عزيزي القارئ، هذا المقال يناقش بشكل رئيس القراءة العلمية لا القراءة الأدبية.

يقول أحمد حسن الزيات: «وما دمنا لا نرى الكتاب ضرورةً للروح، كما نرى الرغيف ضرورةً للبدن؛ فنحن مع الخليقة الدنيا، على هامش العيش أو على سطح الوجود».

وللأسف الشديد تمرّ القراءة في العالم العربي في الوقت الراهن بتردٍ واضمحلال كبيرين، وفي وقت تلقى فيه قراءة الروايات والقصص رواجًا من الجمهور ومن هم في مرحلة الشباب خاصة ويقرؤونها بنَهم، لا تزال القراءة العلمية مُهملة من غالبية القراء.

وعلى الرغم من كل التحديات –الصعبة– التي تواجهها القراءة العربية، وتراجع دور المثقفين العرب عن ترغيب العامة في القراءة وحثهم عليها، وتأكيد أهميتها الكبرى في النهوض بالمجتمعات، وانتشال الأوطان من الجهل والفقر إلى العلم والتطوّر، على الرغم من كل ما سبق فهناك اتجاه ملحوظ من بعض الشباب لتشجيع القراءة ودفع الشباب العربي نحو القراءة من خلال ترجمة مقالات علمية ونشرها على المدونات وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وهو مجهود يُشكر أصحابه عليه. فما يهمنا إذن هو أن يقرأ العربي، ولكي يقرأ العربي، ولكي يَفيد العربي من قراءته، عليه أن يتخلى عن القراءة السلبية، ويتعرف إلى بعض النقاط المهمة التي تضمن تحصيلًا أكبرن وقدرة على تطبيق ما قرأه في الواقع.

سجلت القراءة في العالم العربي مستوى متدنيًا جدًا في العقد الأخير، إذ أظهرت إحدى الدراسات الحديثة لمنظمة اليونسكو أن المواطن العربي يقرأ ربع صفحة في العام الواحد.

سنسلط الضوء في هذا المقال على القراءة بهدف «التنوير» أو الفهم والتطبيق، ويشمل هذا النوع قراءة الفلسفة والعلوم والتاريخ، سنناقشها عمومًا على أن نعرض لكل من الثلاثة بشيء من المقارنة في نهاية المقال.

في كتابه بعنوان How to Read يلقي الدكتور مورتيمر أدلر، المؤلف الأمريكي وأستاذ الفلسفة في جامعة كولومبيا وشيكاغو، الضوء على أزمة القراءة العلمية الرامية إلى الفهم والتطبيق، وليس مجرد تحصيل المعلومات وحفظها، ويفتتح أدمر كتابه بفصل كامل يذكر فيه أن هذا الكتاب موجه بشكل رئيس إلى القارئ العادي الذي يجيد فك الخط ولا يجيد القراءة، وربما بدت لك الجملة السابقة سمجة للوهلة الأولى، وهي في واقع الأمر قد تكون جرس إنذارٍ إذا تبادرت إلى ذهنك بتلك السماجة. سيتضح المقصود لاحقًا.

كيف أقرأ إذن؟

قبل بداية القراءة ثمة أمر مهم للغاية يقع في فخه الكثير، وهو اختلاط معاني الألفاظ، فكلمة «مثالية» بالطبع سيختلف معناها إذا قرأتها في هذا المقال عن المعنى إذا قرأتها في كتاب فلسفي عنه إذا صادفتها في كتاب علمي. فالمثالية قد تعني انتهاج نهج أخلاقي، وتبني مجموعة من المبادئ أو نموذجًا يقتدى به، في حين أنها قد تعني هجومًا على شخص إذا وصفناه بالمثالية أي أنه يعيش في عالم وهمي ويحاول أن يجده في أرض الواقع، وفي الفلسفة تعني الكلمة ردّ الكون إلى مبدأ فكري وهو «المثال» وسبْقَ الفكر على المادة.

وتذكر على أية حال جملة الكاتب «السمجة»، لكن إذا أمعنت النظر وأطلت التفكير فيما تعنيه كلمة «قراءة» ستصل في نهاية المطاف إلى احتمالات كثيرة، فقد تعني القراءة مجرد قراءة للرموز اللغوية المتمثلة في الحروف، وقد تشير إلى قراءة الأفكار، وقد تكون القراءة التي نعرض لها بالحديث والتي بصددها وضع الكتاب.

فينتقي القارئ الجيد بشيء من الفطنة الكلمات التي يركز عليها الكاتب، قد يكرر الكاتب تلك الكمات، وقد يلفت انتباهك إليها ويركز على أنه سيستخدمها على وجه محددٍ في كتابه. فانتقاء الكلمات التي يعوّل الكاتب على استخدمها كثيرًا إذن واستيعابها استيعابًا كاملًا يعتبر خطوة أساسية في رحلة القراءة الهادفة إلى التنوير.

القراءة تعلُّم

قد يقع القارئ المبتدئ أيضًا في فخ أكثر شيوعًا وهو فخ القراءة السلبية، أو القراءة الكسولة بتعبير آخر، في هذا النوع لا يبدي القارئ أية فعالية أثناء القراءة، بل قد تكون القراءة بالنسبة له أشبه بفيلم سينمائي يدور في شاشة أمامه، ولا يبدي القارئ جهدًا في محاولة فهم الكاتب بل ومناقشته أيضًا.

يشبّه أدلر القارئ الجيد بمستقبِل الكرة في لعبة Baseball؛ إذ على مستقبِل الكرة the catcher أن يُحكم قبضته عليها، ولا يقل دوره أهمية عن مسدّدها the pitcher. هكذا القراءة؛ لا بد -صديقي القارئ- أن تعي ما تقرأه وأن تتصيد المعلومات من بين السطور، وكأن الكاتب يقرأ إليك وأنت تفهم لتكون على استعداد لمناقشته إذا تطلب الأمر، وأن تنظر إلى الكاتب باعتباره أكثر علمًا وإلمامًا بالموضوع الذي يناقشه منك، ما قد فعلت ذلك ستعيره اهتمامك لتلقي المعلومات واستيعابها، ثم القدرة على نقدها.

وإذا لم تتمكن من فهم مراد الكاتب فهناك العديد من الخيارات أسوأها أن تضع الكتاب جانبًا، هذا إذا كان الكتاب قيمًا وقد قيّمه من قرأوه قبلك بشكلٍ إيجابي. من تلك الخيارات أن تطلع على آراء القراء السابقين ومراجعاتهم على منصات ومواقع القراءة على الإنترنت، ثم بذل جهد أكبر في فهمه.

إذا قرأت كتابًا ووجدته يستحق القراءة، فهو غالبًا يستحق القراءة أكثر من مرة.

ثلاث قراءات مختلفة

يذكر أدلر ثلاث طرق للقراءة يُفضِّل للقارئ المبتدئ أن يمر خلال كل واحدة منهم على حدة.

 1- بنية الكتاب أو هيكله

لكل كتاب بنية أو هيكل كما هيكل الإنسان، ويتمثل هيكل الكتاب في محتوياته ومدى ترابط الأفكار على أن تؤدي مجتمعة إلى فكرة واحدة أكبر وأعمق، ووظيفتك أن تتبصر في هذا الهيكل بأشعة X الافتراضية، وأن تتفحص محتوياته بصورة عامة أولًا.

لن أكون مبالغًا إذا أخبرتك أنك تحتاج أن تجيب عن سؤال: ما الذي يناقشه الكتاب؟ قبل أن تشرع في قراءة فصوله.
ولهذا السبب وُضع فهرس الكتاب ومقدمته، لكي تتعرف إلى الكتاب قبل أن تقرأه. ففي هذه القراءة الأولى ينصبّ تركيزك على نوع الكتاب والقضايا التي يناقشها والمشكلات التي يطرحها ذلك الكتاب. وعلى الرغم من الأهمية البالغة لهذه المرحلة في عملية القراءة إلا أن الكثيرين يتجاهلونها، فتجدهم لا يقرؤون المقدمة ولا الفهرس، ولا يمكنهم –إذا سألهم أحد- أن يذكروا ما يدور حوله الكتاب.

فعلى سبيل المثال يقسم الكاتب كتابه إلى فصول، والفصول إلى فروع منها، ثم إلى نقاط. قد تبدو المسألة مملة في بادئ الأمر لكنها وبشكل قاطع لها تأثير كبير في استيعابك للكتاب ككُلٍ يناقش مجموعةً من القضايا.
في هذه القراءة إذن يتدرّج القارئ من التعرف إلى الكتاب ككُلٍ إليه كأجزاء متمثلة في محتويات الكتاب، ويتعرف أيضًا القضايا الرئيسة التي يطرحها الكاتب.

إذا لم تستطع إعادة صياغة الأفكار التي يناقشها الكتاب بأسلوبك فأنت في الغالب لم تفهم منه شيئًا.

2- مرحلة القراءة التفسيرية

في هذه القراءة يتدرج القارئ، على عكس الأولى، من أجزاء الكتاب إليه كله، إذ يشرع القارئ في قراءة فصول الكتاب على وجه تفصيلي، ويمعن النظر في الكلمات، كما أسلفنا، والجمل والحجج التي يقيمها الكتاب وما إذا كان يدعم حججه بأدلة مقنعة وبراهين قاطعة أم لا. ويركز القارئ أيما تركيز على فهم مراد الكاتب من خلال المصطلحات، وكما لو كان الكاتب مدرسًا يشرح له المادة يستطيع القارئ أن يستوقفه ويطرح الأسئلة ويبحث عن إجاباتها؛ بل إن الفرصة في حالة القراءة سانحة أكثر لطرح الأسئلة والنقاش. ويحاول القارئ أيضًا في هذه القراءة أن يبحث عن الحلول التي أوجدها الكاتب لمشكلاته التي تعرّفها في قراءته الأولى.

3- القراءة الناقدة

بعد أن انتهيت من القراءتين السابقتين –كل على حدة-، وبعد أن استوعبت جيدًا أفكار الكاتب ومراده تكون قد قطعت شوطًا كبيرًا من المناقشة الدائرة بينك وبينه. ولكن المناقشة لم تنتهِ بعد، فحتى إذا كان الكتاب قد قُيم إيجابًا من قبل قراءٍ سابقين، فإن حق الرد والاختلاف لا يزال متاحًا لك فيمكنك الحكم على الكتاب، وبإمكانك أن تختلف مع الكاتب، وهذا لا يتنافى إطلاقًا مع اعتبارك الكاتب أكثر علمًا وخبرة في القضية التي يناقشها منك، فما دمت قد أعرته كل اهتمامك أثناء القراءة، وتعرفت حججه والمشاكل التي يعرض لها وحلوله لتلك المشاكل، فأنت بذلك قد وصلت إلى مرحلة إبداء الرأي. ولكن اعلم دائمًا: لا يمكن أن تنتقد شيئًا لم تستوعبه جيدًا، فما دمت لم تفهم مراد الكاتب أو قضاياه، لا يمكن أن تشن عليه هجومًا أو تعترض آراءه بالنقد.

ويبدأ القارئ هنا مرحلة النقد بذهن خالٍ تمامًا من أية افتراضات مسبقة حيال الكاتب وأفكاره، وما قد يقرؤه عنه من خلال مراجعات القراء الآخرين، ويشرع في النقد بهدف الوصول إلى حقيقة لا بهدف الهجوم على الكاتب أو دحض أفكاره وحججه. وهذه المرحلة من القراءة ذات أهمية بالغة للقارئ؛ إذ إنها تمرن ذهنه على النقد وإصدار الأحكام القائمة على المتابعة الجيدة.

في هذه المراحل الثلاث يُفضل موريتمر أدلر أن يفرد القارئ لكل مرحلة قراءة كاملة، فإذا تعمق في القراءة واتسعت خبرته فيها ووجد نفسه أكثر نضجًا أمكن له أن يجعل المرحلتين الأوليين قراءة واحدة، ثم قراءة أخرى لنقد الكتاب والإدلاء برأيه فيه. وعلى ذلك فتعلّم القراءة أشبه بتعلّم قيادة السيارة؛ يتقن المتعلم خلالها مجموعة من القواعد المنفصلة، كلٌّ منها يؤدي في النهاية إلى تشكيل عملية التعلم بوصفها وحدة متكاملة.

قد يتساءل القارئ، وله مطلق الحق، لماذا أقرأ كتابًا واحدًا عدة مراتٍ ما دام بإمكاني أن أقرأ عدة كتب وأوفر الكثير من الوقت؟ هنا تحضرني مقولة منسوبة إلى الأستاذ عباس العقاد: «أن تقرأ كتابًا جيّدًا ثلاث مرات أفضل من أن تقرأ ثلاثة كتب جديدة». باختصار وبساطة، يتناسب استيعاب عقل الإنسان وثبات المعلومات والأفكار في ذهنه طرديًّا مع تكرار القراءة، فإذا استفدت من القراءة الأولى 50% يمكنك أن تعزز الاستفادة بقراءة ثانية وثالثة.

الفلسفة والتاريخ والعلوم

تختلف قراءة التاريخ عن الفلسفة والعلوم في بعض النقاط، منها أن المؤرخ في كتابه أشبه بروائي يقص عليك تاريخ حقبة بعينها أو شخصية تاريخية أو أحداثًا يسردها لك. فيكون المؤرخ جيدًا إذا كانت لديه ملكة الرواية وترتيب الأحداث بشكل يسهل على القراء أن يستوعبوا تتابع الأحداث، وعليه فالمؤرخ لا يدلي برأيه في شخصية تاريخية أو حدث بعينه، بل يحاول جاهدًا أن يبلور الصورة كما كانت في وقتها وكما حدثت. ولكي تصدر حكمًا على كتاب تاريخي فأنت بحاجة إلى قراءة كتب أخرى تدور حول نفس الحقبة أو الحدث.

أما العلوم فباختلافها من فيزياء وكيمياء وعلم نفس وغيرها فهي تخبرك عن حقائق توصّل إليها العلم، سواء كان هذا منذ قرن أو عقد أو حتى عام، فهدف الكاتب العلمي في المقام الأول أن يعرض أمامك مجموعة من الحقائق مدعومة ببراهين، وعلى القارئ أن يعي المصطلحات العلمية التي يستخدمها الكاتب، وأن يفرق بين ما يعتبره الكاتب حقيقة ويدلل عليه، وبين ما يدلي به الكاتب كرأي شخصي لا يفتقر إلى برهان. على خلاف الفلسفة التي قد تكون المصطلحات فيها مأخوذة من كلام دارج على الألسنة كـ«المثالية»، إلا أن هذه المصطلحات لها معانٍ أخرى غير تلك التي نستخدمها. وعلى خلاف الكتب العلمية تناقش الكتب الفلسفية مسائل تميل أكثر إلى النظرية كنظرية المعرفة ونظريات العقل والعقائد.

فلا يركز الكاتب العلمي على تاريخ بقدر تركيزه على اختراع أو مصطلح علمي، وتحتاج أيضًا إلى القراءة عن هذه المصطلحات أو الاختراعات لتتمكن من إصدار حكمك في نهاية الأمر.

وأخيرًا، دعني أخبرك أن هذه ليست الطريقة الوحيدة للقراءة، فقد يجد القارئ أساليب أخرى للقراءة أكثر فائدة وأقرب إليه من الأساليب المذكورة في هذا المقال، ويمكن له أن يسير على النهج الأمثل له.

أن تقرأ كتابًا جيدًا ثلاث مرات أفضل من أن تقرأ ثلاثة كتب جديدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

قراءة, كتب, مجتمع

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد