الحمد لله مدبر الوجود، ومؤيد الجنود، مبدع الموجودات بحكمته، ومتقنها ببديع صنعته، الواحد القهار، العزيز الجبار، ذي البأس الشديد الفعال لما يريد.

أحمده أبلغ حمد وأزكاه، وأشهد أن لا إله إلا الله البر الكريم، الرءوف الرحيم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وحبيبه وخليله، الهادي إلى صراط مستقيم، والداعي إلى دين قويم، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين وآل كل الصالحين.

أما بعد، وحيث إنّي قد اعتزمت الكتابة عن التراث وكتب أهل التراث فلم أجد خيرًا من هذه المقدمة التي اعتاد أجدادنا أن يفتتحوا كتبهم بأشباهها، وكانوا يبدعون فيها، فلا نلاحظ وجود افتتاحية تشبه الأخرى، تتفاوت كل منها في الطول والقصر، ولكن مضمونها واحد، وهو التسليم لله والصلاة على رسوله.

مثلي مثل الكثير من الناس كنت أجد مشقة كبيرة في قراءة الشعر القديم أو الأدب القديم بوجه عام، ليس فقط لصعوبة لغته بل أيضًا لصعوبة أسلوبه، فحتى لو نجحت في فك طلاسم اللغة، واستطعت ترجمة مفرادتها كنت أتعثر في الكثير من المعوقات، منها على سبيل المثال، أسلوب الكتابة الذي يعتمد على الحكي، فهو يكتب لك كما لو أنه يتحدث إليك، فتراه يسترسل في الحديث، ويترك موضوعًا ويدخل في آخر ثم يعود بك إلى الموضوع الأول وهكذا، فلا تكاد تهنأ بإمساك طرف خيط للحكاية حتى يضيع منك وسط دروب لا بداية لها ولا نهاية، وتضيع وسط دوامات الحكي.

ثم جاءت علي فترة قلت لنفسي فيها في لحظة يأس: مالي ومال كتب الأقدمين، فليس لي فيها نفع ولا يرجى منها استفادة، فما الذي سيعود علي عندما أقرأ وصف الشاعر فلان للناقة، أو بكاء الشاعر علان على الأطلال. إن بعد الزمن بيني وبين هؤلاء الشعراء قد قطع الصلة بيني وبينهم، فأصبحت غير قادر على تذوق ما يكتبون، ولا أن أتعاطف مع ما يشعرون، وغاب عني أهم شيء يلزم القارئ لمواصلة ما يقرأه وهو الاستمتاع.

لندع إذًا الأدب القديم لأهله من العلماء المتخصصين، يجاهدون هم في فك طلاسمه، ونتفرغ نحن للأدب الحديث وما يوفره لنا من متعة، فالعمر أقصر من أن أقضيه في قراءة كتاب لا أفهم منه شيئًا، وحتى لو فهمت فلن يعود عليَّ فهمي بأي نفع.

حتى جاءني الأدب الحديث بجوهرة نفيسة قدمها لي الكاتب الكبير محمد المنسي قنديل اسمها «شخصيات حية من الأغاني» الكتاب الذي كان بمثابة قلب للطاولة وغير نظرتي تمامًا إلى الأدب القديم.

بلغة قوية وأسلوب مميز مناسب لروح العصر الحديث ومحافظ على روح القديم، يعيد محمد المنسي قنديل صياغة 30 حكاية من حكايات أبي فرج الأصفهاني التي أوردها في كتابه الشهير «الأغاني».

ولم يبخل علي الكاتب فقدم لي جوهرته الثانية «لحظة تاريخ»، لأدرك أن مشكلتي مع القديم ليست فيه هو، بل في طريقة تقديمه لي، ولو أتيح لهذا القديم أن ينظف نفسه من غبار الماضي ويرتدي حلة جديدة حديثة لتقبلته.

وصرت أتابع الجهود التي بذلها الأدباء في عصرنا الحديث لإحياء الأدب العربي، فوقع بين يدي كتاب «حديث الأربعاء» لطه حسين، ليتحدث الكاتب عن المشكلة نفسها التي واجهتني، فيبدو أن المشكلة ليست وليدة اليوم، وليس شباب اليوم المتقاعسين عن سلك طرق الأدب الوعرة، بل إن آبائنا أيضًا وجدوا ما وجدت، وعانوا مثلما عانيت في فهم ما كتبه الأجداد، وكانوا في حاجة إلى معين يساعدهم في سبر الأغوار وكشف الأسرار، فوضع طه حسين كتابه هذا ليكون بحق خير معين.

لم تكن تلك تجربتي الوحيدة مع طه حسين في محاولته لتقريب التراث العربي القديم للأجيال الجديدة، بل كانت لي معه تجربتان هما «تجديد ذكرى أبي العلاء»، و«مع أبي العلاء في سجنه»، وفي الحقيقة لم أستلطفهما.

تابعت بعدها عدة كتب تحمل المضمون نفسه، أعجبت ببعضها ولم يعجبني الآخر، فقرأت لصلاح عيسى حكاياته المأخوذة من دفتر الوطن، وهوامشه للمقريزي، وتابعت بشغف كتب وليد فكري التاريخية، ثم قرأت مؤخرًا كتاب جمال الغيطاني «منتهى الطلب إلى تراث العرب».

هو كتاب مهم، ليس فقط لكونه يتحدث عن كتب جار عليها الزمن فلم تأخذ حقها، لكنه مهم أيضًا في تعريفنا إلى منهج جمال الغيطاني نفسه في الحكي وتأثره بالتراث بشكل يتضح جليًّا في كل كتبه تقريبًا، بداية من اختياراته لعناوين كتبه، مرورًا بمتن الكتاب نفسه.

في معرض الكتاب القادم تقدم لنا منشورات الربيع كتاب أشرف الخمايسي الجديد «سيرة عرب أقدمين/ أغاني الأصفهاني» ذلك الكتاب المتلهف لقراءته منذ رأيت إعلان صدوره، ووضعته على رأس قائمة مشترياتي في معرض الكتاب، وأنا واثق أن أشرف الخمايسي لن يخذلني وسيقدم لي شيئًا جديدًا عما قدمه محمد المنسي قنديل من قبله، وفي الوقت نفسه يحمل المقدار نفسه من العظمة والقوة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد