الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية عمومًا تتابع الأوضاع في الدول العربية والإسلامية عن كثب، وذلك عند حصول أي تغير داخلي أو خارجي فيها، خصوصًا إذا كان داعمًا للقضايا العربية والإسلامية المشتركة، وقضية فلسطين على وجه التحديد، أو حتى معارضًا للحروب على الآخرين والتدخل في شؤونهم الداخلية.

ونحن نرى كيف أن كل دولة عربية من دول (سايكس بيكو) خُطط ويُخطط لها أن تتفتت، وأن الغوغاء هم حطب النار التي تأكل أخضر هذه الأقطار المستهدفة ويابسها، وقد رأينا مثلا برنارد ليفي، الفيلسوف الفرنسي (الإسرائيلي)، كيف تلاعب بأشباه المثقفين العرب، الذين حركوا بدورهم الغوغاء من ورائهم، وكيف كان يصول ويجول كمفكر ملهم للثورة السورية وللثورة في ليبيا وغيرها، مسعرًا ومشجعًا فيها لمطالبات الانفصال والتقسيم (التخريب)، وللأسف كان المواطنون في هذه الدول كالقطيع خلفه.

فاليوم بات العراق مقسمًا على أسس طائفية منحطة، وقد تتبع خطاه سورية، كما ويخطط أن تسير مصر نحو التقسيم بين قبط ومسلمين ونوبيين أيضا، وأن تسير دارفور على طريق الانفصال مثلها مثل جنوب السودان الذي سبقها، وليبيا الموحدة مذهبًا وعرقًا يمكن أن ترى تقسيمها إلى ثلاث قريبًا، كما بدأنا نسمع لأول مرة بالأمازيغية تطل برأسها في باقي شمال أفريقيا وبالأخص في الجزائر والمغرب، حيث إن الشق بين العروبة والأمازيغية تتم تغذيته في الوقت الذي كل الشعب فيه مسلم سني مالكي أشعري، فالفتنة المنتنة التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها نهيًا قاطعًا أصبحت جاهزة ومستعدة لتنفجر في أية لحظة وفي كل الدول تقريبًا (عربيًا وإسلاميًا)، مدمرة بذلك الأخضر واليابس لا سمح الله.

هذا ويجب أن نقول دائمًا الوطن العربي وليس العالم العربي، لأنه توجد حركة صهيونية ودولة محتلة غاصبة اسمها الكيان الصهيوني المحتل (إسرائيل)، بحيث إذا ربطنا ما بين العولمة من جهة وما بين الصهينة من جهة أخرى، ينتج لدينا مشروع (الشرق أوسطية)، وهو مشروع تغيير هوية وثقافة الوطن العربي لضرب القاسم المشترك الجامع وإعادة إنتاج الجغرافيا السياسية للمنطقة من خلال تفكيك الدول على أسس طائفية وإثنية وعرقية وجهوية وغيرها، وجعل التسويات والمعاهدات الجسر الذي يعبرون عبره من مرحلة السلام مع دول إلى مرحلة السلام مع دويلات يهيمنون عليها (الشرق الأوسط الإسرائيلي).

لهذا كله يجب أن تكون رؤية الزعماء والمسؤولين العرب والمسلمين مركزة على وضع حد لتبعية بلدانهم للولايات المتحدة خاصة والغرب عامة، وهي السياسة التي حولت معظم هذه البلدان لأداة ورأس حربة في جميع الحروب الأمريكية العبثية في المنطقة، ويا ليت زعماؤنا العرب خصوصًا يتنافسون فيما بينهم للحفاظ على هيبة بلادهم وقرارها السيادي المستقل، وإلغاء كل أشكال التبعية لأمريكا وغيرها، وعدم إهدار ثروات هذه الأمة فيما يضرها ويشوه صورتها في العالم بأسره (حلفائنا الفاسدين)، أو تقديمها للولايات المتحدة والغرب لشراء الأسلحة منها ودفع مليارات الدولارات في سبيل محاربة بعضنا البعض لتحقيق مصالحهم على حساب دماء شعوبنا.

هذا ويجب على الحكام والمسؤلين العرب إجراء مراجعات جذرية لجميع سياساتهم الحالية (الخارجية)، والاتجاه نحو الشرق، والانخراط في تحالفات مع روسيا والصين، على أن تكون هذه المواقف والسياسات عملية وملموسة ولا تستعدي دولًا أخرى، ولا تضحي بالأمن القومي العربي، إضافة إلى ذلك يجب العمل على بناء وتفعيل تحالفات إسلامية تضم كلا من إيران وباكستان وماليزيا وتركيا ومعها العراق وسورية والجزائر وغيرها للتصدي للتدخلات الخارجية وللغطرسة الأمريكية.

كما يجب العمل على النهوض ببلداننا وإعادة الهيبة لكل بلد على حدة، واستعادة مكانتها كقوى إقليمية عربية إسلامية منفردة أو مجتمعة، مهابة وذات شخصية سيادية مستقلة، ورفض الالتزام بالإملائات الخارجية كافة أيا كانت، وإعادة تشكيل هوية البلاد الجامعة لكل الأطياف في مجتمعاتها، والمتكاملة مع الآخرين في الجوار أو الإقليم، وذلك من خلال الإسلام العابر للطوائف والمذاهب، ونبذ الطائفية المقيتة، والبدء بتطوير هويات وطنية قائمة على السيادة والاحترام، وامتلاك قوة الردع العسكري (النووي)، والإطاحة برموز الفساد والعمالة في البلاد، والعمل على اتخاذ القرارات بكل استقلالية وبما يحقق مصالحها الوطنية والقومية، وذلك كما فعل مؤخرًا عمران خان في باكستان، والذي رفض أن يكون تابعًا لأمريكا وحلفائها في منطقة الخليج، مثلما كان يفعل أسلافه السابقون، وآخرهم نواز شريف الذي يقبع حاليًا خلف القضبان، بحيث صوت البرلمان الباكستاني في عهده بالإجماع على عدم المشاركة في الحرب على اليمن، وعدم الخضوع لابتزازات أمريكا بوقف المساعدات العسكرية والاقتصادية التي تصل إلى ملياري دولار سنويًا تقريبًا، وكما عمل أيضًا مهاتير محمد في ماليزيا، وذلك بالإطاحة وفي وقت وجيز جدًا برموز الفساد في بلاده واسترجاع الأموال المنهوبة منه.

أما داخليًا فيجب العمل على انتهاج سياسات تقشفية إلى حد ما، للحفاظ على المال العام، وتقليص مستويات الدين العام، وذلك بإعادة تفعيل مؤسسات الدولة والاعتماد على الذات، ومحاولة تحقيق الاكتفاء الذاتي وتحفيز قيم العمل، والتشجيع على الاستثمار الداخلي، ومحاربة الفساد، وتفعيل نظام الضرائب، ومطاردة المتهربين منه، والأغنياء منهم خاصة، إضافة إلى تطبيق نظام شامل للرعاية الاجتماعية، يحد من الفقر والبطالة، ووضع الفقراء على قمة الأولويات، والانحياز إلى الشباب العاطل والذين يشكلون الأغلبية الساحقة في بلادنا.

الولايات المتحدة لا تعتبر العرب والمسلمين حلفاء بل مجرد تابعين وأدوات حتى توظفهم في خدمة مخططاتها للهيمنة على مناطقهم ونهب ثرواتهم، ومنع أي دولة عربية أو إسلامية من امتلاك أسباب القوة، عسكرية كانت أو اقتصادية، وهو ما حصل عمليًا في احتلال العراق وتغيير النظام في ليبيا، وتدمير سورية واليمن وأفغانستان، كما أن السبب الذي يقف وراء الهجمات (العقوبات الاقتصادية) التي تشن ضد تركيا وإيران وباكستان وماليزيا وغيرها، أنها أصبحت مؤخرًا ترفض إلى حد ما الإملاءات الخارجية والمتعلقة بمجالات الاقتصاد والأمن والسياسات الخارجية، وتتخذ قراراتها بناء على مصالحها وآمال شعوبها.

إدارة الرئيس دونالد ترامب أشهرت سيف الحرب الاقتصادية في وجه العديد من الدول مثل روسيا والصين وفنزويلا وتركيا وإيران والاتحاد الأوروبي، فجاء رد هذه الدول، منفردة أو مجتمعة، بالتخلي جزئيًا عن الدولار في تعاملاتها التجارية البينية كخطوة أولى وسريعة، وذلك في مقدمة لسلسلة خطوات أخرى قادمة، حيث أصبح تعامل هذه الدول مع الولايات المتحدة الأمريكية الآن من زاوية الند للند، وعدم الخضوع لإرهابها وقراراتها الابتزازية بوقف المساعدات العسكرية والاقتصادية، كما أن الصدام بين ما سبق من دول وأمريكا يصب في مصلحتنا كعرب ومسلمين، ومصلحة روسيا والصين والتعددية القطبية، لأن ثمن الحرب مع أي كان منهم سيكون باهظًا جدًا بالنسبة لأمريكا وحليفها الرئيسي في المنطقة (إسرائيل).

فالحرب الاقتصادية الأخيرة مثلا على تركيا من أمريكا سبقتها توترات سياسية عميقة، لكن أردوغان استثمر أن تركيا هي بوابة لاجئي الشرق لأوروبا، بل ومحطة الدفاع الأولى عن الإرهاب في نظر أوروبا، كما واستثمر حنق وغضب كل من أوروبا والصين وروسيا من سياسات ترامب الاقتصادية التي لم تجد من يردعها جديًا، لحشد دعم دولي له ولاقتصاده ولعملته، ممثلاً بذلك دور المنتصر الذي يقود العالم في حربهم ضد سياسات ترامب، فالاقتصاد التركي الأسرع نموًا بين دول مجموعة العشرين التي تشكل 85% من الاقتصاد العالمي، وتركيا هي من ضمن 11 دولة في العالم فقط ليس عليها أي دين لصندوق النقد الدولي، كما إن قيمة التبادل التجاري بين تركيا والدول العظمى كبير، بل إن صادراتها وحدها لهذه الدول كبيرة للغاية، وهذا يعني أن اقتصادها مربوط باقتصادات كبيرة، مما يعزز من مكانة الاقتصاد التركي واستقراره، فنحن هنا نتحدث عن اقتصاد متطور ومربوط باقتصاد العالم، والنظام المالي العالمي نفسه سيوفر حماية لقطعة الدينامو الكبيرة (تركيا) بشكل أو بآخر، لأن أي تأثير على اقتصاد تركيا الدولة الإستراتيجية سيعني توابع خطيرة على عدة دول مهمة في العالم.

وهكذا نرى كيف استطاع أردوغان أن يجعل أوروبا الحليف التاريخي الحميم للولايات المتحدة تقف في صفه، وذلك في نادرة تاريخية ربما لم تحدث من قبل، مستغلَا بالطبع عوامل ليست من صنعه، وقد خسرت أمريكا الآن على الأقل هذه الحرب المفتوحة مع تركيا، خصوصا وأن كل حلفائها انفضوا من حولها، وهذا فقط تأثير تركيا اقتصاديًا، فما بالك بالصين وروسيا وفنزويلا وغيرهم، كما أن خيارات التحالف مع غير الولايات المتحدة لا تعد ولا تحصى، والظروف الدولية الحالية تدعم ذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

د. إبراهيم علوش
عرض التعليقات
تحميل المزيد