خلال العطلة الصيفية وككل عام، وضعت لأطفالي خطة للإنجاز خلال الإجازة حتى لا تذهب أيامها التي تكاد تجاوز المائة هباء. ولأنني فقدت الثقة بكثير ممن يدعي إشغال فراغ الأطفال بنواد صيفية فقد قررت أن أباشر بنفسي وبتشجيع وتعاون من زوجي بتطبيق الخطة يوما بيوم مع المكافأة الأسبوعية.
طبعا رأس الخطة حفظ القرآن والحديث، وقد كان موعدهم البارحة مع حديث طويل جدا؛ لذلك قررت الاكتفاء بقراءته لهم دون مطالبتهم بحفظه.

الحديث الشريف: كان رواية كعب بن مالك لقصته حين تخلف عن غزوة تبوك. تأثر الصغار كثيرا بالحديث وفرحوا حين جاءته توبة الله: ولكنهم وعلى تعدد أعمارهم جميعا قد عرفوا أهم درس يمكن لهم أن يتعلموه في حياتهم: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين).

تلك القاعدة بسيطة جدا وتنسجم مع الفطرة السوية: إلا أنها أيضا هامة جدا وأساسية يُبنى عليها كل خير، ويبنى بهدمها كل شر. فقد تكون فعلا مخلصا ومؤمنا وصادق النية، ولكنك تخطئ، تتعثر، تذنب، تتهاون: فبالمحصلة أنت بشر ولست ملاكا؛ والله خالقك يعرف هذا منك، ويعرف أنك خطاء؛ ولذلك فإنه جل وعلا يسره سرورا عظيما أن تعود لتتوب وتستغفر ليمنحك عفوه ومغفرته، وهكذا بلا نهاية. ولكن ما يحول بين المرء والحصول على توبة الله هو الكذب والنفاق: فإنك إن لم تصدق في مواجهة نفسك، وصدقت مع الله ومع من له علاقة بذنبك هذا، فلا توبة لك. وكيف تتوب عن أمر أنت لم تعترف أساسا باقترافه؟ بل تقترف كذبا وأعذارا واهية لتهرب من المسئولية والعقوبة!

كعب بن مالك رضي الله عنه: أدرك فداحة جرمه وعرف أنه لا ينجيه منه إلا أن يصدق مع الله ومع رسول الله عليه السلام، وهذا ما أدركه الرسول عليه السلام ساعة كلمه كعب فعلق على كلام كعب بالقول: (أما هذا فقد صدق). ليتلقى عقوبة الله ورسوله له خمسين يوما، ويأتيه بعدها الفرج من مدخل الصدق الذي دخل به: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين).

في الوقت ذاته نزلت اللعنة الأبدية والفضيحة الأزلية لقرابة ثمانين منافقا كذبوا واختلقوا الأعذار خوفا من العقوبة، في مقابل ثلاثة صادقين اعترفوا وتابوا: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار).

قد فازوا بالدرك الأسفل في قعر الجحيم وهم أحياء، كما بشر قبلهم من الصحابة بالجنة وهم أحياء؛ ليصبحوا سكانا للدرك الأسفل من الجحيم يمشون على الأرض، هنيئا لهم كذبهم ونفاقهم وما جره عليهم من نقمة ولعنة أبدية!

المشكلة أن كثيرا من الناس لا يتعظون: وكثيرًا منهم عن القرآن والسنة لغافلون، وإن قرؤوها فإنها لا تجاوز حلوقهم، لتدخل إلى قلوبهم وعقولهم لعلهم يعقلون، فتغير سلوكهم، وتعلمهم بالقدوة وبالقصة وترشدهم إلى طريق الفوز المودي لرضا الله والجنة، وليس طريق الهلاك المودي لسخط الله والنار.

مجتمعاتنا اليوم وفي كثير من مناحيها إلا من رحم ربي، تشهد كذبا ونفاقا لا مثيل له على كافة الصعد، وربما لا يدرك أصحابها كم هم متناقضون وكم هم متلونون ومنافقون!

حافظوا على قشور كاذبة لعبادات تحولت عادات وأفرغوها من مضمونها، تشدقوا بشعارات هم في الحقيقة أول من يقوم بخرقها.

أدعياء الدين وما أكثرهم: الذين حولوه من انتماء لله لانتماء لأحزاب وتيارات وكتائب وفرق، الغرض الأساسي منها استخدام الدين لمصالحهم وأهوائهم؛ فئتلك الدولة التي تدعي أنها إسلامية تستحل سفك الدماء وقطع الرؤوس وسبي الأعرض باسم الله والله عز وجل منهم براء!

وذلك الكاذب الذي يدعي أنه يعمل مع الله يستغل كل من يعمل تحت يده وخصوصا إن كانت امرأة؛ فيغمطها حقها ويبخسها أجرها ويستغلها، وباسم الله، والله ورسوله منه براء، فإن اعترضت فالهجوم عليها أيضا بحجة أنها تعمل لله، ولذلك فعليها أن تصمت عن الظلم والبخس والإساءة للأبد. وهنا يحق لنا التساؤل: هل يعمل هو مع الله، أم مع الشيطان الرجيم؟

وعن المعارضين وما أدراك؟ أولئك الذين ظنناهم ثوارا! ثم تفاجأنا أنهم كغيرهم من الطغاة؛ يظنون البشر عبيدا لهم، من حقهم المتاجرة بدمائهم، ومن حقهم استغلال حاجتهم، ولا حق لهم أن يعترضوا على ما يرونه من فساد وإفساد في كل ما يمدون له أيديهم من مؤسسات أو أعمال إغاثية أو إعلامية أو سياسية أو وتعليمية وغيرها! وهل قمنا بالثورات لنستبدل مستبدا بآخر، وكل ما فعلناه بعد تلك الدماء والتضحيات المهولة أننا غيرنا الاسم فقط، أما تلك العقلية المستبدة الأنانية الظالمة المستغلة فمازالت بالحفظ والصون؟

أي نفاق هذا وأي كذب دفع ثمنه الملايين، ليكتشف كثير من الناس أنهم صدقوا كذبة كبيرة، وأنهم خرجوا من تحت الدلف إلى تحت المزراب، ولا عجب بعدها أن يلقي زهرة شبابنا أنفسهم في قوراب الموت، بحثا عن حياة لا نفاق فيها ولا كذب ولو سلموا رقابهم لتجار البشر لأيام أو أسابيع، ولكن ليس للأبد في حال رضوخهم للاستبداد. أو ليس هذا نفاقا قاتلا مدمرا للمجتمعات، موديا بها إلى جحيم التهلكة؟

أما نفاق الشبان فهو من نوع آخر؛ فالشاب الذي يدعي أنه شريف مكة بينما نظرة صغيرة على إنبوكس الفيس بوك تخبرك كم هو شريف وصادق!

و الفتاة التي تحافظ ظاهرا على العفة ولا تسمح لعلاقة قبل الزواج أن تتم: فإنها وبالخفاء تفعل كل ما يهدم عفتها، ولكنها تبقي على تلك العلامة الدالة على عذريتها خوفا من كلام الناس، وهي في الحقيقة أبعد النساء عن العفة. في حين قد يغرر بغيرها فتخطئ وتتوب وتستغفر وتعف حقيقة، ولكن في مجتمع لا تهمه إلا الشكليات فلا أمل يرجى لفتاة مثلها، إلا إن لجأت لأساليب الدجل والتدليس.هل العفة غشاء، أم سلوك وحياء من الله، وخوف من الوقوع في المعصية ورجوع عنها إلى السلوك القويم؟

أو ليس هذا تناقضا مع مفهوم العفة، ونفاقا ورياء وكذبا؟ لماذا لا نقبل ممن صدق توبته، في حين نتقبل الكاذب المرائي المنافق؟

وكذلك الحجاب: فهو عبادة خاصة بالمرأة الغاية منها حمايتها وحماية المجتمع من الفتنة وحماية الأسر من التفكك، فهل يا ترى ظاهر الحجاب اليوم في كثير من الحالات يؤدي هذا الغرض منه؟

هل هو فقط قطعة توضع على الرأس؟ ليظهر الشعر ويجسم البدن وتفوح العطور والزينة ويتكسر السلوك ويلان القول. أم هو سلوك أصلا قبل أن يكون لباسا؟ والغرض منه هو: الحشمة والعفة، وهذا ما لا يحققه حجاب الكثيرات اليوم، أو ليس هذا تناقضا صارخا مع الغرض الأساسي للعبادة؟ ونفاقا وكذبا وضحكا على اللحى؟ أو لسنا نتمنى من كثيرات ممن تناقض سلوكهن ومظهرهن مع حجابهن أن يخلعن ذلك الحجاب الذي يهينونه ويسيئون إليه؟

وذلك الرجل المنفتح المؤيد لحقوق المرأة المتحرر والمتعاطف مع النساء: ترى كيف هو مع أهل بيته ونسائه؟ وتلك الابتسامة واللطف والذوق التي تظهر جلية خارج منزله، ليظهر في شخصية الجنتلمان، هل هي موجودة أيضا مع زوجته وبنته وأخته؟ أم أنه يتحول إلى رجل ببوز شبرين أمامه, متسلط غاضب متفرد بقراراته ومتعسف، يحرم امرأته في السر من كل الحقوق التي يتشدق بها في العلن، نسخة مكررة بقشرة مختلفة من سي السيد! أو ليس هذا هدما لكل ما يدعيه بالنهار؟ ونفاقا وكذبا وانفصاما من أثقل عيار؟

وذلك الرجل والمرأة القارئان لكتاب الله، الصائمان المصليان، حسنا الخلق، حين يصل أداء الواجب وحسن المعاملة إلى كنتهما زوجة ابنهما، فإن كل هذا يختفي ليتحول أداء الحقوق لبناتهما الذي هو فرض على الصهر، إلى سلب لحقوق كنتهما التي لا تستحق، ويتحول الاحترام للصهر الموقر لازدارء وإهمال للكنة وغيرة قاتلة من أي تقدم تحرزه في حياتها أو حب ورعاية ودلال ودعم تحصل عليه من زوجها، حتى يشكوا بأنها قد سحرت ابنهم، أما ابنتهم فحلال عليها كل هذا وهذا أساسا من واجب صهرهم.

فأي فهم للدين هذا وأي مرض وأي تناقض ونفاق وفي ذات القضية وعلى ذات المحور، كيف يكون حسن المعاملة وإكرام الزوج لزوجته وإحسان أهله إليها واجبا على زوج ابنتك حقا لها، مسلوبا بالكامل من زوجة ابنك؟ ولكن الهوى أعمى الأبصار قبل القلوب التي امتلأت نفاقا وكذبا وتلاعبا بالقيم.

أكتفي بهذا القدر من أمثلة النفاق والكذب والرياء، والحقيقة أن مجتمعاتنا كنز لا يفنى من التناقضات القاتلة بين القول والعمل، والله جل وعلا يقول: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون). وإن التناقض بين الظاهر والباطن والقول والفعل لهو النفاق والنفاق يعني تذكرة دخول مجانية للدرك الأسفل من النار، فهو خسارة الدنيا والآخرة.

ولو أن هذا السلوك يعطي صاحبه راحة في الدنيا لكان معقولا، ولكن راحته آنية لا تتجاوز دقائق وعلى الأكثر أياما؛ فالكاذب والمنافق والمرائي يعيش في حالة تناقض مع ذاته، وقلق دائم من افتضاح أمره وخوف من عاقبة كذبه على نفسه وعلى الناس، وليس بعيدا أن يصاب بالمرض نتيجة ذلك القلق، فالنفس المريضة تمرض الجسد، وقد خسر المنافق نفسه، فهو لا يكن لها أي احترام في سريرته ولا عجب أن يعاقب الجسد ذاته بالمرض، فهم ممن قال الله تعالى عنهم: (إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ذلك الخسران المبين). ونتساءل مقابل ماذا هذه التذكرة المجانية لخسارة الدنيا والآخرة؟ فكيف الخلاص وكيف ننقذ النفس منها؟

الخلاص في قصة كعب بن مالك، قصة الإنسان الباحث عن الحق المتمسك بالصدق مع الذات ومع الآخر ومع الله ومع الكون كله:
فالصادق حين يخطئ فإنه يعترف ويتوب ويرجع، ويبقى في حال مراجعة دائمة للنفس، ليطابق قوله فعله، وسره علانيته، فهو في رحلة جهاد دائمة لتحقيق الصدق والحق والتقوى، وكل هذا بحاجة إلى صبر ومصابرة واستعانة بالصادقين الذين يساعدونه على التزام درب الله بالإيمان الخالص والعمل الصالح؛ ليكون ممن قال تعالى عنهم: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين). كل ما عدا ذلك هو درب الخسارة، تذكرة هلاك مجانية: (والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد