في فيلم الكارتون الشهير (Ratatouille)، يحكى عن الفأر (ريمي) الذي يحب الطبخ وله موهبة فريدة في مزج الأطعمة وابتكار وصفات مبدعة، كان (ريمي) يعيش بين قبيلته يسرق الطعام ويختبئ من البشر، وكان يكتفي بلحظات قليلة من السعادة أمام التلفزيون بحثًا عن معلمه المحبب الشيف (جوستو) والذي يؤمن بمبدأ (الطبخ للجميع)، إلى أن أتى اليوم الذي اكتشفت فيه صاحبة المنزل العجوز مخبأهم ففروا جميعًا، وأصبح (ريمي) وحيدًا في شوارع باريس لأول مرة بعيدًا عن أبيه وقبيلته.

ما لاحظته أن الفأر حينما فقد الحماية أصبح يبحث عن شغفه بشجاعة أكبر، دخل مطبخ مطعم معروف في باريس ورغم أنه لازال يحمل في جيناته غريزة الخوف والفرار، إلا أنه توقف حينما جذبت أنفه رائحة حساء فاسد وبدأ يضيف إليه التوابل والثوم والروزماري حتى أصبح جميل الطعم والرائحة، كاد أن يفقده شغفه حياته، إلا أنه في كل مرة لا يتحطم بل يصبح أكثر ثقة وسعادة، لكن يبدأ الفيلم في اتخاذ منحنى جديد حينما تعود قبيلته للظهور. يكتشف أبوه شغفه السري فيذكره بأنه (فأر)، الفئران لا تحلم، الفئران لها مسار حياة محدد من تركه سيصبح مقتولًا في مصائد البشر٬ وهو ما جعل (ريمي) يخاف لبرهة، هذا المشهد ذكي جدًّا.

ابنك

حينما أركب السيارة مع أمي فإن قيادتي تختلف كثيرًا عما أكون عليه وحدي، تحذيرات أمي المتكررة عن أبسط التفاصيل مثل تهدئة السرعة العادية أصلًا، والفزع حينما نضل الطريق أو ندخل مكانًا مظلمًا نسبيًّا، وغيره من ردود الأفعال غير الواثقة والتي لا تتناسب مع سنوات عمرك التي قضيتها في القيادة، الغريب أن عدوى التوتر تنتقل إليّ تلقائيا ويتسلل داخلى خوف مبهم يجعلني أحكم قبضتي على مقود السيارة بشدة، بل أحيانًا يصل التوتر إلى تمني أن يأتي أحد ويتولى عني القيادة لأنني غير واثقة من قدرتي على إكمال الطريق، بينما أكون أكثر شجاعة وحدي وأستمتع بالقيادة واكتشاف طرق مجهولة وثغرات لمرواغة الزحام، ربما تخطئ أحيانًا لكن ليس لدرجة التهور الأعمى لأكتشاف قدرات لا تملكها، بل أنت تختبر ما بوسعك فعله وتستمع به فحسب.

ما ألاحظه أن الآباء يريدون أن يجنبوك ليس الموت أو الألم فقط، بل الحزن والندم والحيرة، بمعنى آخر يريدون أن يجنبوك معاني الحياة الأساسية اللازمة لتعليمك وإنضاج فكرك، كثيرًا ما حكى لي شباب عن أعمق وجع في قلوبهم وهو أن آباءهم لا يؤمنون بأحلامهم، يبدأ الآباء في الإلحاح عليهم في اختيار الكلية الفخمة الاسم، والعمل الذي يشغلونه والذي يكون مريحًا مضمون المال كالوظائف الحكومية، والإلحاح على شريك الحياة تختاره بلا ذرة حب لأن الحب سيأتي بعد الزواج، وغيرها الكثير من التحذيرات التي تجبرك على المشي في طريق واحد اتبعته البشرية، ما أفكر فيه هل البشرية كلها فعلا سارت في هذا الطريق؟! ، ألا يوجد من غير كليته مثلًا، أو ترك عمله ولف العالم، أو اعتكف على القراءة والعلم ولم يتزوج؟ هل هؤلاء حالات شاذة غير محظوظة ولا سعيدة، حالات ضلت الطريق، السؤال الحقيقي فعلًا ما هو الطريق؟ ومتى نحكم أننا ضللنا أم لا؟ ومتى يمكنك أن تقول أن هذا الإنسان كان تجربة فاشلة ورحل من الحياة بغير سعادة حقيقية؟

حينما تفكر ستجد أن ما ميز الله به الإنسان عن الملائكة هو الاختيار، حينما قال لآدم وزوجته (لا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين)، رغم كون سيدنا آدم واثق من أنه حق لا يختبر صحته، إلا أنه في النهاية استخدم حقه في الاختيار، لكن الله عز وجل لم يسلبه ذلك الحق، لم يقل (بمعصيتك يا آدم فقد شهدت على نفسك بأنك ساذج لا تفهم)، بل أنزله إلى الأرض في إشارة أنه معد لوظيفته التي خُلق لأجلها (إني جاعل في الأرض خليفة) بقدرته على تمييز الصواب والخطأ وقدرته على الاختيار بينهما، فكرة قوة الإيمان ذاتها قائمة على أنك مؤمن بأن الله موجود وعليم وحكيم فيجعلك هذا تعدل اختيارك ليتبع منهج الله، لو أُرغمت على هذا ليس إيمانًا، وبالتالي هذا دليل دامغ أن من حق الإنسان منذ لحظة بلوغه أن يجرب ويخطئ ويخوض أكثر من طريق ويعدل مساره.

 

أيضًا ستلاحظ أن القانون والمحاسبة تبدأ من سن البلوغ، يعني الاختيار يبدأ من هنا، وبالتالي فأنت كأب لك حق في أول ١٥ سنة من عمر ابنك أن تمسك بيده وتقوده وتثبت بداخله بذور الإيمان والسعي والفضائل وحب العلم، ستجد أن ابنك في ذلك العمر يقلدك في كل شيء، لكنه يبدأ في الاختيار (الذي قد تعتبره تمردًا) منذ لحظة إدراكه أنه نفس مستقلة تملك عقلًا وقوة بذاتها، لذلك منذ تلك اللحظة أنت فعليًّا تحصد ما زرعته طوال العمر الماضي.

ولو نظرت في الآية (وعلم آدم الأسماء كلها)، إذا يميز الإنسان أيضًا قدرته على التعلم والاستنتاج ، معنى كلمة (علم) أصلا تأتي من التجربة والمشاهدة، كنت أقرأ عن فلسفة جديدة في التعليم يتبعها علماء التربية تسمى (Constructive)، وهو أن الإنسان يبني معلوماته الخاصة عن الحياة مما يشاهده ويستنتجه بنفسه، مهما حفظ من قوانين حسابية ومعادلات كيميائية لن يكون قادرًا على إنتاج علم جديد سوى حينما يجرب ويرى الأثر، لذلك تحولت العملية التعليمية في كثير من المدارس إلى أنشطة تفاعلية، مثلا يجتمع المعلم بالطلبة ويناقش مسألة حسابية أو فيزيائية، على الرغم من أنه يعرف الإجابة إلا أنه يدعو كل طالب أن يناقش المسألة من واقع خبرته، ولو وُجدت إجابة منطقية يشير إليها، وهكذا حتى تبدأ الإجابة الصحيحة تخرج من عقولهم  ربما يبدو الأمر متلقائيًا،جهدًا وطويلًا إلا أن الأهم بناء عقل قادر على التفكير واستنتاج علم جديد.

إنني أفضل أن يخاطر الإنسان في شبابه وقوته ويخطئ ألف مرة على أن يعيش بلا تجربة ولا مجازفة واحدة، لأنني رأيت بالفعل كثيرًا من الكبار يندمون على أنهم لم يخاطروا في حياتهم٬ لكني لم أجد عجوزًا واحدًا عاش حياة ثرية بالخبرة يندم على متعة التجربة، بل إنها هي ما تبقى في ذاكرته وهي ما يرويها بفخر لكل من يقابله، وهي القصص الوحيدة التي سينصت لها أحفاده.

 

ابنك1

الآباء غير مرغمين على أن يؤمنوا بأحلام أولادهم، ربما لا يفهم الأب معنى أن تسافر أو تبدأ شركة جديدة من الصفر، والابن لا يبحث بين كلماتك عن إشارة بالاقتناع أو التفهم، بل يريدك فقط أن تؤمن بقدرته على النجاح لأنك جدار الأمان والثقة الوحيد له، إنني أتعجب فعلًا حينما أجد كثيرًا من الشباب الصغير يقول بتنهيدة حارة على عصر أجداده (الزمن الجميل) رغم أنه لم يعش فيه يومًا، ولم يره سوى بالأبيض والأسود، وما قال ذلك إلا لأنه غير واثق من قدرته على صنع مستقبل مختلف.

أجمل مشهد في الفيلم كان حينما أصر الفأر (ريمي) على إكمال حلمه في الطبخ ومخالفة تحذيرات أبيه، لكنه في يوم صادفته عقبة كبيرة أشعرته باليأس، أتى إليه أبيه في لحظة ضعف كاد فيها أن يتخلى عن حلمه٬ سأله: “يا بني الموضوع ده مهم بالنسبة لك؟”، فلما رأى ذلك في عينه وقلبه، نادى على سائر قبيلته كي تشمر أكمامها وتقف بجانبه٬ وقال: “ملناش في الطبخ .. بس إحنا عيلتك يا ابني”.

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد