خرج الجنرال المخضرم «ليي» من معسكر القوات الأمريكية «الفيدرالية»، بعد أن وقع معاهدة استلام جيشه، وبعد أن أوقع جيشه الأصغر عددًا والأضعف عتادًا خسائر بالجيوش الفيدرالية الأمريكية؛ كلفتهم مئات الآلاف من الأرواح، وأسقط عدة مدن، لكن بعد ثمانية سنوات من الكر والفر، وبعد أن هزم عدد من جنرالات العدو، حاصره الجنرال الشاب «جرانت» في عاصمة الثوار «ريتشموند»، بعد سلسلة من الهزائم، وكان لابد له من الاستسلام. وقف الجنرال الشجاع أمام الجند؛ لينبئهم بالخبر، لكن لم يقدر؛ وقد غلبته الدموع، غير أن يقول «حاربنا سويًا، وفعلت كل ما بوسعي»، ولم يكن مضطرًا لأكثر من ذلك على أية حال؛ لأن الخبر انتشر، وانهمر الجنود المنهكون في البكاء، ووقفوا على هيئة صفين وأفسحوا الطريق لقائدهم الذي آثر الترجل من المنبر، والعودة لداره بعد أن أمطروه بالتصفيق، وغلبت الجنرال الفخور مشاعر الحزن.

 

كان هذا المشهد الختامي للحرب الأهلية الأمريكية التي استمرت أكثر من ٨ سنوات، وخلفت أكثر من ٦٥٠ ألف قتيل، بمعدل قتيل بكل خمس دقائق. الحروب الأهلية أكثر دموية وتدميرًا، وإنهاؤها أصعب بكثير من أي حرب أخرى. عالمنا العربي الذي يتمزق اليوم بأكثر من حرب أهليه أبرزها الحرب المروعة في سوريا ليس استثناء. من خلال مراجعة لبعض من أبرز الحروب الأهلية نستطيع أن نستنتج كيف يمكن إيقاف حرب أهلية، وماهي أبرز العقبات.

 

حلان لا ثالث لهما

 

هناك طريقتان فقط لإيقاف الحروب الأهلية: إما انتصار حاسم من طرف على طرف آخر، مثل انتصار الملك «عبد العزيز» في جزيرة العرب على الأشراف، أو انتصار الحزب الشيوعي الصيني في الحرب الأهلية الصينية، أو التوصل إلى اتفاقية سلام، مثل اتفاقية «الطائف» بالنسبة للحرب الأهلية اللبنانية، واتفاقية «السلام الكردية التركية».

 

الانتصار العسكري الحاسم

 

في كتاب جيد درست فيه الباحثة الأمريكية «مونيكا توفت» معظم الحروب الأهلية منذ عام ١٩٤٠م توصلت إلى نتيجة، مفادها: أن الحروب التي تنتهي بانتصار عسكري لطرف على طرف آخر هي أفضل للبلاد، مع أن الجميع في خضم الحروب الأهلية يتمني أن تنتهي باتفاق سلام؛ ليحد من الضحايا والدمار. الكاتبة وبناء على بيانات هذه الحروب بينت أن البلاد التي ينتهي بها الحال إلى اتفاق بين الأطراف، يرتفع فيها عدد الضحايا عن تلك التي تنتهي بانتصار طرف على آخر. السبب غالبًا يعود لضعف حكومة الفرقاء، وعدم حل المشاكل الرئيسة؛ مما يسهل عودة الخلافات المسلحة وارتفاع نسبة الجريمة. والغريب أيضًا في هذه الدراسة هو أن في معظم الأحيان تكون البلاد في حال أفضل حين ينتصر الثوار مما هي عليه إذا ما انتصرت الحكومة المركزية؛ لأنه لكي ينتصر الثوار على حكومة، فلابد لهم من دعم شعبي واسع، وأجهزة مؤسساتية تعمل بشكل جيد في تمويل الحرب وإدارة المناطق المحررة. على النقيض، فحين تنتصر الحكومة تكون قد أنهكت الأجهزة البيروقراطية في البلاد في حرب أهلية واستنفدت الموارد المالية، وتدين بالكثير لحكومات أجنبية، فإن قدرتها على أن تنتشل البلاد من ويلات الحرب تكون أضعف.

ولكن على أية حال، كيف يتم حسم الحروب الأهلية لمصلحة طرف واحد؟

  • اعزل أو قلل من تأثير التدخل الأجنبي

في الحرب الأهلية الأمريكية كان الهدف الدبلوماسي الأول لحكومة «لنكولن» هو منع أي اعتراف أوروبي بالجزء المنشق، ولتحقيق ذلك تم عمل حصار بحري، وإرسال تحذير لجميع الدول الأوروبيه بأن أي اعتراف أو دعم للثوار، سيعتبر بمثابة إعلان حرب على الولايات المتحدة. نجحت السياسة إلى حد كبير، وعندما أوقفت البحرية الأمريكية سفينة بريطانية تحمل سلاحًا وقيادات عسكرية للثوار، أرسل الرئيس الأمريكي اعتذارًا رسميًا على أمل ألا تتدخل بريطانيا بالحرب. مع الوقت ضعف تمويل الثوار، ولم تعترف بهم أية دولة أجنبية؛ مما خنق اقتصاد الثوار، وسهل موضوع الحسم العسكري.

في الحرب الأهلية اللبنانية (١٩٧٥ – ١٩٩٠) كان النفوذ الأجنبي واضحًا بشكل مباشر عند اندلاع الحرب؛ فدول مثل سوريا وإسرائيل وفرنسا والسعودية كان لها تأثير على مختلف الفصائل؛ مما أدى إلى إطالة أمد الحرب ورفض أي فصيل التفاوض.

 

  • اخلق قيادة قادرة على امتصاص الخلافات وتوحيد الجهود

في جميع الأحوال إذا لم يكن هناك قيادة قادرة علي فعل شيئين: توحيد الجهود الحربية، وحل النزاعات الداخلية، فإن الحرب ستطول، والحسم العسكري سيبدو حلمًا. استطاع علي سبيل المثال «المهاتما غاندي» تنفيذ هذين الدورين بكل مهارة خلال الكفاح الهندي ضد الاحتلال البريطاني وأعوانه من الهنود. خلال الحرب الأهليه يبرز زعماء «مليشيات» يتحكمون بالكثير من السلاح والرجال. وإذا لم يكن لهم مرجعية وقيادة؛ فسينزلقون بسهولة إلى قتال شوارع ما بينهم، متناسين الهدف من الثورة المسلحة بالأساس. الحرب اللبنانية هي خير مثال مجددًا للفشل في تشكيل قيادة أو تنصيب قائد عام أيضًا الحرب الأفغانية بعد الانسحاب السوفيتي كانت لنفس السبب.

 

  • صعّد في الوقت المناسب «فن التوقيت»

خلال الحروب الأهلية ستصل الأطراف المتحاربة إلى ما يشبه نقطة التعادل، وتبدأ المساومات والحلول الوسطية. على القيادة الراغبة بالحسم العسكري التمسك بمجموعة صلبة من المبادئ غير القابلة للمساومة والتصعيد، عندما ينتهك الطرف الآخر المبادئ هذه. على سبيل المثال في الحرب الأهلية الأمريكية، وبعد وصول نزيف الدماء والأموال إلى درجة غير مسبوقة  ظهرت مجموعة من السياسيين المطالبين بإنهاء الحرب سلميًا وبشكل فوري، وشكلوا مجموعات ضغط علي الحكومة المركزية. الرد من الرئيس لنكولن كان بتصعيد الحرب من خلال الدفع بإعلان تحرير العبيد وتجنيد العبيد الفارين من الثوار؛ مما جعل أية اتفاقية عاجلة للسلام مستحيلة. الخطوة التالية كانت تنحية هؤلاء المعارضين واغتيالهم سياسيًا. لو قامت حكومة لنكولن بهذه الخطوة في بداية الحرب لخسرت الحرب، ولو قامت بهذه الخطوة متأخرة لتسببت بانقلاب عسكري. اختيار التوقيت المناسب محوري في الحروب الأهلية؛ لأنها حرب بين الأهل والجيران بالأساس.

في الحرب الأهلية برواندا (١٩٩٠-١٩٩٤) وبعد ثلاثة سنوات من الاقتتال الأهلي وصل الطرفان إلى طريق مسدود، وضغطت بعض مراكز القوى على الرئيس؛ لينقل معظم صلاحياته للحكومة الانتقالية، بما أصبح يعرف باتفاق «أروشا». الاتفاق لم يصمد لبضعة أشهر. بعد فترة بسيطة تم إسقاط طائرة الرئيس بصاروخ، ومات كل من فيها؛ مما أجج مشاعر الغضب عند مناصريه، وتسبب بمجازر أسقطت ما يقارب من مليون ضحية في غضون ثلاثة أشهر (بمعدل ستة قتلى في الدقيقة)!

 

الثلاثة قوانين السابقة يبدو أنها العامل المشترك في كثير من الحروب الأهلية التي تحسم بحل عسكري، وتنتهي بالبلاد إلى فترة انتقالية هادئة، وعودة للانتقال السلس للحكم. في المقالة القادمة سنستعرض كيف تنقضي الحروب الأهلية بالحل الآخر، وهو التفاوض السلمي، وكيف تصمد اتفاقيات السلام، وما إذا كان أي من الحروب العربية الحالية مرشحة للانقضاء قريبًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد