ذات يوم صرح فالتر بنيامين إن أول خبرة للطفل بالعالم لا تتمثل في إدراكه «أن الكبار أشد منه بل بالأحرى في اكتشافه أنه ليس لديه إمكانيات سحرية».

 مخلوقات الأساطير، تعلم الأطفال أنه إذا أردتَ أن تكون سعيدًا عليك أن تكسب جنِّي المصباح إلى صفك، وأن تحتفظ في دارك بالحمار الذي يتغوط عملات ذهبية، والدجاجة التي تبيض ذهبًا. وأيًا كان الموقف الذي تجد نفسك فيه، فإن علم الموضع السليم الذي ينبغي التواجد فيه، والمفردات السليمة التي ينبغي النطق بها، أكثر أهمية بكثير من تجشم عناء بلوغ المقصد عبر الأساليب القويمة. فالسحر معناه، على وجه الدقة، أنه ما من واحد من جدير بالسعادة، وأن السعادة المستحقة، كما عرف القدماء، هي دائمًا وأبدًا محض خيلاء، وثمرة للكبرياء والغلو. إلا أن إذا كان بمقدور المرء النفوذ على الأقدار من خلال الحيلة والخداع، ولو أن ما يناله من سعادة لا يعتمد على ما هو عليه في نفسه بل على تعويذة سحرية أو «افتح يا سمسم»، عندها، وعندها لا غير، يمكنه أن يُعد ذاته حائزًا لبركة السعادة الحقة.

تلك الحكمة الطفولية التي تشدد على أن السعادة ليست شيئًا يُمكن أن نناله عن كفاءة واستحقاق، دائمًا ما كانت تُقابل بالاعتراض من منحى النزعة الأخلاقية السائدة. فلنأخذ، على طريق المثال، مفردات كانط، وهو الفيلسوف الأقل مقدرة على استيعاب الفارق بين الحياة الكريمة والحياة السعيدة: «هنالك شيء بداخلك يحاول أن خلف السعادة، ذلك هو الهوى؛ وفي المقابل، هنالك شيء آخر يقيد ذلك الهوى ويرهنه باستحقاقك للسعادة وجدارتك بها، هذا هو الذهن».بيد أننا (أو الطفل الذي بداخلنا) لن نعرف أبدًا ماذا نفعل بسعادة نلناها عن استحقاق. ويا لهول أن تعشقك امرأة لا لشيء سوى لكونك جديرًا بهذا! وكم هو ممل أن تنال السعادة مكافأةً على عمل أديته بإتقان.

تلك العلاقة بين السعادة والسحر ليست بسهولة علاقة لاأخلاقية، والدليل على كونها تومئ إلى منظومة أخلاقية أكثر نيافةً يمكن تلمسه في الحكمة القديمة التي تقول إنه في اللحظة التي يعي فيها المرء أنه سعيد فإنه لم يعد سعيدًا. وذلك معناه أن هنالك رابطة مشكلة بين السعادة والذات. فالشخص السعيد لا يمكنه أن يعلم هذا؛ والذات السعيدة ليست ذاتًا لائحة بنفسها ولا تتخذ صورة الإدراك أو الحس الأخلاقى. هنا يتجلى السحر بوصفه استثناءً، بوصفه السبيل الأوحد الذي يتيح للإنسان أن يكون سعيدًا وأن يعلم هذا في الوقت نفسه. فمن يستمتع بشيء ما بواسطة الافتتان إنما يفلت من هذا الغلو الذي ينطوي عليه الإدراك بالسعادة. هذا لأن السعادة التي يعلم أنها بحوزته هي، بمعنىَ ما، ليست ملكه. وبذلك، فعندما اتخذ زيوس هيئة أمفيتريون وعاشر ألكمين الجميلة، فإنه لم يستمتع بها باعتباره زيوس ولا حتى، على ضد الجلي، باعتباره أمفيتريون. فاستمتاعه بها يكمن إجماليًا في افتتانه بها، ووحده الشيء الذي نبلغه عبر الأساليب الملتوية للسحر هو ما يمكننا أن نجد فيه متعة خالصة وواعية بذاتها. وحده الفرد المفتون هو من يمكنه أن يقول «أنا» بابتسامة على شفتيه، والسعادة الوحيدة المستحقة بحق هي هذه التي لا يمكننا أن نحلم يومًا باستحقاقنا لها.

هذا هو الداعِي المادي خلف المبدأ القائل بأنه هنالك كيفية واحدة لبلوغ السعادة على الأرض: الإيمان بالفردوس والإحجام عن التطلع لبلوغه (هنالك تنويعة ساخرة على ذلك المبدأ نجدها في شات بين كافكا وجوستاف جانوش، حين يؤكد كافكا أن هنالك العديد من الأمل –إلا أن ليس لنا). تلك الأطروحة النسكية في ظاهرها تغدو مفهومة لاغير إذا فهمنا المقصود بـ «ليس لنا». فليس المقصود أن السعادة مقصورة على الآخرين (فالسعادة، على وجه الدقة، لنا) إنما المقصود أننا نلتقي السعادة لاغير حيث تكون غير تمكُّن لنا. وبكلمات أخرى: السعادة يمكن أن تشكل لنا لاغير بواسطة السحر. في هذا المكان، حيث ننتزعها من يد الأقدار، تتطابق السعادة إجماليًا مع وعينا بأنفسنا ككائنات لديها إمكانيات سحرية، مع هذه الحركة التي نزيح بها عن كواهلنا حزن الطفولة ذاك مرةً واحدة وإلى الأبد.

فإن كان الشأن أيضًا، لو أنه ما من سعادة سوى في الإحساس بامتلاك إمكانيات سحرية، فإن توضيح مفهوم كافكا المبهم للسحر يغدو جليًا. فهو يقول إننا لو نادينا الحياة باسمها السليم لهرعت إلينا، لأن «ذلك هو جوهر السحر. فالسحر لا يخلق الشيء بل يستحضره». ذلك التعريف يتفق مع التقليد القديم الذي كان كهنة القبالة ومحضرو الأرواح يتبعونه بمنتهى الدقة والذي يشاهد أن السحر في جوهره هو معرفة الأسماء السرية. فكل شيء وكل كائن له، إلى منحى اسمه الجلي، اسم آخر سري، لا يتقاعس أبدًا عن الاستجابة له. وأن تكون ساحرًا معناه أن تعرف هذه الأسماء الأصلية وأن تستحضرها. ومن هنا هذه النقاشات التي لا تنتهي بشأن الأسماء (الشيطانية أو الملائكية) التي يؤكد مُحضِّر الأرواح بواسطتها سلطانه على القوى الروحية. فالاسم السري، فيما يتعلق له، ليس إلا خاتم سلطانه على حياة وموت الكائن الذي يحمله.

إلا أن وفق تقليد آخر أكثر إشراقًا، فإن الاسم السري ليس شفرة خضوع الشيء لكلمات الساحر بمقدار ما هو الطغراء التي تسمح له بالانعتاق من ربقة اللغة. فالاسم السري هو الاسم الذي كان يُنادى به الكائن في جنة مدينة عدن باليمن. وما أن يُنطق به حتى يتحطم الاسم الجلي –بل وبابل الأسماء بأسرها- إلى شظايا متناثرة. ولذا فإن السحر، وفق هذه العقيدة، هو مناشدة للسعادة. والاسم السري هو الإيماءة التي تُعيد الكائن إلى هذا الشيء الذي لا طريق للتعبير عنه. والسحر، في الفحص الأخير، ليس علم الأسماء بل إيماءة، تحرر من ربقة الاسم. ولذا الداعِي فإن الطفل لا يشعر أبدًا بسعادة أضخم من هذه التي يشعر بها حين يخترع لغة سرية. وحزنه لا ينبع من جهله بالأسماء السحرية بمقدار ما ينبع من عجزه عن التحرر من ربقة الاسم الذي فُرض عليه. فما أن ينجح في اختراع اسم حديث، حتى يجد بين يديه تذكرة المرور إلي السعادة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد