا، حتى صار من يرفض مذهبهم منحرفًا وربما كافرًا، فالسني يعتقد أن الشيعي على باطل والشيعي يعتقد أن السني على ضلال، وزاد في الطنبور نغمًا ما نسمعه اليوم عن الإسلام الليبرالي الذي ينسف كل ما سبقه!

3- دعاة تطوير الدين الذين سمعوا بأفكار جديدة، ظنوها تطورًا وحضارة نتيجة نقص المعلومات المتوفرة لديهم أو تجاهلهم لها، فألصقوها بالدين تحت عنوان: «الدين صالح لكل زمان ومكان»، مثل أولئك الذين اعتقدوا سلفًا أن الديمقراطية أو الاشتراكية هي الخلاص وسفينة النجاح ثم عادوا للوراء ليبرهنوا لنا أن الإسلام ديمقراطي أو اشتراكي!

4- غزاة طامعون دعموا أفكار دينية معينة، ثم استفادوا منها إلى أن شيطنوها وصار مجرد التعاطف معها جريمة دولية تبرر توجيه الجيوش وإقامة القواعد العسكرية، ولا أدلّ على ذلك من مسألة الإرهاب أو الأصولية أو التطرف التي يتم تغذيتها كل فترة بهدف احتلال الغرب والأمريكان لمزيد من البلاد ونهب الخيرات!

كل هذه المصادر مجتمعة قدّمت منظومة متنافرة وغير متناسقة ولا تجمعها روح واحدة ومع كل ذلك يُطلق عليها جميعًا اسم «الإسلام»، إلا أن العودة إلى «إسلام» دون ملوثات تبقى ممكنة مادام القرآن الكريم محفوظ من التغيير، فهناك فرصة موجودة دائمًا وبشكل مستمر للتمييز بين الإسلام الملوث والإسلام النقي، فالإنسان إذا وصل إلى الدين الأصلي النقي فإنه قادر بما آتاه الله من عقل وعلم أن يعرف الطريق الصحيح التي يمشي عليها، أما إن وصل الإنسان إلى دين ملوث فالنتيجة ستكون عكسية تمامًا.

وطالما ظل الدعاة مرتبطين بأنظمة سياسية – ولا سيما القمعية – ومنطلقين من مرجعيات مذهبية أو فكرية فإنهم لن يقدموا إلا مزيدًا من التلوث، ولئن وضع الفقهاء شروطًا شديدة للمجتهد قبل أن يُفتي للناس فإن مسألة تنقية الدين اليوم تبدو الأهم والأبرز وتستحق منا تكاتفًا وتعاونًا بين كل من لديه نية صادقة لتبليغ رسالة الله إلى خلقه كما أنزلها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد